الأربعاء 26 يناير 2022
أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أشكال النجوم.. عنوان لروائع الزخارف الإسلامية ومهارة الفنان
أشكال النجوم.. عنوان لروائع الزخارف الإسلامية ومهارة الفنان
الجمعة 23 أغسطس 2013 20:49

الفن الإسلامي تميَّز بين فنون العالم بطابعه الزخرفي وحرصه على إبراز هذه النزعة الزخرفية في منتجاته كافة حتى لو كانت زهيدة الثمن، وقد عبر بعض مؤرخي الفنون عن هذه الخاصية الزخرفية، بأن الفنَّان المسلم كان يُعاني فزعاً دائماً من الفراغ، فما إن يرى سطحاً خالياً حتى يبادر بشغله بالزخارف والألوان. د. أحمد الصاوي (القاهرة) - استبعدت الفنون الإسلامية لأسباب عقائدية رسوم الكائنات الحية من موضوعاتها الزخرفية، لكنها اعتمدت بشكل رئيسي على الرسوم النباتية بعد معالجتها. وقد انعكس تطور علوم الرياضيات في حضارة الإسلام وانتشار معارفها على الفنون الإسلامية التي يمكن اعتبارها أحد المجالات التطبيقية، التي استوعبت وعبرت بصدق عن تطور المعارف الهندسية للمسلمين. طابع تقليدي وشهدت الزخارف الهندسية تطوراً ملحوظاً في الفن الإسلامي باعد بين طابعها التقليدي في الفنون القديمة والحلة الجديدة التي ارتدتها الرسوم الهندسية كموضوعات متكاملة ومكتفية بذاتها وكعمل إبداعي معقد يجمع بين العلم والفن. ولأسباب متعددة ربما يكون في مقدمتها عناية المسلمين بعلم الفلك احتلت الأشكال النجمية بأنواعها المختلفة موقع الصدارة بين الزخارف الهندسية الشائعة في الفن الإسلامي إلى أن جاء القرن السادس الهجري ليضيف لقائمة الأشكال النجمية شكلاً جديداً لم يسبق فن آخر إلى ابتكاره وهو الطبق النجمي. والطبق النجمي تصميم زخرفي متكامل ومركب من أشكال نجمية مدببة الأطراف ومتعددة الأضلاع وتدور هذه الأشكال حول شكل نجمي أوسط وقد ظهر لأول مرة في المحراب الخشبي الذي صنع في بداية النصف الثاني من القرن السادس الهجري «12م» لضريح السيدة نفيسة بنت حسن الأنور بن الإمام زيد الأبلج بن الإمام الحسن بن الإمام علي بن أبي طالب، وقد بدا في ميلاده الأول كوحدة زخرفية تتألف من نجمة سداسية تحيط بأطرافها ست حشوات خماسية الأضلاع. الحشوات الخشبية وتوصل الفنَّان الفاطمي لهذا الشكل الزخرفي المبتكر في خضم سعيه لإكساب الحشوات الخشبية التي كانت تتألف منها المنابر وقطع الأثاث طابعاً من الجمال الفني بعد أن أعتمد تقنياً على أسلوب الحشوات المجمعة للتغلب على تمدد الأخشاب وانكماشها في فصول السنة المختلفة وهو أمر كان يؤدي لتقوس قطع الأثاث وتشوهها خاصة لو كانت أخشابها من الأنواع العادية. ومعنى ذلك أن الظهور الأول للطبق النجمي كان محض استجابة للنزعة الزخرفية الجمالية الكامنة في الفن الإسلامي، ولكن هذا الظهور ما لبث أن ارتقى بنفسه ليصل الطبق النجمي لأن يكون زخرفة مقصودة لذاتها وليست مجرد شكل جميل لغرض منفعي ووظيفي. ففي العصرين الأيوبي والمملوكي وبكل من مصر والشام تسابق الفنانون الذين يشتغلون بإنتاج الأدوات الخشبية في تجويد زخرفة الطبق النجمي عند تجميع الحشوات وسرعان ما استقر شكله الناضج على وحدة فنية تتألف من ثلاثة أجزاء متميزة بغض النظر عن مدى تعقد أسلوب الجمع فيما بينها. نجمة مركزية وفي الوسط من زخرفة الطبق النجمي نجد نجمة مركزية مسننة الأطراف وقد يصل عدد هذه الأطراف إلى 15 أو 16 وربما 18 طرفاً مدبباً ويعرف هذا العنصر المركزي الوحيد باسم الترس فالطبق النجمي لا يوجد به سوى ترس واحد. والعنصر الثاني هو الكندات ومفردها كندة، وهي عبارة حشوة ذات ستة أضلاع تبدأ بقاعدة مربعة يخرج منها ضلعان مستطيلان وينتهيان بشكل رأس مثلث حاد الزوايا وتشكل هذه الكندات الحد الخارجي لشكل الطبق النجمي ويتراوح عدد الكندات في كل طبق ما بين 15 و16 كندة طبقاً لعدد أطراف الترس. أما العنصر الزخرفي الأخير فهو اللوزات ومفردها لوزة وهي حشوات صغيرة تملأ الفراغ فيما بين الترس والكندات وتتألف اللوزة من شكل رباعي الأضلاع يقابل أطراف الترس في هيئة إشعاعية ويعادل عددها في الطبق النجمي عدد الكندات. الأطباق النجمية وجوهر تصميم الطبق النجمي بعد تمام نضجه الهندسي هو تشظي الإيقاع النجمي كما لو كان انشطاراً انفجارياً يدور في فلك دائري محوره أو قطبه هو الترس النجمي وشظاياه الكبرى هي الكندات والصغرى هي اللوزات وتتواصل الأطباق النجمية مع بعضها عبر الكندات التي تلعب دور عناصر الفصل والوصل بآن واحد وتلك عبقرية هندسية فنية أخرى تمنح زخرفة الطبق النجمي الطابع اللانهائي الذي ميز روح زخرفة الإسلامية النباتية على وجه خاص فلا احد يعرف أين مبتدأ أو منتهى هذه الزخرفة. وقد عزز الفنان المسلم من الطابع الزخرفي للطبق النجمي باعتماده على تباين ألوان الحشوات أولا فلجأ إلى استخدام أخشاب من درجات ألوان مختلفة تراوحت بين البني بدرجاته واللون الأسود الأبنوسي، ثم اتبع ذلك باستخدام حشوات من العاج وخاصة في الترس واللوزات الصغيرة الحجم واكتست الأطباق النجمية ثوباً قشيباً من الثراء الزخرفي عندما لجأ الفنان لتطعيم الحشوات المختلفة بالعاج تارة وبالصدف تارة أخرى في إطار تعزيز الطابع اللوني للأطباق النجمية. عنصر زخرفي ولكن هذه الوحدات الزخرفية التي نشأت بالأصل في أحضان غرض وظيفي ومنفعي سرعان ما نالت إعجاب المستهلكين في ديار الإسلام وتحولت لعنصر زخرفي يستخدم ببراعة في تزيين منتجات فنية أخرى غير الأخشاب فظهر تقريباً في منتجات الفنون التطبيقية كافة، خاصة في جلود الكتب والمعادن والخزف والزجاج. وفضلاً عن المنابر وكراسي المصاحف والقراء التي تحفل بزخارف الأطباق النجمية نجد أيضاً أن بعض الخزافين، خاصة في المغرب قد استلهم فكرة الأطباق النجمية في صياغة وحدات زخرفية استبدلت فيها الأشكال النجمية بالدوائر، كما نرى في بلاطات خزفية من مدينة مكناس وما زال الطبق النجمي يلهم صناع التحف التطبيقية في العالم الإسلامي إلى يومنا هذا ويحملهم على استخدام أنواع مبتكرة منه لإسباغ طابع العراقة والأصالة على منتجاتهم. الأبواب النحاسية تعتبر الأبواب الخشبية المصفحة بالنحاس المطروق أو بالبرونز المصبوب من أهم المنتجات التي استخدم الطبق النجمي في زخرفتها فنراه منذ القرن السابع الهجري «13م» موضوعاً رئيسياً وربما وحيداً في في زخرفة الأسطح المعدنية لأبواب المنشآت الدينية والمدنية، وكذلك في أبواب المنابر ليس فقط الخشبية، بل وحتى في تلك التي صنعت من الرخام مثلما نرى في باب منبر مدرسة السلطان حسن بالقاهرة. وكما لجأ الفنان إلى استخدام المباينة اللونية في حشوات الخشب اعتمد في زخرفة الطبق النجمي على المعادن على تكفيت النحاس أو البرونز بالذهب والفَضة نظراً لتباينهما اللوني ولمنح الأبواب المصفحة مظهراً إضافياً من الفخامة الثمينة. وإن كانت هذه المباينة اللونية في حالتي الخشب والمعادن قد أدت لإثارة المطامع ونهب بعض القطع الفنية مثلما حدث مع منبر جامع أحمد بن طولون الذي اقتلعت حشواته الثمينة وبيعت لمتحف سوان في لندن، وكذلك أبواب مدرسة السلطان المصفحة التي نقل منها الباب الرئيسي لجامع المؤيد شيخ فيما آل أحد أبواب المدرسة الداخلية والمكفت بالذهب بطريقة ما لملكية السفارة الفرنسية بمصر وهو بابها الرئيسي إلى يومنا هذا.

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©