الخميس 26 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
إعدام الثعلب!
إعدام الثعلب!
22 أغسطس 2013 20:47
أحمد محمد (القاهرة) - هجم رجال البوليس على الوكر الذي كان هدفا لهم للقبض على صاحبه “مغاوري” لم تكن القوة كبيرة بل بضعة نفر مع ضابط برتبة صغيرة، لأن المتهم شاب صغير السن تخطى العشرين من عمره بقليل، عرف عنه الاتجار في الأقراص والمواد المخدرة الرخيصة، كان الوقت عصرا، شاهدهم مغاوري أثناء قدومهم من على بعد، لا يعرفهم لكنه ارتاب فيهم فحاول الحفاظ على هدوئه وهو يسير نحو الشارع الجانبي ثم أطلق ساقيه للريح وقد صدق ظنه فقد كان مطلوبا لهم وهم في الوقت نفسه لا يعرفونه إنما جاءوا بناء على معلومات ومنها أوصافه بأنه اعتاد أن يمشط شعره إلى الخلف وعلى عكس أبناء منطقته لا يضع عمامة أو طاقية على رأسه، حتى انهم وجدوا شخصا به بعض هذه المواصفات كان يجلس يرتشف الشاي فهجموا عليه وأمروه بعدم المقاومة أو الحركة ثم قاموا بتفتيشه ولم يعثروا معه على شيء، وبعد أن منعوه حتى من الكلام تمكن بصعوبة أن يفهم الأمر وأن يفهمهم أنه ليس مغاوري الذي يريدونه وتأكدوا من ذلك من خلال بطاقة هويته وتركوه بلا اعتذار، ولم يجدوا لمغاوري أثرا فقد تحول إلى بطل في عيون أبناء المنطقة ونسج هو عن نفسه وهم أيضا الأكاذيب حول كيفية خداعه لرجال البوليس وأنه هرب منهم مثل الثعلب بعدما كان في متناول ايديهم، ومن يومها اطلقوا عليه ألقاب الثعلب والذئب والضب كناية عن مكره ودهائه ولم يعد احد يعرف اسمه الحقيقي واصبح الثعلب هو اسمه منذ تلك الواقعة التي جعلته متباهيا متفاخرا مثل الطاووس. حاول أن يخفي أنه أصابه الرعب واصطنع الشجاعة فكله كلام لا يحاسبه عليه احد، وهو يبحث عما يعوضه عن ضعفه وجسده النحيل وقلة حيلته، فلا مال معه ولا رجال وراءه، يفتقد الانتماء إلى إحدى العائلات لينتسب إليها ويحتمي بها، فجاءت هذه الحادثة لتعوضه هذا النقص الكبير وتجعل الكثيرين يهابونه ويحسبون له حسابا تجنبا لمكره، واستطاع أن يخدعهم وهو يمارس تجارته في المخدرات والتي تحتاج إلى قوة لأنه يتعامل مع نوعية مشاغبة من الناس معظمهم من الشباب والمدمنين. المكان أقرب إلى كوخ صغير مبني بالطين ومخلفات البناء، سقفه من جريد النخيل تتسرب أشعة الشمس من بينها بسهولة، فلا يكون ظليلا بحال، ومجازا يطلق عليه اسم “مقهى” ومع ذلك كان وكرا جاذبا لرواد من نوعية خاصة من الحرفيين والعمال وملتقى للعائدين من السفر من الداخل أو الخارج، يستريحون للمكان وصاحبه والزبائن المتجمعين فيه ويكثرون في المساء بعد أن تغيب الشمس، واتسعت تجارته الحرام بين الأقراص والبانجو الرخيص للعمال الحرفيين وبين الحشيش للأكثر مالا ثم الأفيون الذي يتعاطاه كبار السن، ولم يتوقف الأمر عند ذلك بل امتد ليفتتح فرعا لتناول الخمور والتي كانت أيضا متنوعة حسب طلبات الزبائن، لكنها كلها لم تكن من الماركات المعروفة وإنما مصنعة بطرق بدائية ومع ذلك كانت تؤدي الغرض وتعجبهم وبخاصة لأنها رخيصة. كل الذين يوجدون في المكان موضع شبهة فلا يأتي إلى هنا رجل شريف أو شاب مستقيم ولا صاحب مبدأ أو مروءة، وبجانب ذلك تجد هنا كل أخبار النميمة والغيبة وكل الأحداث التي تقع في بلده وما حولها ولا تخلو من المبالغات مثل الكهنة يضعون على الكلمة ألف كذبة، وكذلك لا يمر أسبوع بلا مشاجرة وإصابات بين السكارى والمدمنين، ورغم هذا لا ينقص الزبائن بل يتزايدون، واستطاع “الثعلب” أن يستغل بعض البلطجية ليعاونوه في السيطرة على المكان وتلك الشخصيات الضائعة، اشترى القوة بالمال، فلا يسير إلا وخلفه حفنة من الشباب الأقوياء الذين يمدونه بالهيبة المصطنعة، وقد برم “شاربه” ليجعل من هيئته شكلا مهيبا وإن كانت نحافته الظاهرة لا تساعده كثيرا، يتمنى لو كانت لديه بسطة في الجسم بل ولو كان له “كرش” كبير. كل هذه الأنشطة المحرمة لم تكن بالطبع خافية على رجال البوليس الذين يعرفون كل صغيرة وكبيرة من تحركاته وسكناته وربما يعدون عليه أنفاسه، ولم ينسوا له انه فر من بين أيديهم في المرة السابقة وهم يتحينون الفرصة لإسقاطه بسرعة لكسر شوكته والقضاء على امبراطوريته المزعومة، لكن كانت تلك المرة درسا مهما له تعلم منها أكثر، فالضربة لم تسقطه وزادته قوة ودهاء وجعلته يأخذ حذره، ويتخذ كل الاحتياطات، فلا يحتفظ بشيء من الممنوعات في المكان وقد اتخذ مخزنا سريا بعيدا عن العيون فهو يعرف انه مطلوب في كل لحظة. ربت الأموال الحرام وتكاثرت بين يديه، وفكر في شراء المزيد من القوة فأراد أن يصاهر إحدى العائلات التي وافقت على الرغم من الفارق الكبير بينهم، أعمتهم أمواله عن حقيقته وتجاهلوا اللوم الذي وجهه إليهم كل من حولهم تساءل الجميع كيف يقبلون بمصاهرة هذه “الآفة” ولم يكن اعتراضهم على ضعفه ولكن على سلوكياته وتجارته وسمعته المعجونة بالشبهات، ولم تجد زوجته الأولى حيلة للاعتراض ولا لمنعه مما يقدم عليه فقد كانت من صنفه في الماضي جمعهما الفقر المدقع لكنه تنكر لها الآن ونسى أبناءه الذين يعاونونه في عمله من غير أن يعرفوا الحلال من الحرام، كانت ليلة عرسه حديث الجميع في المنطقة كلها لأنه انفق عليها بسخاء على غير عادته ولكن كان يرمي من وراء ذلك ليرسم صورة جديدة للناس بخلاف التي يعرفونها عنه وكي يغيروا رأيهم فيه. لم يجد رجال شرطة مكافحة المخدرات فرصة افضل من هذه لاصطياد الثعلب وهو يتوهم أنه آمن في وكره ولم يدر بخاطره أبدا أن يهجموا عليه في هذه الليلة التي كان ينتظرها بفارغ الصبر، وقبل أن يدخل على عروسه كانت القيود الحديدية في يديه، أصابه الجنون وهو لا يصدق ما يحدث إنها ضربة قاصمة، فقد أضاعوا هيبته وسمعته واظهروه بمظهره الحقيقي، وليس هذا فقط بل وضعوا أيديهم على المخزن الكبير الذي امتلأ عن آخره بالبضاعة من كل صنف استعدادا للعرس من ناحية ومن ناحية أخرى لأنه سيكون في شهر العسل وأراد أن يخزّن ما يكفي خلال هذه الفترة، لذا كانت الضربة موجعة مؤلمة وقاضية، ما استطاع هذه المرة أن يفلت من بين أيديهم، ولم يجد مفرا من الاعتراف بكل نشاطه وأمرت النيابة بحبسه على ذمة القضية. أحالوه إلى محاكمة عاجلة، والعقوبة التي تنتظره هي المؤبد، ببساطة يعني انه قد لا يرى النور مرة ثانية، فهل يعيش حتى يقضى خمسا وعشرين سنة وراء القضبان ثم يخرج إلى الحياة، بالطبع لا، رفض الاستسلام، وهمس في أذن أحد رجاله الذين يثق بهم بأن يضع له خطة لتهريبه أثناء نقله بين محبسه والمحكمة حيث تجري المحاكمة، فاستجاب الآخر، وكانت الخطة بسيطة فقد قاموا بوضع جذوع النخل في الطريق بالقرب من مطب صناعي، فاضطر سائق سيارات الترحيلات التي تقله لتهدئة السرعة ثم التوقف فقتلوا شرطي الحراسة وقاموا بتحطيم الأقفال وتهريبه ونجحت الخطة، وأعلن فوزه بهذه الجولة التي كان يرى أنها الأخيرة فلن يظهر مرة أخرى وسيختفى حتى تكون قضيته في طي النسيان، حاول أن يعود إلى عروسه، لكن أسرتها رفضت وطالبته بتطليقها. اختلف الناس وانقسموا إلى فرق، الغالبية كانت سعيدة بالخلاص منه وهؤلاء يتمنون أن يزول من الوجود بسبب أذاه للناس، زبائنه حائرون يبحثون عن بديل له وإن لم يأسفوا على رحيله، قليلون الذي أصابهم الحزن لأنهم كانوا مستفيدين من ورائه، لكن مع هذا كله فقد تحول بعد تمكنه من الهروب إلى أسطورة يتناقلونها في مجالسهم، نسوا أصله وفصله ولم يتذكروا إلا مغامراته وهم كما اعتادوا يضيفون عليها ويهولون فيها ويختلقون أحداثا وينسبونها إليه وكلها من نسج الخيال، حتى تحول في عيون بعضهم إلى بطل، وأحيانا يخوفون به الأطفال الصغار الذين لا يعرفون الحقيقة ويتخيلونه عفريتا من الجن. اختبأ الثعلب عند احد أصدقائه في منطقة جبلية وعرة يصعب الوصول إليها، رأى أنها الأكثر أمانا الآن، فلن يصلوا إليه هنا ولن تصلهم أخباره، قرر ألا يعود إلى السجن مرة أخرى، فقد أصبحت التهمة ثلاثا.. قتل وهروب من السجن وتجارة مخدرات، والعقوبة التي تنتظره أصبحت الإعدام، فلن يسلم رقبته لحبل المشنقة مهما كان، سيتخذ كل الاحتياطات إلى أن يتمكن من الهرب إلى مأوى اكثر أمانا لكنه لا يستطيع الخروج الآن لأنه سيسقط في يد الشرطة في أولى خطواته فهم يتربصون به في كل مكان يمكن أن يصل إليه، ولن يصبروا عليه كثيرا كما حدث في المرة الأولى فهذه المرة قد تجرأ وقتل احد رجالهم. وعندما كان اليوم الثاني لهروبه، ولم ينته بعد من إعداد خطته وترتيب أوراقه وجد من يطبق عليه، كانت قوة مكبرة قد أحاطت بالمكان وألقوا القبض عليه وهو أكثر ذهولا لأنها النهاية الحتمية إلى الموت فكأنه في لحظاته الأخيرة، وتمت المحاكمة وصدر الحكم بإعدام الثعلب وتم تنفيذه، وعند دفنه لم يجدوا من يتسلم جثته، فقد انفض الجميع من حوله.
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©