صحيفة الاتحاد

دنيا

الشهاب الحجري مدون أهم وثيقة تاريخية للأندلس

القاهرة (الاتحاد) - رحلة السفير الشهاب الحجري أهم وثيقة تاريخية كتبت عن نفي الأندلسيين المورسكيين العرب المتنصرين، وصورت ظروف انتقالهم إلى شمال إفريقية وما لقوه في إسبانيا من اضطهاد وعدوان.
يقول الدكتور كارم غنيم- الأستاذ بجامعة الأزهر- ولد أحمد ابن القاسم ابن أحمد الفقيه قاسم ابن الشيخ الحجري، والمعروف بالشهاب الحجري، وكذلك بأفوقاي، في سنة 1569، وقيل في 1570، بمنطقة من أحواز غرناطة، وهو من الموريسكيين، المسلمين الأندلسيين الذين لم يتمكنوا من الهروب من الأندلس إبان سقوطها واضطروا إلى أن يتظاهروا بأنهم نصارى خوفا من ملاحقات محاكم التفتيش والتي كانت تقتل كل من تظهر عليه أي علامات تدل على انه مسلم أو عربي إلى درجة انهم بدلوا أسماءهم، ولهذا تلقب بـ»أفوقاي»، وتعلم اللغة العربية من أبيه العالم وحفظ القرآن، ودرس علوم الشرع سرا، وتعلم اللغات الأعجمية، وانكب على كتب العقائد اليهودية والنصرانية واطلع على دقائقها، وعاش في إشبيلية ومدريد، وظل سنين طويلة يعد العدة ويتحين الفرص للفرار من إسبانيا، واستطاع أن يغادرها متنكرا في هيئة مسيحي عجوز، في سنة 1007هـ-1598م. واستقبله السلطان أحمد المنصور الذهبي، واطلع على قصته وما يتمتع به من كفايات أدبية ولغوية، أولاه عطفه، وأمر بتعيينه مترجما للبلاط، وأبدى الشهاب براعة في أعمال الترجمة من العربية إلى الإسبانية ومن الإسبانية إلى العربية، وأسبغ عليه لقب ترجمان سلاطين مراكش. وكان السلطان فوق ذلك يستعمله للسفارة عنه في بعض البلاد الأوروبية. ولما توفي السلطان أحمد المنصور استمر الشهاب في عمله بالبلاط المغربي خلال الحرب الأهلية التي تلت وفاة المنصور ثم مدة أخرى في ظل ولده السلطان المولي زيدان، وكان له دور بارز في الحياة الثقافية بالمدينة. ولما صدر قرار طرد الموريسكيين، وتعرضوا وهم في طريقهم إلى المنفي على متن السفن للسرقة من قبل قراصنة البحر الأوروبيين، اشتكوا إلى السلطان زيدان السعدى عند وصولهم إلى مراكش، وقرر قبل أن يطالب السلطات الفرنسية، أن يبعث بأحمد بن قاسم الحجري سفيرا إلى أوروبا، وبالتحديد إلى إسبانيا وفرنسا وهولندا بهدف رد الاعتبار للأقلية الموريسكية واسترجاع ما نهب منها اثر طردها من الأندلس.
وذكرت المصادر التاريخية انه لما زار مصر كان يحدث المسلمين ببعض قصصه، فطلب منه الشيخ علي الأجهوري، وهو من كبار علماء المالكية، أن يكتب كتابا يضمن فيه قصته، فكتب كتاب «رحلة الشهاب إلى لقاء الأحباب»، ثم اختصره في كتاب «ناصر الدين على القوم الكافرين»، وذكر أنه انطلق بحرا حاملا كتاب السلطان، متنقلا بين المدن الأوروبية، قاصدا بلاط حكامها وملوكها وأمرائها يطالبهم باسترداد حقوق هذه الطائفة. وعرض في كتابه تجربة الموريسكيين العرب المتنصرين المريرة مع الإسبان وتفاصيل الرحلة وما دار فيها من مناظرات بينه وبين علماء النصارى واليهود وبعض النخب وأوائل المستشرقين والأمراء في أوروبا. وتكمن أهمية هذه الرحلة في كونها شاهدة ومعبرة عن العلاقات التي كانت قائما آنذاك بين دار الإسلام متمثلة في المغرب والإمبراطورية العثمانية من جهة، ودار الكفر والحرب متمثلة في أوروبا من جهة أخرى.
وعرضت الرحلة لتطورات الأوضاع التي دفعت المسلمين المورسكيين إلى مواجهة الحكومة الإسبانية تصديا لحملة التنصير التي اجبروا عليها، وادت لاندلاع ثورتهم الكبرى في غرناطة، بالإضافة إلى الحيل التي لجأوا إليها للتخفي من محاكم التفتيش التي استهدفتهم وأنزلت بهم اشد صنوف العذاب.
وكان حريصا على التطرق إلى المظاهر الاقتصادية والاجتماعية والمشاهد العمرانية والمدنية التي عاينها خلال زيارته، وقدم تحليلا رصينا لتطور الإقطاع في أوروبا. وأهتم عبر فصول الرحلة بتسجيل مشاهداته من منظور رؤيته النقدية لتعارضها مع ثقافته ومرجعيته، كما لم يخف اعتزازه بهويته وذاته، بل حرص على إبراز معالم تفوق المجتمعات العربية الإسلامية.
ورغم أن كتابه لم يصل إلينا، ومازال مخطوطه مفقود، وما وصل إلينا عنه شذرات وجدت في كتاب مخطوط عنوانه « زهرة البستان في نسب أخوال سيدنا المولى زيدان»، إلا أن الباحثين والدارسين اعتبروه وثيقة تاريخية نادرة، واحد أهم النصوص في اللغة العربية التي تناولت تجربة المورسكيين العرب المتنصرين. وذكر المؤرخون انه في أواخر حياته سافر الشهاب لآداء فريضة الحج، ولما عاد نزل بتونس وأصبح من المقربين لأميرها الداي مراد، وعكف على ترجمة العديد من المؤلفات العربية إلى اللغة الإسبانية، خاصة كتب الشرع لكي يستعين بها الموريسكيون في المنفي الذين مازالوا يجهلون اللغة العربية. وترجم إلى العربية أيضا كتاب «العز والمنافع» الذى ألفه الرئيس إبراهيم بن زكريا احد المورسكيين العرب وهو دليل عن المدفعية واستخداماتها وصناعة البارود.