الإثنين 16 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
الإحساس بالذنب لا يعني «جلد الذات»
الإحساس بالذنب لا يعني «جلد الذات»
24 أغسطس 2013 20:24

من الطبيعي أن يرتبط الإحساس بالذنب بالضمير أو الوجدان بشكل مباشر، وحيث يعرف الضمير بأنه قدرة الإنسان على التمييز فيما إذا كان ما يصدر عنه من أفعال وسلوك خطأ أم صواب أو أنه الميزان الذاتي الذي يميز بين ما هو حلال وما هو حرام أو بين الحق والباطل، وبين ما خير وشر، وبين ما هو مقبول أو مرفوض.. وهكذا. فالضمير وصف يجسد كتلة ومجموعة من المشاعر والأحاسيس والمبادئ والقيم، تحكم الإنسان وتأسره، ليكون سلوكه جيداً محترماً مع الآخرين، ويحس بهم، ويحافظ على مشاعرهم من دون ظلم، ويراعي حقوقهم. فهو باختصار شديد « ميزان الحس والوعي» عند الإنسان لتمييز الصواب من الخطأ، مع ضبط النفس لعمل الصواب، والبعد عن الخطأ. ومن ثم يتأتى فهم الإحساس بالذنب، على أنه شعور داخلي باللوم، وعقاب الذات عند الخطأ، وهو ما يؤدي إلى الشعور بالندم، عندما تتعارض الأشياء التي يفعلها الفرد مع قيمه الأخلاقية، وإلى الشعور بالاستقامة أو النزاهة عندما تتفق الأفعال مع القيم الأخلاقية، وهنا قد يختلف الأمر نتيجة اختلاف البيئة أو النشأة أو الثقافة، ومفهوم الأخلاق لدى كل إنسان، لكن قد ينحو الإحساس بالذنب منحىً سلبياً، ويجلب للشخص آلاماً ومتاعب نفسية عديدة، ولا سيما عند الأطفال الصغار، الذين يتربون على الإفراط في عقاب النفس، وعدم نضج إدراكهم للفرق بين تقويم الذات الطبيعي، وجلد الذات في كل المواقف. الدكتورة فوزية الدريع، ترى أن الإحساس بالذنب عادة ما يكون انعكاس لمشكلات نفسية عديدة أخرى يعانيها الإنسان، مثل الكآبة أو الهلوسة أو القلق أوغيرها، والإحساس بالذنب ليس إلا مجرد عرض من تلك الأعراض المصاحبة للاضطرابات النفسية وليس أكثر. وهناك بعض مشاعر الذنب اليومية، وهي مشاعر عابرة ، وبعضها ليس عابراً، وهناك ذنب كبير يحمله الإنسان معه منذ فترة طويلة، وعادة ما يكون الفعل كبيراً جداً كالأفعال التي سبق ذكرها، والتي تكون خطأ أو خطيئة، ويبقيان يعيشان مع الشخص، وهذا إحساس قاتل يسيطر على الشخص، وبالطبع يريد أن يتخلص منه، لكنه لا يعرف كيف، ولا يعرف ماذا يفعل؟ فالإنسان عندما يفكر في شيء غير أخلاقي فعله فإن الرسالة الثابتة في مخه هي «ما كان يجب أن تفعل ما فعلت»، هذا الإلحاح الدماغي، والسيطرة الحاصلة قد تعود لكونها حيلة نفسية حتى لا يعيد ما فعله أو ما يشابهه مرةً أخرى، وهذا يعني أن المخ يدير شريطاً مؤلماً ليوقف الإنسان عن أي عمل مشابه لذلك. فكل إنسان يعيش إحساساً بشعاً بالذنب، بسبب فعل بشع ارتكبه، هو في الحقيقة مجرد إنسان، ووجد فرصة ما، في وقت ما، في إحساس ما، وحدث ما حدث، لكن الذي يشعر بالذنب الكبير لا يريد أن يغفر لنفسه ما حصل ويعيش بإحساس «ما كان يجب أن أفعل ذلك ». فالإحساس بالذنب موجود ولن يتغير بسهولة، وأمام ذلك، هذا ما نرى أن عليك أن تقول لنفسك: «نعم اعترف بأنني تصرفت بطريقة غير أخلاقية حسب معايير المجتمع، وحسب إدراكي لذلك». نعم.. أنا كنت في وقتها إنساناً سيئاً.. أنا تصرفت هكذا لأن الظروف جعلتني أتصرف هكذا.. لو كنت أعرف الذي أعرفه الآن ما حدث الذي حدث، ولو كنت أشعر بما أشعر به الآن لما فعلت ما فعلت. هذه الحال يمكن أن ترحم النفس قليلاً من سياط تأنيب الضمير. ويجب أن نعرف أن الإنسان لا يتعلم إلا من الماضي، والماضي الخطأ ، لذلك لنقبل أخطاءنا لأنها دروس تعليم» . من ثم يجب على الآباء والأمهات تربية الطفل منذ نعومة أظافرة على التمييز بين الخطأ والصواب، وبين المقبول والممنوع، والمسموح به والمرفوض، وأن يعي تدريجياً ما هي قيم المجتمع، وأخلاقياته، وأن يدرك منذ وقت مبكر معنى الحرام والحلال، وأن هناك ما نخافه ونخشاه، وأن القيم الدينية تتسق وتتناغم مع القيم الأخلاقية، والقيم الاجتماعية المتحضرة. وعلى الآباء والأمهات تعليم الطفل كيف يكتسب ثقافة الاعتراف بالخطأ، وأن يقر بالخطأ عندما يخطئ، لأن الاعتراف بالخطأ يخفف من وطأة حسابه لنفسه، وأن عليه أن يفعل ما هو مقبول، لأنه يحب ذلك، وليس لمجرد أن الآخرين لا يقبلونه منه.

المصدر: أبوظبي
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©