الاتحاد

دنيا

حكاية أول كاميرا وأول صورة وأول معرض


دبي- محمد الحلواجي:
يعد البحث في جذور مجال التصوير ونشأته أمر من الأمور المضنية والممتعة في الوقت ذاته، فهي ممتعة حين يظفر المرء بمعلومة قيمة هناك أو هناك، ومضنية كون المعلومة تأتي متشظية ومتناثرة بين مراجع عربية وعالمية تحمل في كثير من الأحيان معلومات متضاربة، لذلك سنحاول في الفسحة المتواضعة التالية أن نضع القارىء العام أولا، والمهتم بالتصوير الفوتوغرافي ثانيا(في الصورة) ليتعرف على خلفيات تاريخ التصوير الفوتوغرافي الذي لا يزيد عمره عن مئة وتسعين عاما، إلا إنه حقق قفزات هائلة ومتسارعة خلال القرن الماضي، وعلى الرغم من انتشار الصورة الفوتوغرافية وسيادتها بشكل كامل على حياتنا ،وصولا إلى العصر الرقمي الراهن·· تبقى المعلومات والتفاصيل الدقيقة عصية على المنال، وهنا محاولة لتلمس البدايات الأولى لهذا الفن المدهش الذي يجهل الكثيرون أن قصب السبق فيه كان للعرب في القرن العاشر الميلادي·
في الغرفة المظلمة
يؤكد الدارسون في نظرهم إلى تاريخ استعمال الغرفة المظلمة لنقل الصور·· أن هناك احتمالا كبيرا بأن الصينيين قد عرفوا ظاهرة الغرفة السوداء منذ القرن الرابع قبل الميلاد،وأن العرب والمسلمين قد استخدموها في القرن العاشر الميلادي لاستطلاع كسوف الشمس، فقد ابتكر عالم البصريات (الحسن بن الهيثم) في القرن الميلادي العاشر·· عدسة تعتبر بدائية جدا قياسا بالمعايير المتطورة لعدسات اليوم ولكنها كانت رائدة في عصره· ففي كتابه (المناظر) بحث الهيثم في موضوعات انكسار الضوء وتشريح العين وكيفية تكوين الصور على شبكة العين ووضع لأقسامها أسماء أخذها عنه الطب الغربي· كما جعل علم البصريات علما مستقلا له اسمه وقوانينه واهتم بالآلات البصرية وقام بحساب درجة الانعكاس في المرايا المستديرة والمرايا المحرفة وتوصل إلى معرفة قانون تأثير العاكسات الضوئية ثم حقق في تأثير الفضاء على الأشعة وتكبير الأحجام بواسطة الزجاجة المكبرة·
أول آلة تصوير
لقد كان الفنان الإيطالي العبقري (ليوناردو دافنشي) وصفا دقيقا وواضحا لظاهرة الغرفة المظلمة التي يمكن ملاحظتها حين يدخل شعاع من الشمس من ثقب صغير إلى غرفة مظلمة فيرسم على الحائط المقابل صورة مقلوبة للمنظر الخارجي· ويرجع الفضل الأكبر إلى عالم الفيزياء الإيطالي (جيامبا تيستا ديللا بورتا) في استغلال الغرفة المظلمة انقل الصور·
وتشير بعض المصادر إلى أن الفرنسي (جوزيف نيسفور نييبس) كان يبحث عن طريقة لنقل رسوم ابنه، فاستبدل الورق بلوحة طلاها بمحلول كلوريد الفضة فاكتشف في وقت واحد، التصوير الفوتوغرافي وحفر الاكليشيهات، وصنع أول آلة تصوير فوتوغرافي عام 1816م·· فقدم للبشرية أول صورة فوتوغرافية (محفوظة)· ومن المهم أن نعرف أن كلمة فوتوغرافي تعبير يوناني قديم يعني حرفيا وفعليا: الكتابة بالضوء·
الصور المجسمة
إن أول محاولة للحصول على صورة مجسمة جرت في العام 1838م، عندما حاول (تشارل ويتستون) تصميم جهاز لتجسيم الصور،يتيح رؤية الرسوم الهندسية بشكل بارز، لم ينفذه إلا عام 1838م· وفي العام 1849م، صنع الإنجليزي السير دانييل بروستر جهازا بسيطا وعمليا لتجسيم الصور، لا يعدو كونه صندوقا صغيرا به فتحتان للنظر·· يتيح رؤية الصور بالاستشفاف، إذا كان التصوير على لوحات زجاجية· أو بالاستعانة بضوء منعكس في حال كان التصوير على ورق، وعندما قام الفرنسي (ديبوسك) بإنتاج هذا الجهاز تجاريا، صادف رواجاً عظيماً في المعرض الدولي بلندن العام 1851م، وقد شكل التطوير الذي تحقق في مجال تجسيم الصور (ستريو كوب) ثورة حقيقية، لأنه اختصر فترة التعريض إلى ما يقرب من ربع الثانية، نظرا لقصر البعد البؤري، مما أتاح ولأول مرة، التقاط صور مباشرة تسجل لحظة الواقع لحظة حدوثه في الشارع·
أول معرض للتصوير
في العام 1839م كان (هيبوليت بايار) يتابع تجاربه على صور موجبة في الغرفة المظلمة مباشرة باستخدام ورق كلوريد الفضة، وقد نجح في محاولته بعد 130 يوما· وكانت تلك الصور فريدة من نوعها وعلى درجة عالية من الجودة، حتى أنها كانت محور أول معرض للتصوير الفوتوغرافي نظم في 24 يونيو من عام 1939م، ورغم أن الصور التي حصل عليها (بايار) بعرض لم يتجاوز ربع الساعة، إلا أنها قفزت بانجازه إلى المقدمة، إلا أن (أراجو) السكرتير الدائم لأكاديمية العلوم، طلب منه ألا يعلن عنه، حتى لا يحجب الأضواء عن طريقة (داجيير) التي كانت حينها في أوج ازدهارها عالميا·فقد اخترع (لويس داجيير) أول كاميرا من نوع (داجيير) مع صفائح من النحاس، لينجح بعده البريطاني (تالبوت) بإنتاج أول صور سلبية العام 1835م، وبدءا من العام 1840م، أصبح ممكنا إنتاج أعداد لا تحصى من الصور الايجابية·
إيستمان وكوداك
في العام 1888م، استطاع الأمريكي (جورج إيستمان) أن يشيع في التصوير انتعاشا ضخما عندما صمم آلة تصوير (كوداك) بسيطة وخفيفة وغير مكلفة، مصنوعة من صندوق صغير قياسه (82 * 95 * 165 ملم) ومزودة بعدسة (إف· 9) يقوم بفتحها وإغلاقها منظم بسرعة (201 من الثانية) فأحرزت هذه الكاميرا نجاحا ساحقا· فقد كانت تسمح آلة (كوداك) بالتقاط مئة صورة دائرية قطرها (63 ملم)، وقد كانت الآلة نفسها ترسل إلى المصنع بعد إتمام التصوير، ليقوم المصنع بتفريغها وبتحميض الصور وطباعتها، ثم يزود الآلة بمئة قرص جديد، ويعيد المصنع كل شيء إلى صاحب الآلة خلال عشرة أيام تطبيقا لشعار شركة (كوداك) الذي كان يقول يومها بفخر: ( اضغط على الزر·· ونحن نتولى الباقي)! وقد بيع من هذه الآلة تسعون ألف قطعة في السنة الأولى وحدها، وفي السنة التالية أي العام 1889م ابتكر شاب كيميائي يعمل في نفس الشركة ويدعى (هنري ريشنباخ) أول فيلم ملفوف على بكرة ومصنوع من ورق (السيلولويد)·
الفيلم الشفاف
أول فيلم شفاف طرح في الأسواق عام 1889م كان من إنتاج (جورج إيستمان) مبتكر آلة تصوير (كوداك)، والواقع أن (إيستمان) بالتعاون مع (وليم ووكر) كانا قد ابتكرا منذ العام 1884م بكرة يلف عليها الورق السالب (النيجاتيف) وفي السنة التالية 1885م أنتجا فيلم(إيستمان-أمريكا) وهو على عكس الورق السالب، فهو لا يستخدم الورق فيه إلا كقاعدة مؤقتة للطبقة الحساسة، ويفصل عن الشريط الشفاف الرقيق الذي يبسط على الزجاج لإنتاج النسخة التصويرية·
الخليط المتفجر!
كان الفلاش الأول قد ظهر في العام 1850م وهو فلاش بدائي يعمل عن طريق احتراق أسلاك المغنيسيوم الذي ينتج ضوءا شديد التوهج، إلا أنه مصحوب بسحابة كثيفة من الدخان الأبيض· وفي العام 1887 ابتكر الألمانيان (أدولف ميتكي) و(جوهان جايديكي) مسحوق البرق أو (مسحوق المغنيسيوم) وهو خليط كيميائي متفجر يتكون من المغنيسيوم وكلورات البوتاسيوم وكبريتور الأنتيمون، إلا أن أغلب المصورين قد أقبلوا عليه حينها،رغم ما ينطوي على استخدامه من خطورة·
وتعود فكرة الفلاش إلى بداية العهد الجديد للتصوير الفوتوغرافي عندما استطاع (فوكس تالبوت) عام 1851م التقاط صورة لجريدة مثبتة على عجلة متحركة، بفضل ومضة ضوء صادرة عن تفريغ شحنة بطارية ذات عدة مكثفات· وفي العام 1931م، اخترع (هارولد ادجرتون) من معهد ماساشوستس للتكنولوجيا بالولايات المتحدة الأميركية المصباح الالكتروني الذي يتلخص عمله في تفريغ شحنة كهربائية متراكمة بفولت عال جدا بمكثف كهربائي داخل أنبوبة مليئة بالغازات الخاملة· واليوم يراعي تحميل التيار الكهربائي الصادر من بطارية مماثلة على ضغط مرتفع جدا يتراوح بين أربعة وخمسة آلاف فولت، وبالتالي يمكن الحصول على وميض سريع جدا في منتهى القصر الزمني، فيتسنى التقاط صور للعناصر المتحركة بسرعة فائقة جدا، مثل رصاصة منطلقة من مسدس بسرعة 2100 كيلومتر في الساعة، وقد فرضت الأجهزة الحديثة لقياس وتحليل السرعات (الاسترو بوسكوب) مواصلة البحث لإنتاج فلاشات خاصة يمكنها أن تحقق ترددات تسمح بالتقاط من خمسين إلى مئة ألف صورة في الثانية!!
التصوير بالألوان وجائزة نوبل
منذ أن اخترع التصوير ومشكلة كانت تستحوذ على أفئدة المخترعين، ويسجل التاريخ الفوتوغرافي أولى محاولات (داجير) لتلوين الصور عام 1840م، حتى نجح (أدمون بيكريل) عام 1848م في إنتاج صورة ملونة،لكنه لم يستطع تثبيت الألوان، كما سجلت محاولة أخرى لطلاء الصور قام بها (كارمازاك) عام 1854م· ثم جاء دور (جبريل ليبمان) الذي تمكن عام 1891م من الحصول على صور ملونة تلوينا مباشرا، وكانت الأولى، بفضل طريقة التداخل (تثبيت آثار النبضات الضوئية) وقد أحرز هذا الإنجاز تقديرا عظيما حيث نال (جبريل ليبمان) جائزة نوبل في الطبيعة عام 1908م· إلا أن عيب جميع هذه الأعمال هو تعذر رؤيتها إلا تحت ظروف معينة، كما يتعذر نسخها·
للحصول على صور ملونة·· تم الانتظار فعليا حتى العام 1935م حينما عرفت الأسواق ولأول مرة طريقة طرح الألوان (الكوداكروم) التي ابتكرها الموسيقيان الأميركيان( ليوبولد مانز) و(ليوبولد جودفسكي) وساعدتهما ماليا شركة (كوداك)، ويتكون الفيلم من ثلاث طبقات من المستحلب على قاعدة واحدة،ولكل طبقة حساسية لأحد الألوان الأساسية الثلاثة، وتعزل كل طبقة بواسطة مرشحات ملائمة، وتعامل بمحاليل التحميض الصبغية المتزاوجة في الأحواض· وتعد هذه الطريقة تطبيقا لاكتشاف الكيميائي الألماني (رودولف فيشر) عام 1911م·
سحرالبولارويد
كان الأميريكي(ادوين هربرت لاند) قد أنشأ وهو في الثامنة والعشرين من عمره شركة (بولارويد كوربوريشن) لصناعة النظارات الشمسية ومرشحات الاستقطاب، واستقرت الشركة عام 1937 في مدينة بوسطن، وسرعان ما حققت أرباحا هائلة، فطرح (لاند) في أكتوبر من العام 1948م ولأول مرة في السوق الأميركية، آلة تصوير فورية تقوم بالتحميض الفوري، وقد حملت اسم (بولارويد 95)· وإزاء النجاح الذي سجلته (بولارويد) ·· أنتجت شركة (كوداك) رغم أنها كانت قد أعرضت عن اختراع (لاند) عام 1947م، كاميرا للتحميض الفوري تعمل بطريقة مشابهة،إلا أنه وبعد سنوات جرت منازعة بين الشركتين على براءة الاختراع، وبعد اجراءات قانونية طويلة صدر حكم عام 1985م صدر حكم قضائي لصالح شركة (بولارويد) يعيد إليها حق الملكية المطلقة لبراءة الاختراع· وفي ابريل 1986م طرحت (بولارويد) في الأسواق كاميرا تحمل اسم (سيستم - 7000) تعطي صورا تفوق في الجودة صور آلات التصوير التقليدية من قياس (35 ملم)·
أول صورة تحت الماء
أول صورة فوتوغرافية تحت سطح الماء·· قام بالتقاطها (وليام طومسون) عام 1880م وتقدم بها لجمعية الفنون في لندن· وكان (طومسون) قد وضع الجهاز في قاع خليج (ويماوث) على عمق ستة أمتار وأبقى العدسة مفتوحة لمدة عشر دقائق ثم أغلقها، حيث كان يتحكم في ذلك من فوق سطح الماء· وفي عام 1880م قام الفرنسي (لويس بوتان) أستاذ علم الحيوان بتطوير فن التصوير تحت الماء،وقد نشر مجموعة من الصور التي حصل عليها في ألبوم كان الأول من نوعه·
وبعد ذلك جاء (وليم بيب) الذي استغل نافذة غواصة على عمق 900 متر تحت سطح الماء، فالتقط عام 1935 صورا للحياة في الأعماق· وبعد عشر سنوات صمم الأميركي (موريس أيوينج) كاميرا مائية أتوماتيكية لتصوير التكوينات الجيولوجية عند أعماق تتراوح بين أربعة وسبعة آلاف متر·
أول خطوة على القمر
شهد اليوم الثالث من نوفمبر عام 1962م حدثا تاريخيا في عالم التصوير،عندما التقطت بعثة (ميركوري) أول صورة في الفضاء الخارجي بعدسة (كارل زايس) على كاميرا (هازلبلاد) السويدية، ومن خلال نفس العدسة سجلت أول خطوة لرجل يطأ سطح القمر وهو (نيل أرمسترونج) خلال بعثة (أبوللو) في يوليو 1969م· وقد اختارت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) ابتداء من عام 1964 عدسات (آنجينو) الفرنسية لتزود بها رحلات (رينجر) عندما رأت أنها أصلح للتصوير تحت ظروف الإضاءة القصوى، كما ساهمت نفس العدسات في أول رحلة إلى القمر كشهود على تلك اللحظة التاريخية·
وأكثر العدسات استخداما في الفضاء تكون عادة من (1,20/55 ملم) للمناظر الخارجية، و(1,4/35 ملم) للمناظر الداخلية· وأشارت الاختبارات التي أجرتها (ناسا) على الأجهزة، بأن معاملها ستلعب دورا في تقدم صناعة التصوير، فقد حصلت بعثة المركبة (تشالينجر) عام 1984 على صور ذات جودة استثنائية التقطت بسرعة 28 ألف كيلومتر في الساعة، دون اهتزاز·
الكاميرا وروح المصور
وبعد هذه الرحلة·· نقول أن المصور البارع يستطيع تحريك مشاعر المشاهد، فعندما ينجح المصور في جذب اهتمام عين المشاهدين فإنه حتما يكون قد أبدع عملا فنيا مبتكرا· فبإمكان الصور الفوتوغرافية أن تفسر لنا وتعلمنا أشياء كثيرة خلال فترة قصيرة من الزمن· لذلك لا يغال من يطرح اليوم أن الصورة أصبحت تعادل في أهميتها الكلمة، فالصورة هي رؤيا عين وروح المصور الساحر الذي يدرك أن آلة التصوير: ليست هي كل شيء·

اقرأ أيضا