الثلاثاء 24 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
ابني أغلى من عيني
ابني أغلى من عيني
22 أغسطس 2013 20:46
نورا محمد (القاهرة) - كنت في الثالثة عشرة من عمري، أدرس في الصف الأول الإعدادي، طفلة ضعيفة نحيفة الجسد، عندما تمت خطوبتي فجأة بلا مقدمات، لشاب تربطنا به صلة قرابة من بعيد، لم اكن أعرف ماذا يعني الزواج حتى أفكر فيه، بالطبع استغربت بشدة، لكن ليس لي رأي ولا أحد سيسمعني لو تكلمت، لم يتضح بعد إن كنت جميلة أم صبية عادية لكن الجميع يشيدون بعيني الساحرتين مما جعلني أنظر إليهما كثيراً في المرآة، هذه هي كل مؤهلاتي للزواج، غير أنه لم يكن ذلك مستغرباً في ذاك الزمن فقد كان يتم تزويج الصبايا في مثل عمري، بينما لم يكن متعلمات، قطعوا طموحي في أن أصبح طبيبة مشهورة، أرى أنهم دمروا مستقبلي بعادات ظالمة ومقاييس باطلة. المبرر الوحيد لهذا الاختيار أن تبقى روابط القرابة مستمرة وتزداد قوة ومتانة، وتتجدد مرة أخرى، لكن هذا كان على حساب حياتي وعمري الذي يسرقونه، كلهم شركاء في هذه الجريمة، وأولهم أبي وأمي وخطيبي وأبوه وامه، أصموا آذانهم وأغمضوا عيونهم عن الواقع وعن الضحية التي هي أنا، وانشغلوا بالمصاهرة، لم يستغرب أحد ما يحدث، وشرعوا في إجراءات الزواج، كل شيء يتم من وراء ظهري، كأن الأمر لا يخصني، فلم يأخذوا رأيي في صغيرة ولا كبيرة وحتى لو حدث واستشاروني ما عرفت ماذا أقول. انتزعوني من طفولتي وحرموني من ألعابي، وتركت غرفتي الجميلة التي كنت أقيم فيها مع أختين أصغر مني، يغلب عليها اللون الوردي فقد كان أبي مع ذلك حنونا عطوفا يحبنا كثيرا وكذلك أمي، فليس معنى ما قلته عنهما أنهما ليسا أبوين مثاليين، بل هما كذلك، وما كان لي عليهما مأخذ إلا فيما يخص مسألة زواجي، وبكل يقين لم يريدا إلا مصلحتي وما كان في حساباتهما أبدا ما كان في حساباتي، ولذلك لم تتأثر علاقتي بهما ولا مشاعري نحوهما، لأنني متأكدة من حسن النوايا، وكان حكمي طبقا لسني وخبرتي القليلة في الحياة فقد أكون محقة، وقد أكون مخطئة، لذا سرعان ما نسيت ذلك كله مع الأيام. زوجي يكبرني بعشرة أعوام، كان أكبر إخوته واخواته الأربعة عشر، لم يكونوا أشقاء بل من ثلاث أمهات، والأولى بالطبع أم زوجي توفيت، وتزوج أبوه بعدها بالثانية وبعدما توفيت تزوج أختها، وهي التي على ذمته، الجميع يقيمون في بيت كبير في حالة مالية جيدة ميسورة، يغلب عليها العمل بالزراعة والتجارة، وأنا مع قلة خبرتي في الحياة لا أعرف كيف أدير حياة أسرة بكل مطالبها، فما بالك بهذه الأسرة التي تعد عائلة بكبر عدد أفرادها، وحتى لا تحدث مشكلات من البداية فقد انتقلت أنا وزوجي إلى بيت صغير بعد الشهر الأول من زواجنا، وقد سعدت بذلك لأنني كنت بحاجة إلى المزيد من الحرية، بعد أن وجدت نفسي وسط هؤلاء الكثيرين بما يشعرني بالغربة والخجل والضيق، ويجعلني اسخط على تجربة الزواج برمتها لكن هذا الاستقلال كان خطوة مهمة ورائعة. اعترف بأن زوجي على الرغم من أنه نصف متعلم كان ودودا وراعى أنني مازلت طفلة، وصبر كثيرا على أخطائي غير المقصودة، ولا أحد يعرف ما يدور بيننا بعد الانتقال إلى البيت المستقل، وسارت بنا الحياة بشكل جيد بحمد الله مع حالتنا الميسرة في المعيشة، فقد كان زوجي يتولى إدارة شؤون الأسرة الكبيرة، وبقية إخوته يعاملونه ويحترمونه مثل أبيهم، وعلى الرغم من ملاحظاتي السابقة وانطباعاتي الأولى على الزواج فقد كنت سعيدة في حياتي الزوجية ولا يوجد ما يكدر الصفو، ويتوالى زواج إخوة زوجي ولكنهم يقيمون في البيت الكبير، والفتيات انتقلن إلى بيوت أزواجهن، والعائلة تزداد اتساعا. أكثر من سبع سنوات مرت منذ تزوجت، ولم يكن هناك أي حديث عن قضية الزواج الأولى وهدفه الأسمى وهو الإنجاب، والسبب الوحيد لهذا السكوت الإجباري هو صغر سني، لكن الآن وبعد أن تخطيت العشرين زال السبب وبدأ الكلام من الجميع من قبيل أنهم يريدون أن يروا أبناء الأخ الأكبر، خاصة أن إخوته البنين والبنات الذين تزوجوا بعده بسنين قد أنجبوا، والكلام لم يكن من وراء ظهري وإنما في مواجهتي وبشكل مباشر، وليس هم وحدهم بل إن أمي منذ فترة طويلة وهي تمطرني بالأسئلة التي لا أجد لها جوابا إلا أن هذا أمر الله ولم يأذن بعد، ومن جانبي لست قلقة من ذلك فلم يكن هناك ما يجعلني أصل إلى درجة القلق، لكن استشعرت أن زوجي مشغول بهذا الأمر كثيرا من غير أن يوجه لي أي لوم أو ملاحظة، ويحاول أن يتجنب الكلام فيه معي، ومبعث قلقه أنه يقترب من الخامسة والثلاثين، وقد تفوته فرصة الإنجاب كلما تقدم به العمر أكثر. أخذ الكلام منحى آخر وتغيرت اللهجة من جميع أقاربنا، خاصة النساء والكبار في السن، لابد من اللجوء إلى الأطباء وإجراء الفحوص والتحاليل لمعرفة السبب وعلاجه قبل فوات الأوان، كانت الخطوة صعبة على نفسي بشكل غير مسبوق، فليس أقسى على الإنسان من أن يوضع في الاختبار، والخوف من النتيجة يسبقني، سيطرت عليّ الهواجس والمخاوف، دارت في رأسي أفكار كثيرة وغريبة واحتمالات بعدد شعر رأسي لكن معظمها ينصب حول الاحتمال الأكبر، ماذا لو كان السبب مني، هل سيصبرون على استمرار الزيجة، هل سيتزوج زوجي بأخرى ويأتيني بضرة تقهرني، هل يطلقني وينتهي الأمر، وكيف تكون نتائج كل واحد من هذه الاحتمالات عليَّ وهل أستطيع أن أتحمل العواقب؟ لا ادري، وكانت النتيجة أن نحافتي ظهرت أكثر وبشكل واضح لقلة النوم وكثرة التفكير والانشغال. في النهاية انصعت للأمر الواقع ورضخت للضغوط، وبدأت تلك الرحلة الشاقة نفسيا أكثر من قسوتها وصعوبتها بدنيا، تنقلنا بين الأطباء والمعامل، في مدن كبرى وعند المراكز المتخصصة وكبار الاستشاريين، كررنا الأشعة والتحاليل مرات عديدة، وبفضل الله تأتي النتيجة واحدة لا مانع عندي من الإنجاب وأنني سليمة صحيحة مئة في المئة، وبقدر ما أسعدتني تلك النتائج وأزاحت من على كاهلي هموما ثقيلة، أضافت على رأسي هموما أكبر، فالاحتمال الآخر أكثر صعوبة، فلو كان عند زوجي مانع من الإنجاب لكان هذا حكما بالإعدام على أمنيتي الكبرى في الأمومة، وأن انجب طفلا يشبع غريزتي الطبيعية، وبعد فترة بدأنا ما لا مفر منه وهو إجراء الفحوص لزوجي، مررنا بالخطوات نفسها وأكثر، وكان ما كنت أخشاه، فقد أجمع الكل على انه من الصعب أن ينجب، وإن لم يغلقوا باب الأمل أمامنا بشكل كامل، وقال بعضهم أن لا شيء يقف أمام إرادة الله ولا ينقطع الرجاء فيه أبدا وقد تتغير ظروف زوجي ويمكن أن ينجب، وتمسكنا بهذا الأمل وتذرعنا بالصبر، وأنا أتمنى أن يمنحني ربي الولد. أصبحت في بيتنا مشكلة مستعصية، لا يعرف إلا الله هل سيكون لها حل أم لا، وقد أثرت الفعل علينا، خاصة أن حماي قد توفي ولم تتحقق أمنيته في أن يرى حفيدا من ابنه الأكبر قبل أن يموت، وكانت تلك أمنيته التي دائما يرددها، لذا تأثر الجميع برحيله، وبعد أشهر عدة تم تقسيم الميراث، وحصل زوجي مثل بقية الورثة على نصيبه، وكان عبارة عن مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية وشركة تجارية وبعض أراضي البناء في أكثر من مدينة، وهذا جعل زوجي يفكر، وكأنني أسمع صوتا من داخله يقول يا ليت لي من يرث هذا كله من بعدي، وقمت بواجبي نحوه، أسانده واعضده، بقدر ما أستطيع، وقد ألهمني ربي الصبر من عنده. وانفتح باب الأمل من جديد عندما قرأ احد أقاربنا إعلانا في الصحف عن فريق طبي عالمي متخصص يزور البلاد ويجري فحوصا للراغبين في الإنجاب لمن يمرون بمثل ظروفنا، لكن هذا زاد أكثر من مخاوفي لأنه لو فشلت هذه المحاولة فإنها ستغلق أمامنا باب الأمل بشكل نهائي، ولكن مع هذه المخاوف التي استشعرتها أيضا عند زوجي كان لا بد أن نستغل الفرصة ونأخذ بالأسباب، وطلبوا من كلينا تحاليل وأشعة جديدة ومتعددة، وبعد ما يزيد على الشهر جاء الفرج، وها هي الأمنية الغالية تتحقق، فقد أكدوا لنا أنه يمكننا الإنجاب لكن عن طريق “الاستزراع” وإن كنت لا أعرف معناه لكن المهم النتيجة، وهذه الطريقة باهظة التكاليف ولا يستطيعها إلا المقتدرون ماليا، وبعد علاجات وأدوية ومتابعة لأكثر من ثلاثة أشهر تم “التلقيح” وأمرني الأطباء بالنوم طوال مدة الحمل أي الأشهر التسعة، إلا للضرورة القصوى، وتحملت، فالهدف يستحق الجهد والتضحية، زوجي بجانبي يلبي كل مطالبي قبل أن أطلبها، ويدعو ليل - نهار أن تتم سعادتنا. ورزقني ربي بطفل جميل كان قرة عيني، حينها شعرت بنعمة الأطفال والفرق بين المحرومين ومن رزقهم الله الأبناء والبنات ولا يشعرون بهذه النعمة الكبرى، وددت لو وضعته في عيني حتى لا تمسه نسمة هواء ولا حر شمس ولا برد شتاء، يشب أمامي ويكبر حتى بلغ الآن السابعة من عمره، لكن مشكلتي الكبرى أن أباه وأعمامه وأخواله وكل أقاربه يدللونه لدرجة الإفساد، يعرضونه للخطر وقلبي يرتعد، يتركون له سياراتهم ليقودها، بل إن بعضهم يعطيه سلاحه الناري ليعبث به، ولا يسمعني أحد وأنا اصرخ بأعلى صوتي محذرة من ذلك، والولد لا يسمعني ولا يستجيب لي، فهو صغير وغير قادر على التمييز ولا يرفض اللعب واللهو. أخيرا ثار وغضب مني، قذفني بلعبته في وجهي فأصابني في عيني إصابة بالغة، وقد أكد الأطباء أنني فقدت البصر بها إلى الأبد، تعجبت فقد كانت تلك أمنية لي من قبل، وثانياً فإن السعادة لا تكتمل والدنيا لا تعطي كل شيء.
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©