صحيفة الاتحاد

دنيا

أبوبكر الباقلاني الفقيه البارع والقاضي العادل

أحمد مراد (القاهرة) ـ أبو بكر الباقلاني فقيه بارع، ومحدث حجة، ومتكلم على مذهب أهل السنة والجماعة وطريقة الأشعري، انتهت إليه رئاسة المالكية بالعراق في عصره، وكان ذكيا غاية في الذكاء والفطنة وكان مسددا في نقاشه، محافظا على كرامة الإسلام، عفيفا في لفظه.
يقول د. محمد عبدالعزيز ـ أستاذ التاريخ الإسلامي بجامعة الأزهر: هو محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر بن القاسم، والمعروف بالقاضي أبو بكر الباقلاني المالكي، ولد سنة 328 هجرية، وهو من أهل البصرة وسافر إلى بغداد وسكن فيها، ودرس الحديث في بغداد على يد أبي بكر بن مالك القطيعي وأبي محمد بن ماسي، وأبي أحمد الحسين بن علي النيسابوري، وأخذ علم الكلام عن أبي عبدالله محمد بن أحمد بن مجاهد الطائي صاحب الأشعري، وأخذ عنه أئمة منهم أبو ذر الهروي وأبو عمران الفاسي والقاضي أبو محمد بن نصر.
ذكاؤه
ويروى عنه أنه جرت يوما بينه وبين أبي سعيد الهاروني مناظرة، فأكثر القاضي أبو بكر الكلام ووسع العبارة وزاد في الإسهاب، ثم التفت إلى الحاضرين وقال: اشهدوا عليَّ أنه إن أعاد ما قلت لا غير لم أطالبه بالجواب، فقال الهاروني: اشهدوا عليَّ أنه إن أعاد كلام نفسه سلمت له ما قال. وذكر ابن عساكر الدمشقي في “تبيين كذب المفتري” سعة علمه فقال: “قال أبو الفرج: وسمعت أبا بكر الخوارزمي يقول: كل مصنف ببغداد إنما ينقل من كتب الناس إلى تصانيفه سوى القاضي أبي بكر، فإن صدره يحوي علمه وعلم الناس”.
وذات مرة سأله بعض الأساقفة بحضرة ملكهم فقال: ما فعلت زوجة نبيكم وما كان من أمرها بما رميت به من الإفك؟ فقال الباقلاني مجيباً له على البديهة: هما امرأتان ذكرتا بسوء مريم وعائشة فبرأهما الله عز وجل وكانت عائشة ذات زوج ولم تأت بولد وأتت مريم بولد ولم يكن لهـا زوج، وكل منهما بريئة مما قيل فيهما وهما بحمد الله منزهتان مبرأتان من السماء بوحي الله عز وجل.
ويضيف د. عبدالعزيز: كان الباقلاني لا ينام حتى يكتب عشرين ورقة في كل ليلة مدة طويلة من عمره، الأمر الذي جعله صاحب مؤلفات وكتب عديدة، ومن هذه المؤلفات الكثيرة التي كتبها الباقلاني: شرح الإبانة، شرح اللمع، الإمامة الكبرى والإمامة الصغرى، التبصرة بدقائق الحقائق، أمالي إجماع أهل المدينة، المقدمات في أصول الديانات، إعجاز القرآن، مناقب الأئمة، حقائق الكلام، التعريف والإرشاد، التمهيد في أصول الفقه، المقنع في أصول الفقه، كتاب في الرد على الباطنية الفاطميين، سماه: كشف الأسرار وهتك الأستار؛ تمهيد الأوائل وتلخيص المسائل.
ويشير د. عبدالعزيز إلى أن عددا كبيرا من المؤرخين أشادوا بالباقلاني، فقال عنه الذهبي: “الإمام العلامة، أوحد المتكلمين ومقدم الأصوليين.. انتصر لطريقة أبي الحسن الأشعري، وقد يخالفه في مضائق، فإنه من نظرائه، وقد أخذ علم النظر عن أصحابه، كان سيفا على المعتزلة والرافضة والمشبهة، وغالب قواعده على السنة”.
وقال ابن عساكر الدمشقي الذي مدحه في “تبيين كذب المفتري” وبين مآثره قائلا: “فأما علم الكلام فكان أعرف الناس به وأحسنهم خاطرا، وأجودهم لساناً وأوضحهم بياناً وأصحهم عبارة”، وقد ذكر القاضي عياض في “طبقات المالكية” فقال: هو الملقب بسيف السنة ولسان الأمة، المتكلم على لسان أهل الحديث وطريق أبي الحسن، وإليه انتهت رئاسة المالكية في وقته”.
فطنته
ومن مواقفه المشهودة ما ذكره ابن عساكر في “تبيين كذب المفتري” والخطيب البغدادي في “تاريخ بغداد”، وكثيرون غيرهم من أنه أرسل من قبل الملك عضد الدولة إلى ملك الروم، فلما ورد المدينة عُرّف الملك خبره ومكانته من العلم وموضعه، وكان هذا الملك يعلم أن المسلمين لا ينحنون أمام مخلوق، فرغب في أن يجعله يركع له إذ كان من عادة رعيته أن تقبل الأرض بين يديه، فأمر بأن يوضع سريره الذي يجلس عليه وراء باب لطيف لا يقدر أحد أن يدخل منه إلا راكعاً، ليدخل منه الإمام الباقلاني على هذا النحو، فلما وضع سريره في ذلك الموضع أمر بإدخال الباقلاني من الباب، فسار القاضي حتى وصل إلى المكان، فلما رآه تفكر فيه ثم فطن للأمر فأدار ظهره، وحنا رأسه راكعا ودخل من الباب وهو يمشي إلى الوراء مستقبلاً الملك بظهره حتى صار بين يديه، ثم رفع رأسه ونصب ظهره وأدار بوجهه حينئذٍ إلى الملك فعجب من فطنته ووقعت هيبته في نفسه.