الاتحاد

دنيا

وسائل الإعلام استنساخ دون أي تنوع


د· نصر الدين لعياضي:
كلما تابعت البرامج الاخبارية في العديد من القنوات التليفزيونية المختلفة تنتفض الحادثة القديمة التالية واثبة أمام نظري: وجدت نفسي، في اليوم الثاني من التحاقي بوكالة الأنباء الجزائرية في نهاية السبعينيات، وجها لوجه أمام مدير الأخبار في قاعة تحرير· كان يبدو من نظراته الزائغة أنه يبحث عن أحد الصحافيين في قسم الروبورتاج· وعندما لم يعثر على أحد غيري خاطبني قائلا: (إذا لم تكن مشغولا الآن فأنا بحاجة إليك· عليك بالتوجه فورا إلى مقر الاذاعة الوطنية لنقل التصريح الصحفي الذي أدلى به نائب أحد قادة الثورة في بلد من بلدان المغرب العربي أثناء وصوله إلى مطار الجزائر)· وأضاف قائلا: (ستجد في انتظارك الصحافي الذي سجل التصريح المذكور)· توجهت إلى الاذاعة الوطنية مسرعا، وبقيت أنتظر الصحافي المذكور أكثر من ساعتين· وبمجرد أن سلمني الشريط المسجل، بدأ في العمل الشاق الذي لا يدركه سوى من جرب العمل الصحفي: تفريغ الشريط المسموع· لقد بدا لي التصريح طويلا جدا أمام حرصي على نقل مضمونه بشكل دقيق وحرفي· بعد ان صرفت قرابة الساعتين في تفريغه وقفت منتظرا سائق سيارة وكالة الأنباء· فطال انتظاري دون جدوى· لقد أخبرت، بعد ان نفد صبري، بأنه لا توجد أي سيارة باقية في المقر· التحقت بمقر الوكالة بعد أن بدأ الليل يلف المدينة، وتوجهت رأسا إلى مكتب مدير الأخبار الذي اندهش من وجودي في مقر عمله! فخاطبني دون أن يرفع نظره عن الأوراق التي كان يصححها: ما الذي أتى بك؟ فأخبرته بأنه كلفني بنقل التصريح الصحفي من الاذاعة الوطنية· فتأسف على هذا النسيان الذي أوعزه إلى كثرة العمل، وفاجأني قائلا: (لقد تأخرت كثيرا فاضطررت إلى تحرير نص التصريح وقد بث منذ مدة في شريط الأخبار! ومد يده إلى نص التصريح الذي نسخته بخط يدي وشرع في قراءته، دون أن يترك لي المجال لأشرح له أسباب هذا التأخير الخارج عن نطاقي)· وابتسم قائلا: (هذا ما كتبته· إنه لا يختلف كثيرا عما نقلته!)·
خرجت من مكتب مدير الأخبار ورأسي مزدحم بالأفكار والانطباعات الغامضة والمتضاربة· فتارة ألوم نفسي على التأخير، وطورا ألوم هذا المسؤول على نسيان ما كلفني به، وحينا أقر بشطارته في سرعة اتخاذ القرار لإنقاذ الوضع· أذكر ساعتها أنني لم أسجل أي مأخذ مهني على هذا المسؤول، بل ازدادت قناعتي بتكلس الخطاب السياسي لدى بعض الزعماء السياسيين بحيث أصبح 'قديما' لا يحمل الجديد، ويحفظ عن ظهر قلب في أوساط الصحافيين ومن قبل الجمهور الواسع·
أوجه التشابه
اقتبست وكالة الأنباء الفرنسية جزءا كبيرا من هذا التصريح، الذي بثه شريط وكالة الأنباء الجزائرية، ووزعته على زبائنها· لم أتمالك نفسي من الضحك في اليوم التالي وأنا اقرأ نص التصريح المذكور في الصحف الجزائرية وبعض الجرائد الأجنبية·
لعله الضحك ذاته الذي ينتابني في الظرف الحالي وأنا انتقل من قناة تلفزيونية إلى أخرى بفضل أداة التحكم عن بعد· الفرق الوحيد، أننا كنا نعتقد، عن خطأ، أن تحنط الخطاب السياسي في السبعينيات كان السبب الأساسي في تشابه أو تماثل الأخبار الأساسية التي كانت تتناقلها وسائل الإعلام، ونبرئ هذه الأخيرة· أما في الظرف الحالي، فإننا نعتقد أن وسائل الإعلام ذاتها تتحمل القسط الأوفر والأنشط في تكرار نفس الأخبار المتشابهة إلى حد التطابق، رغم أن الخطاب السياسي لم يتخل كليا عن اجتراره للأحكام والألفاظ المستهلكة·
لقد أكدت بعض البحوث العلمية·· التي تناولت بالنقد والتحليل الجرائد المصورة في العديد من القنوات التليفزيونية الاخبارية التي تبث في الفضاء الثقافي الواحد ان مضامينها تتشابه إلى حد التطابق· فالاخبار ذاتها تتكرر على مدار اليوم، وتبث بإيقاع متواصل ومتدافع وكأنها أعيرة نارية صادرة عن سلاح أتوماتيكي! فرغم الاختلاف الواضح في إخراج الأخبار التليفزيونية وهيئة وشخصية المذيعين الذين يقدمونها في هذه القناة أو تلك إلا أن الاختلاف الواحد والوحيد بين الجرائد المصورة في العديد من القنوات التليفزيونية يتمثل في ترتيب الأخبار ومدتها· فقد تزيد مدة بث هذا الخبر أو ذاك في هذه القناة التليفزيونية أو تلك·
غياب التنوع
ان التشابه بين القنوات التليفزيونية الإخبارية لا يقف عند حد بث الأخبار نفسها أو الاهتمام بالأحداث ذاتها، بل امتد إلى تداول المعلومات ذاتها· قد يتبادر إلى ذهن القارئ الكريم تفسيرا لهذا الأمر، فيرجعونه إلى تزايد تدويل الأحداث· فالوضع في العراق، على سبيل المثال، أصبح مسألة دولية، ومقتل الحريري أصبح شأنا دوليا··· لكن القليل من القراء من ينتبه إلى اعتماد العديد من القنوات التليفزيونية على وكالات الانباء العالمية التي تتقاسم العالم وفق منطق معاهدة 'سايكس بيكو'!
بالفعل، لقد ظلت وكالات الأنباء الدولية منذ الحرب العالمية الثانية موضوع نقاش وجدل حول الإعلام الدولي· فرغم زوال الحرب الباردة، وانهيار الجدار الفاصل بين المعسكرين، ورغم التطور التكنولوجي الرهيب الذي شهده قطاع الإعلام والاتصال إلا أن الانتقادات لوكالات الأنباء الدولية لم تفقد حرارتها، حيث مازالت تتهم بأنها تتعامل مع الأخبار بمنطق الشرق والغرب، وتضطلع بالدور التوجيهي والمحدد لنشاط بقية وسائل الإعلام المختلفة، بما فيها القنوات التليفزيونية·
ان تقدير وكالات الأنباء للأحداث والحكم على مدى أهليتها للنشر أو البث لا ينبع من أهميتها وتأثيرها، بل يستند إلى مدى توافقها مع المنظومة الفكرية والثقافية لهذه الوكالات وحتى لأفكارها المسبقة والجاهزة عن العالم ونزاعاته، وأيضا للرهان السياسي والاقتصادي والوطني الذي تشكله الأحداث· للتأكيد على هذه الحقيقة يقدم الباحثون في علوم الإعلام والاتصال العديد من الأمثلة، نذكر منها التغطية الإعلامية المكثفة والمتواصلة لأحداث رومانيا في أواخر أيام نظام شاوشيسكو، وأحداث بناما التي تزامنت معها· فرغم أن ضحايا الأحداث الأولى كانت أقل من الثانية إلا أن وسائل الإعلام العالمية ركزت عليها بشكل غطى على أحداث بناما·
لقد اهتمت وسائل الاعلام العالمية الكبرى بالزلزال المدمر الذي ضرب مدينة سان فرنسيسكو بالولايات المتحدة في السنة ،1989 وقد تزامن هذا الحدث مع زلزالين مروعين ضربا الصين دون أن يجدا أي صدى في هذه الوسائل الاعلامية·
غياب الاختيار
قد يعترض البعض على هذه الأمثلة لاعتبارات مختلفة، منها أنها وقعت قبل أكثر من الزمن· إن وسائل الاعلام المعاصرة تعيش وضعا من التغيير يكاد أن يكون شاملا، حيث أن العديد من القنوات التليفزيونية شقت طريقها في درب استقلالها الإعلامي، فأصبحت تملك عددا لا يستهان به من المراسلين والمبعوثين الخواص الذين يتنقلون بسرعة من بؤرة توتر في العالم إلى أخرى، ومن نزاع دولي أو محلي إلى آخر: من البوسنة إلى الشيشان، إلى أفغانستان، إلى العراق، إلى فلسطين المحتلة، إلى جورجيا، إلى أوكرانيا··· حقيقة إن حضور مراسلي القنوات التليفزيونية في النقاط الساخنة في العالم يكشف عن توجه القنوات التليفزيونية إلى الاعتماد على مصادرها الإخبارية الخاصة· لكن هل سمح لها هذا الحضور بتحقيق استقلالها الإخباري؟ ولماذا تتشابه الأخبار في شاشات التليفزيون؟
إن الإجابة على هذا السؤال تملك أكثر من جانب· فالجانب الأكثر بروزا يتمثل في بقاء وسائل الإعلام المختلفة أسيرة وكالات الأنباء العالمية تسبح في فلكها، رغم وجود المراسلين والمبعوثين الخواص· ألم تشاهدوا في هذه القناة أو تلك مقدم نشرة الأخبار المتلفزة في الاستوديو يسأل المراسل الصحفي أو موفد القناة التليفزيونية إلى مكان الحدث قائلا: (لقد أوردت وكالة الأنباء الفلانية ما يلي··· هل لكم أن تؤكدوا لنا هذا الأمر؟)· كما أن استعانة القنوات التليفزيونية ببعض الخبراء والمختصين لتسليط الأضواء على الأحداث لا ينفي هذه الحقيقة، وذلك لأن العديد من المبعوثين الخواص والمراسلين لا يملكون المعلومات الضرورية التي تسمح لهم بتقديم كل المعطيات المتعلقة بالحدث سواء لضيق الوقت أو 'لاعتزالهم الاضطراري' في حيز جغرافي ضيق لا يسمح لهم بالحركة التي تقربهم من الالمام بالحدث· فلتغطية هذا النقص تلجأ بعض القنوات التليفزيونية إلى الخبراء والمختصين الذين يلوكون الخطاب ذاته أو 'يجترون' المعلومات ذاتها التي تقدمها وسائل الإعلام المختلفة·
ان السعي لاستقصاء الأخبار في ظل جو من التنافس المحموم يخلق اهتماما هستيريا بالاحداث والوقائع بعيدا عن كل تناول عقلاني لها· لذا يلجأ العديد من وسائل الإعلام إلى نفخ الأحداث بغية ربط الجمهور بها· لقد أدرك العديد من الصحافيين، مع الأسف وبمرارة وبعد فوات الأوان، أن بعض رؤساء التحرير القابعين في مكاتبهم المخملية يرفعون عدد ضحايا هذه الكارثة الطبيعية أو ذاك النزاع المسلح في التقارير التي كان يرسلها المبعوثون الصحافيون· وهذا ما تم فعلا مع ضحايا ما أصبح يعرف بأحداث الربيع الصيني أو الربيع الروماني التي قادت الرئيس الروماني السابق: شاوشيسكو إلى حتفه·
لكن رفع عدد الضحايا، والنفخ في الأحداث الدرامية والمأسوية لزيادة درجة الهول، تهدفان إلى إضفاء المزيد من التشابه فيما تنقله وسائل الإعلام من جهة، وإلى إفراغ الحدث من مضمونه، حيث يصبح عاديا ومألوفا، أي تآلف معه الجمهور، من جهة ثانية· وهذا ما يجرنا إلى المسكوت عنه في الاجابة على السؤال المذكور آنفا·
حرية بدون اختيار
يشكل قطاع الإعلام ميدانا خصبا للاستثمارات المالية· فالعديد من ملايين الدولارات وجدت طريقها لهذا القطاع، وسمحت لبعض الأشخاص القلائل أن يمتلكوا، بصمت، عددا متزايدا من الصحف، ومحطات الإذاعة، وقنوات التليفزيون في العديد من الدول المتقدمة· فالولايات المتحدة الأميركية، على سبيل المثال، ألغت قانون مناهضة الاحتكار سنة ،2001 وأصبح بإمكان المستثمرين الأميركيين أن يملكوا ما شاؤوا امتلاكه من وسائل الإعلام· وهذا ما فتح المجال لإعادة هيكلة قطاع الإعلام الذي ترك بصماته في مجال المضمون، حيث أن المادة الإعلامية والثقافية المتداولة في العالم أصبحت شديدة التشابه· إن التشابه يقضى على التنوع، وغياب التنوع ينفي وجود الاختيار· إن أساس الحرية من المنظور الغربي يقوم على الاختيار الشخصي الذي يعتبر جوهريا في وجود الفرد· لكن منطق السوق أصبح يجافي الفرد واختياره، ويتماشى ومنطق الاحتكار· وهكذا تنتفي الحرية لغياب إمكانية اختيار الأخبار والمواد الثقافية· فحسب المفكر الأميركي هربرت شيلر إذا لم توجد خيارات واقعية فإن عملية الاختيار تصبح بلا معنى أو منطوية على التضليل· فالتضليل يرسخ عندما يستمر الاعتقاد بأن الاختيار يملك معنى في ظل غياب التنوع·

اقرأ أيضا