الاتحاد

منوعات

الحرف اليدوية.. حكايات تلخص حياة الأجداد للأجيال

الحرف التقليدية تزين فعاليات المهرجان (تصوير حميد شاهول)

الحرف التقليدية تزين فعاليات المهرجان (تصوير حميد شاهول)

أشرف جمعة (أبوظبي)

حرف متوارثه تشكل نافذة رحبة في ركن دائرة الثقافة والسياحة - أبوظبي في مهرجان الشيخ زايد التراثي، الذي يحتضن موروثات العالم، حتى 26 يناير الجاري بمنطقة الوثبة، حيث تسلط هذه الحرف الضوء على تراث الآباء والأجداد، حيث المهارات التقليدية المستخدمة بالماضي في صناعة السدو وحياكة التلي والتشكيل بالخوض واستخدام الطرق اليدوية في طحن الحبوب، وهو ما يشكل قدرة على التكيف مع موارد البيئة المتاحة، واستثمارها بكفاءة لتلبية الاحتياجات اليومية.
وفي جنبات المكان، تعبر المشغولات اليدوية عن الماضي، ومدى براعة أنامل الحرفيين في صياغة مفردات الزمن عبر حكايات تلخص جملة العادات والتقاليد المتوارثة، ومن ثم مشاركة الفنون الشعبية مثل الرزفة بأجوائها الحماسية.

صناعات يدوية
حول الزخم الذي حظي به ركن دائرة الثقافة والسياحة أبوظبي، يقول سعيد حمد الكعبي مدير إدارة التراث المعنوي في الدائرة: يحتفي الركن بالتراث والثقافة الإماراتية من خلال تعزيز جهود المحافظة على الصناعات اليدوية ونقلها إلى الأجيال القادمة، عبر مشاهدة حية للحرفيين والحرفيات وهم يتعاملون بأدواتهم التقليدية بشكل مباشر، فهم يصنعون من الخوص أدوات كانت تستخدم في الماضي، فضلاً عن أنهم يغزلون من الصوف وينسجون على السدو ويصنعون خيوط التلي وغير ذلك من الأعمال التقليدية، التي تجسد عمق الموروث الإماراتي وأصالته، فضلاً عن عروض الرزفة وغيرها من الفنون الشعبية، التي يستمتع بها الزوار، بالإضافة إلى عرض الكثير من النماذج التراثية المدرجة على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية بـ «اليونسكو».

طفل يتابع المهارات اليدوية لإحدى الحرفيات

مفردات غزيرة
وفي مدخل منطقة الحرفيات، كانت حمدة الكتبي مسؤولة الحرفيات، تتابع عمل النساء المتخصصات في النشاط الحرفي، ولفتت إلى أن الكثير منهن يعملن بطريقة تقليدية خالصة، ومن ضمن هذه الحرف السدو الذي سجلته دائرة الثقافة والسياحة - أبوظبي في منظمة «اليونسكو» في نوفمبر 2011 وكذلك عمل الحرفيات على الكاجوجة التي تعزف لحن الوفاء لذكرى البدايات، والتشكيل بالخوص وصناعة البراقع وطحن الحبوب بالطريقة التقليدية.
وأوضحت أن الكثير من الزوار يتفاعلون مع الحرفيات، خاصة الأطفال الذين يجلسون أوقاتاً طويلة للتعرف على طبيعة هذه الحرف، فضلاً عن أن الجمهور من مختلف الفئات والأجناس يتفاعل بشكل حيوي مع هذا الموروث وينجذب له، خاصة أن المهرجان يتيح الفرصة للتعرف إلى مفردات غزيرة من حياة الآباء والأجداد، فضلاً عن وجود الموروثات الأخرى للشعوب في حياة متكاملة وفي مناخ تراثي عذب.

السدو
وجلست موزة مسعود المنصوري وأمامها خيوط الصوف لكي تواصل عملها على آلة السدو، خصوصاً أنها اكتسبت هذه الحرفة من الأسرة، التي تتناقلها جيلاً بعد جيل، وكان يجلس إليها ليشاهد طريقتها الطفل بخيت أحمد القبيسي الذي يبلغ من العمر 11 عاماً، وتبين المنصوري أن السدو من الحرف التي عملت بها المرأة الإماراتية منذ القدم لتلبية الاحتياجات الضرورية لسكان البادية، من خلال المواد الأولية اللازمة لهذه الحرفة، والمتمثلة في وبر الإبل، وشعر الماعز، وصوف الغنم، موضحة أنه يقصد بالسدو حياكة أو نسج الصوف، وهو كسائر الحرف والصناعات اليدوية يعتمد في أدواته ومعداته وخاماته على البيئة المحلية، ومنه صنع أهل البادية بيوت الشعر، والأغطية والسجاد والوسائد، وزينوا إبلهم وزخرفوا أسرجتها وأحزمتها وأخراجها بأشكال وألوان جميلة.
وتذكر أن السدو بتصاميمه المختلفة، وزخارفه وألوانه الزاهية، يعطي أشكالاً تراثية يتجلى فيها الإبداع الشعبي في أجمل صورة، وهو من بين الحرف اليدوية التي كانت قادرة على توفير المنتجات اللازمة لصناعة عتاد الإبل والخيل، والمفروشات، مع إمكانية تطويره لتشكيل منتجات تقليدية بأساليب ونقوش مطورة ومبتكرة، مبينة أن حرفة السدو في الإمارات قديمة منذ البدايات على أرضها، وأنها من أبرز أنشطة المرأة في الحياة الاقتصادية، ومثال واضح على التكيف والإبداع.
وتبين أن المرحلة الأولى في صناعة السدو تبدأ بجز الصوف، وقص شعر الماعز، وجمع الوبر من الإبل، ثم تتبعها مرحلة فرز الصوف وتصنيفه تبعاً للألوان والأطوال، ونفشه، ونفضه بالضرب لتخليصه مما علق به من نباتات وأشواك وأتربة، ومن ثم تمشيطه وتسليكه بالقرداش، أو المنفاشة ليكون جاهزاً للمرحلة الثانية، التي يتم فيها غسله ثلاث مرات أو أكثر بالماء البارد أو الساخن مع إضافة الطين أو الرماد أو مسحوق نبات السدو أو الصابون وغيره من مواد التنظيف التي كانت معروفة سابقاً، مشيرة إلى أنه حالياً تستخدم المنظفات الحديثة، وينشر الصوف على الحبال أو بيت الشعر أو على البسط لمدة يومين أو أكثر، وفي المرحلة الثالثة يتم البدء في غزل الصوف وتحويله إلى خيوط متينة.

تشكيلات متنوعة من الخوص

الرحى
بحرفية تامة كانت الحرفية منى سعيد المشايخي تطحن الحبوب وحولها الزوار، حيث أخبرتهم أن الرحى أداة معروفه تستخدم لطحن الحبوب، وهي من ضمن الأدوات المهمة لدى الأسرة في الماضي، خصوصاً أنها أداة يومية الاستعمال، مشيرة إلى أنه لا تستطيع امرأة واحدة تحريك الرحى الكبيرة بمفردها، ولذلك كانت تتعاون أمرأتان في تحريك الرحى.
وقالت إن هناك علاقة قوية بين المرأة والرحى فكانت تحاكيها بما يدور في خلدها من أحاسيس، أما عن طريق عملها فتشير إلى أنه توضع الحبوب في فتحة الوتد المحورية لتنتشر بين سطحي القرصين، وبفعل دوران القرص العلوي الذي تديره يد المرأة بعصا مثبتة بثقب قريب من الحافة، تجرش الحبوب وتطحن وتخرج من الجوانب ناعمة إلى حد ما ويمكن التحكم بها بما يناسب الأكلة الشعبية التي تصنع منها كالهريس أو العصيدة أو الخبيص.
البرقع وحرصت عوشة المنصوري على تصنيع البرقع أمام الجمهور، مبينة أن ذلك من الحرف اليدوية الموروثة، وهو أحد أنواع أغطية الوجه التي تصنع من أقمشة خاصة للزينة والاحتشام، ويعد إحدى أدوات الزينة الخاصة بالنساء، وهو أحد المظاهر التقليدية التي تعكس احتشام المرأة منذ القدم، وتتميز به المتزوجة عن العزباء، وغالباً ما يصنع من أجود أنواع الأقمشة لستر الوجه، وتشير إلى أن الأجيال توارثت هذه الحرفة جيلاً بعد جيل.
وأوضحت أنه تتوسط البرقع قطعة خشبية صغيرة تستقر على الأنف تُسمى «السيف» تُصنع من عذق النخيل أو الخيزران أو الأخشاب المحلية، ويُزيَّن بُرقُع العروس بالحلق والنجوم الذهبية، وتبين أنها تصنع البرقع بحياكة قطعة مربعة الشكل من الشيل تكفي لتغطية الوجه بأكمله، ثم توضع قطعة السيف الخشبية في المنتصف على الأنف، ويتم تحديد فتحتين كبيرتين للعينين وقصهما، ثم يوضع القماش على الجهة الأمامية للبرقع، وبعد ذلك يتم حياكته، وأحياناً يزين البرقع بالحَلق والنجوم.
وتؤكد أنه تغير شكل البرقع كثيراً مع مرور الزمن، فقد تميز شكله قديماً بحجمه الكبير الذي يغطي معظم الوجه، حيث اعتادت النساء ارتداءه طوال اليوم، وفي وقتنا الحاضر فقد اختلفت المواد المستخدمة في صناعته اختلافاً كبيراً عن ذي قبل، وكذلك شكل تصميمه.

أوكرانية تعجب بفنون الموروث
أمام الكاجوجة كانت مريم المقبالي تصنع خيط التلي الذي يعد من أشغال الزينة، ويستخدم لتزيين ملابس النساء عند أكمام الثوب ورقبته، وتستعمل في صناعته ست بكرات من خيوط الحرير الصافي والخوص الذي يضفي الأناقة على الملابس النسائية كافة، وفي أثناء ذلك اقتربت زائرة من أوكرانيا، ميرا دزينكيف، التي تزور المهرجان للمرة الأولى، وتذكر أنها أعجبت كثيراً بمظاهر الاحتفاء بالموروثات العالمية، خاصة التراث الإماراتي الذي يحمل عبق الماضي، مشيرة إلى أنها حرصت على ارتداء البرقع النسائي القديم تفاعلاً مع الثقافة الإماراتية، وأنها جاءت مع والدتها في زيارة قصيرة للدولة، وترى أن المهرجان يبرز التراث العالمي بشكل مختلف، ولذا استمتعت كثيراً بمعرفة مفردات أصيلة عن الموروث المحلي.

مشاركة نوعية للكويت والسعودية
يحتضن مهرجان الشيخ زايد التراثي 2018 الكثير من عناصر التراث الخليجي ضمن الكثير من الأجنحة التي تزخر بمعروضاتها التراثية التي تمثل أوجه الحياة في الماضي في العديد من الدول الخليجية، من بينها الجناحان السعودي والكويتي ويعد جناح المملكة العربية السعودية من أبرز أجنحة الحي الخليجي، لما يضم من منتجات تراثية تمثل كافة أرجاء المملكة، فضلاً عن الأعمال والحرف والمأكولات الشعبية التي تشتهر بها المملكة.
وتعرض محال الجناح الكثير من منتجات الصناعات الخشبية والنجارة التقليدية وصناعة النسيج والسدو والثوب العسيري والحلي والإكسسوارات ومنتجات الخوص.
وقالت مشرفة الجناح السعودي، مها بنت ضيف الله الرويس، إن مشاركة المملكة في الدورة الحالية من المهرجان تأتي بإشراف الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني، متمثلة في «برنامج بارع» للحرف والصناعات اليدوية، وأضافت أن الجناح يتكون من 12 محلاً تنوعت منتجاتها وحرفها التراثية التي تمثل مناطق المملكة كافة وما تمتلك من حرف وصناعات يدوية غنية ذات إرث ثقافي أسهمت في تحسين الدخل لدى الأسر، ورفع مستوى المعيشة، وتوفير فرص عمل مناسبة.

إبداعات الصناعات التقليدية في المهرجان (من المصدر)
وأشارت مها الرويس إلى أن الجناح يضم منتجات لأهم الحرف والصناعات اليدوية في المملكة العربية السعودية، مثل صناعة الأقفاص التي تعتمد في صناعتها على جريد النخل، ويطلق اسم «قفاص» على الحرفي الذي يزاولها.
وقال حسين محمود صالح مشرف الجناح الكويتي، إن مشاركتهم في المهرجان تأتي تحت رعاية وزارة الإعلام الكويتية، حيث اهتمت محال الجناح بأن تقدم منتجات بروح تراثية تهم الأجيال الحالية بلمسة عصرية تمكن الجميع من استخدامها في حياتهم اليومية، سواء من الملابس أو العطور والدخون وغيرها، وأضاف أن أحد المحال يقدم مجموعة متميزة من العطور الكويتية، بينما اهتم محل بعرض مجموعة من تجهيزات العروس من ملابس وإكسسوارات، بالإضافة إلى محل يعرض مجسمات لصناعة السفن بأنواعها.
وأفاد بأن أحد المحال يعمل على عرض صناديق المبيت الكويتية المعروفة بلمستها العصرية وأحجامها متعددة الاستخدامات، لافتاً إلى أن أحد المحال يهتم بعرض البشت الكويتي المعروف والثوب النسائي القديم والحديث، في حين يعرض محل آخر بعض الأكلات الشعبية.

الرزفة.. إيقاع على أنغام الطبول
على إيقاعات الرزفة كانت فرقة خلفان المقبالي تؤدي فنها الشعبي بجدارة في وسط ساحة ركن دائرة الثقافة والسياحة - أبوظبي.
وأوضح المقبالي أن الرزفة فن شعبي في الإمارات ومن عناصر التراث الثقافي غير المادي، كونه يؤدى على نطاق واسع، ويمنح المؤدين شعوراً بالهوية والتواصل عبر عروض أداء وأغانٍ وإيقاعات، حافظت على حضورها في المشهد الثقافي والتراثي منذ سنوات طويلة، وتناقلتها الأجيال من مختلف الأعمار في المناسبات الاجتماعية، والمهرجانات الوطنية.

الرزفة فن شعبي يبهج الجمهور في المناسبات
ولفت إلى أن أداء الرزفة يقوم على اصطفاف الرجال في صفن متقابلين، وبفاصل بينها يتراوح بين 10و 20 متراً، وهي المسافة التي يقف فيها حملة الطبول والموسيقيون و«الرزيفة أو المزافنون»، وهم رجال ينتمون إلى فئات عمرية مختلفة، يقومون بأداء الحركات بسيوفهم أو خناجرهم، كما تضيف مشاركة الفتيات «النعّاشات» من الجمال إلى إيقاع العرض من خلال تحريك شعورهن الطويلة.
ويؤكد أنه تبدأ صفوف الرزفة بأعداد قليلة سرعان ما تتكامل بانضمام الآخرين، وفي الصفين المتقابلين يصطف المؤدون بجانب بعضهم بشكل متراص في إشارة إلى الوحدة والتعاضد فيما بينهم، ويرافق هذا الانتظام في الوقوف إلقاء مقاطع شعرية من جمل قصيرة، يتم تبادلها بن الصفين مع إيقاع ونغمات موسيقية تمنح هذا المشهد الأدائي الانسجام والتناغم، موضحاً أن الرزفة كانت تؤدى في الماضي على إيقاع الطبول، وأدخلت إليها بعض الآلات الموسيقية، مع المحافظة على الجوانب الأصيلة في هذا الفن التراثي العريق.

اقرأ أيضا

"تويتر": هاشتاغ "نوتردام" يتصدر الترتيب العالمي في 2019