أمين صالح

1- من الضروري أن يحدث تفاعل بين كاتب القصة أو الرواية والأشكال الفنية الأخرى، من تشكيل وسينما ومسرح وتلفزيون، والاستفادة من عناصرها وتقنياتها ومنظوراتها إذا كان ذلك يساهم في تعميق الشكل الأدبي الذي يمارسه، وإعطائه زخماً ورحابة في الرؤية والرؤيا.
شخصياً، بدأت علاقتي بالأفلام السينمائية منذ الصغر عن طريق المشاهدة كنوع من التسلية والترفيه لذاك الطفل الذي أخذ يهيم بسحر حركة الناس وبطولاتهم وقصصهم الدرامية الآتية من سطح الشاشة البيضاء في طقس مغلّف بعتمة الصالة.. لكن بمرور السنوات غدا الطفل شابا وأخذ يطرح أمام نفسه الأسئلة الصعبة حول وظيفة ودور وأهمية هذا النوع من التسلية القادر أن يصبح فعالاً ومؤثراً وملهماً كفعل إبداعي متعدد الأشكال.
من هنا رغبت بمتابعة هؤلاء السينمائيين الأفذاذ سواء أكانوا نجوماً أو مخرجين أو كتّاباً، عبر القراءة والتثقيف الذاتي، وأخذت علاقتي تتدرّج في فهم السينما من تسليةٍ إلى وسيلة تعبيرية تمتلك مفرداتها الجمالية والفكرية بحيث قادني ذلك إلى إحساس بأن الواقع السينمائي يبدو أحيانا أكثر صدقاً وجمالاً من الواقع نفسه.
هذا كله دفعني، بحماسة الشباب وشغف المغامرة، إلى ضرورة التوجه نحو دراسة السينما والالتحاق بقافلة صناعها، بيد أن الظروف المادية الصعبة وقفت عائقا أمام استكمال هذه الرغبة التي ظلت في دائرة المشاهدة والمتابعة النقدية.

2- كنت وقتها، في بداية الثمانينيات، أبحث عن بديل يعوّض غياب السينما كممارسة في واقعنا المحلي. الأمر الذي قادني إلى الكتابة السمعية البصرية للشاشة التلفزيونية. كان ذلك تعويضاً عن حلم لم يتحقق حينذاك بالكتابة للسينما. في الواقع، لم يكن المجال متاحاً للفعل السينمائي، بسبب انعدام الإنتاج السينمائي، بينما كان متاحاً في الحقل التلفزيوني، لتيسّر الإنتاج التلفزيوني ووجود رغبة جادة في تحقيق أعمال درامية محلية. لقد كانت الدراما التلفزيونية المحلية، آنذاك، تمر بحالة من التنامي والانتعاش بفضل اهتمام المسؤولين من جهة، وظهور مواهب شابة في مجال الإخراج والتمثيل والتصوير والإضاءة والمونتاج.
لم تتوفر لدي، وقتذاك، المعرفة التقنية بالكتابة التلفزيونية، فالتجربة عموماً كانت في بداياتها من حيث الكم والكيف. كنت أختبر أدواتي مستعيناً بتجربتي الأدبية في الكتابة السردية وفي الحوار، ومستعيناً أيضاً بمشاهداتي الوفيرة للأفلام السينمائية وللأعمال التلفزيونية العربية والأجنبية. وكنت أعلم أن الوقت كفيل بإنضاج الأدوات والأسلوب والرؤى.
كان تعاوني مع التلفزيون في شكل سهرات درامية وبرامج منوعة ومسلسلات. ولا شك أن لكل مخرج، تعاونت معه، أسلوبه الخاص في العمل، وطريقته المختلفة في التعامل مع النص. مع هؤلاء المخرجين اختبرت النجاح والإخفاق، لكن كل تجربة، في نظري، كانت ضرورية ونافعة.. بطريقة أو بأخرى. إنها تشكل التراكم النوعي الذي على ضوئه تقوم بشحذ مصادرك وصقل أدواتك وعناصرك.. وكذلك فهم علاقتك بالمخرج والعناصر الفنية الأخرى.

3- على الكاتب أن يعي طبيعة وخاصيات المجال الذي يعمل ضمنه، سواء من ناحية المضمون والأفكار والحبكات ورسم الشخصيات والأحداث، أو من ناحية الشكل والأسلوب والتقنية. هذه أساسيات لابد من توفرها في أي كاتب سيناريو. لكن أيضا يتعيّن عليه أن يمتلك تجربة حياتية وثقافية عميقة، إلى جانب الحساسية العالية، نفسياً واجتماعياً، في التعامل مع شخوص درامية متنوعة ومتباينة. إن العمق في طرح الأفكار يستلزم امتلاك المعرفة الحياتية والثقافية التي بدونها لن ينتج المؤلف غير أعمال ضحلة وسطحية، وغالباً ما تكون تكراراً لأفكار ومواقف وشخصيات مألوفة.

4- في الدراما التلفزيونية، كما في أي شكل فني أو أدبي، تسعى إلى التجديد والمغايرة، تطمح إلى تقديم رؤية عميقة للواقع ومشكلاته وتناقضاته، تحاول أن يكون رسمك للشخصيات والأحداث صادقاً ومقنعاً قدر الإمكان. لكنك في المقابل تدرك أنه ليس عملك وحدك، وأنك عنصر مشارك كبقية العناصر العديدة الأخرى، وأن النتيجة النهائية قد لا تكون مرضية مئة بالمئة.
هذه هي طبيعة الفعل الجماعي، سواء في المسرح أو السينما أو التلفزيون. هناك أفراد آخرون، لهم سلطة ونفوذ وتأثير، سوف يتدخلون – بالضرورة – في عملك، ولا يمكن تجنب ذلك: للمخرج نظرته أو رؤيته الخاصة، للمنتج معاييره وحساباته، للممثلين وجهات نظرهم، وللمصور والمونتير وغيرهما آراء وأفكار واقتراحات. عندئذ تجد عملك وقد تعرّض لتغييرات وتعديلات وتحولات بدرجات أو بأخرى.. ولابد أن تقبل وتسلّم بذلك، وتتقبّل الأمر برحابة صدر ومرونة، فمن حق الآخرين أن يتاح لهم ذلك طالما هم مشاركون في إبداع العمل، وليسوا مجرد منفّذين سلبيين.. وكل ما تتمناه – في هذه الحالة - هو أن يثروا نصك، يعمّقوا رؤيتك، ويبدعوا عملاً جميلا وممتعاً وعميقاً.. لا أن يشوهوا ويخرّبوا عملك نتيجة سوء فهم أو تباين في الرؤية أو بسبب جهل وربما تخلّف فكري وفني.

5- الكاتب التلفزيوني محاط بسلسلة من الحواجز المنيعة من الرقابات (الموضوعية والذاتية):
الرقابة الرسمية، حيث وجوب مراعاة المحظورات في ما يتعلق بالسياسة والدين والأخلاق والآداب العامة.
المنتج الذي لا يكف عن تغذية الجمهور بما هو مكرّر ومبتذل وعديم القيمة.
الجمهور الذي يصيح كالطفل المدلل طالباً وجبته اليومية من القصص المألوفة.
المخرجون والممثلون والفنيون الذين ينظرون بعين الارتياب إلى كل ما هو مختلف وغير تقليدي، وينأون بأنفسهم عن كل ما هو جديد ومغاير في المضمون والشكل والأسلوب.
الصحفيون، في المجال الفني، الذين يطالبون ليلاً ونهاراً بحرية الرأي والتعبير لأنفسهم لكنهم لا يرون عيباً أو تناقضاً في المطالبة – عبر مقالات حادة ومحمومة – بفرض رقابة صارمة على المسلسلات ومنع عرضها إن أساءت الأدب وخدشت الحياء، وحتى لو لم ترض أذواقهم وتلبي غاياتهم.
الجمعيات الأهلية والمهنية والدينية التي تتربّص بأي محاولة ل «تشويه» صورة مهني (طبيب أو محام أو غيرهما) أو التعرّض لقضايا خلافية في المجتمع.
أخيراً – وليس آخراً – هناك الرقابة الذاتية التي يفرضها المؤلفون على أنفسهم وعلى كتاباتهم وأفكارهم وطموحاتهم، متجنبين تقديم ما هو مخالف لرغبات وتوقعات الآخرين.
أرجو ألا يُفهم من كلامي أني أبرّر للمؤلفين هبوط مستوى أعمالهم، وأبحث عن أعذار لهم، فأي متابع للدراما التلفزيونية يدرك أن نسبةً كبيرة من المؤلفين لا يمتلكون الوعي الاجتماعي والفكري، ولا الخبرة الثقافية، ولا الحساسية الفنية. أغلبهم حرفيون، يراهنون على العلاقات الاجتماعية العامة، وعلى جهل المنتجين، وعلى خوف المخرجين من البطالة، وعلى جمهور يفضّل كل ما هو تقليدي ولا تعنيه الخاصية والجودة.
لكن، كما أشرت، ينبغي أن ندرك أن العمل الدرامي التلفزيوني ليس فردياً، إنما هو نتاج وحدة كاملة من العناصر الفنية ليس النص غير عنصر مشارك.. أساسي لكن لا سيادة مطلقة له.

6- ليس للكاتب الكلمة الأولى والأخيرة، أي ليس هو من يقرّر أي نوعية يمكن للمحطات أن تقدمها. المنتج هو من يقرّر ذلك. إذا شعر هذا المنتج أن الأعمال التراثية والتاريخية هي المطلوبة شعبياً، وهي الرائجة جماهيريا، فإنه سيبحث عن عمل تراثي. إنه خادم للجمهور، يلبي ما يريده الجمهور (رغم أن هذا الجمهور يخذل توقعاته أحياناً).
المنتج التلفزيوني يحرص على أن تكون المادة الدرامية ملائمة للنزوع الاستهلاكي عند الجمهور العام، ومتفقة مع الذائقة السائدة التي اعتادت – حد الإدمان وبلا ضجر – على الميلودرامات العائلية بما تزخر به من فواجع وبكائيات ومبالغات.. وأي خروج عن هذا المطلب، أي مغايرة، هي مجازفة لا يرغب المنتج في القيام بها.

7- الكثيرون يطالبون الدراما المحلية والخليجية بأن تعرض (وتعالج) قضايا الواقع والمجتمع، لكن بمجرد أن يقترب عمل ما من الواقع الحقيقي ويمس قضية أساسية وجوهرية وملحة، حتى نجد حالة غير طبيعية من الهياج والسعار تجتاح الأوساط المتلقية للعمل (من جمهور وميديا ووسائط اجتماعية) احتجاجا على جرأة ووقاحة العمل الفني لتصويره الجانب السلبي والبشع من الواقع.. متهمين العمل بأنه يشوّه صورة المجتمع، ويفضح ما ينبغي ستره من ممارسات وسلوكيات، منددين بإنتاج هكذا أعمال، ومطالبين بمنع عرضه.
تقارير وزارة الداخلية والمحاكم والصحافة تنشر يومياً القضايا الجنائية والسرقات والحوادث والانحرافات الاجتماعية والأخلاقية وغيرها من القضايا التي يزخر بها مجتمعنا، كما الحال مع بقية المجتمعات على الكرة الأرضية. لكن ما إن يبدي عمل درامي اهتمامه بإحدى هذه القضايا، ويمس مكامن الخلل في الواقع، حتى يعلو الصياح الهادر: هذا شيء دخيل على مجتمعنا الطاهر البريء.. هذا شيء لا يحدث عندنا.. هذا تحريف للواقع.. هذا فضح لا يليق.. هذا جرح لمشاعرنا الرقيقة.. هذا إيذاء لحواسنا الرهيفة.. هذا غسيل وسخ لا ينبغي نشره على الآخرين.. هذا تشويه لسمعتنا.. إلى آخر مظاهر النفاق الاجتماعي ومحاولات التضليل والتزييف.
بالطبع نحن نرفض الابتذال والتسطيح في تناول وعرض مثل هذه القضايا، لكن ينبغي أيضاً أن ندين الأصوات التي تطالب بعرض مشكلات المجتمع وفي الوقت ذاته تخاف من الفضيحة إن بادر عمل ما إلى تصوير إحدى هذه المشكلات.

8- إني أجد متعة وإثارة في كتابة الدراما التلفزيونية رغم صعوبتها وما تسببه من إرهاق وضغوطات، وما تفرضه من شروط تستدعي منك مرونة كبيرة في تقبل التغييرات التي يفرضها المنتج والمخرج والممثل ومختلف العناصر المشاركة في تنفيذ العمل، كما تستدعي منك القبول بتسويات وتنازلات من أجل إنجاز العمل.. هذه ضريبة المشاركة في العمل الجماعي.. ليس عملاً فردياً تتحمل وحدك نتيجته، إنه عمل جماعي يديره وينسقه شخص آخر، هو المخرج.
مع ذلك أجد لذّة في التلاعب بمصائر شخصيات العمل وتحريك مساراتها وفق مشيئتي، وكذلك التلاعب بتوقعات الجمهور. هناك أيضاً الحوارات التي أستمتع بكتابتها.
وعندما سنحت لي الفرصة للكتابة للسينما، في شكل سيناريوهات طويلة وقصيرة، لم أتوقف عن كتابة الدراما التلفزيونية. لقد اكتشفت أن لكل وسط فني مزاياه وجاذبيته ومتعته، وشروطه أيضاً. بالتالي، فإنني عندما أكتب للتلفزيون لا أشعر بأن هذا الوسط لا يستوعب ما أريد أن أتناوله وأطرحه، بل أحاول أن أتكيّف مع أجوائه وإمكانياته وطرائقه وتقنياته، ومن خلال ذلك أسعى إلى تقديم حكاياتي.
وبطبيعة الحال فقد استفدت من تجربتي التلفزيونية، التي لم تثمر سوى السهرات والمسلسلات والبرامج، في القدرة على الولوج إلى عالم السينما الذي كان حلمي الأكيد.. من هنا استطعت في بداية التسعينيات من القرن الفائت اقتحام المجال السينمائي الذي تبلور بكتابة السيناريو لدى قيام المخرج بسام الذوادي بالتحضير لإنجاز فيلمه الروائي الطويل الأول «الحاجز»، ومن ثم تكررت محاولاتي عبر أفلام قصيرة وأخرى طويلة لم تسنح لها فرصة الإنجاز بعد.