الاتحاد

دنيا

رأس عبد الناصر أمانة في صالون عبد الخالق


القاهرة ــ زين إبراهيم:
مساء الاثنين الثاني والعشرين من يوليو عام 1996 رحل الحاج احمد عبد الخالق عبد الجواد حلاق الرئيس الراحل جمال عبد الناصر عن عمر يناهز 83 عاما بينما كان يعد نفسه لزيارة قبر الزعيم مثلما تعود كل عام·· وبرحيل الحاج احمد كما كان يناديه الرئيس عبد الناصر تطوى صفحة مهمة من خزانة أسرار رجل اقترب من عبد الناصر طوال 13 عاما كاملة خاصة أن الحاج احمد ظل حريصا على عدم الحديث عن علاقته بجمال عبد الناصر رغم الاغراءات المادية التي عُرضت عليه· وقد خلفه ابنه محمد في المهنة وكان قريبا من والده حتى رحل واستطاع أن يحصل منه على كم لا بأس به من أسرار العلاقة مع الرئيس الراحل عبدالناصر·· من صالون حلاقة الحاج احمد عبد الخالق الذي يديره ابنه محمد الآن تبدأ الحكاية فالمحل الذي يقترب عمره من خمسين عاما تتصدر واجهته صورة بالحجم الكبير للرئيس عبد الناصر كان قد أهداها للحاج احمد عبد الخالق فعلقها على واجهة المحل، وهذه الصورة لا تزال تجذب عددا كبيرا من محبي الرئيس الراحل حيث يأتي عشرات الأشخاص من المصريين والعرب ليصورها وبعضهم عرض شراءها مقابل خمسة آلاف جنيه لكن الحاج احمد ومن بعده ابنه محمد رفضا تماما!
؟ سألت محمد احمد عبدالخالق الذي يرتدي معطفا ازرق ويحمل طبعا هادئا يتوافق مع سنوات عمره التي تزحف نحو الستين، لماذا كان الحاج احمد عبدالخالق يرفض أي أحاديث صحفية عن علاقته بجمال عبدالناصر؟
؟؟ والدي كان كتوما وقليل الكلام ولا يذيع أسرار زبائنه وكثيرا ما كان الزبائن يلتقون في المحل دون أن يعرفوا انهم يحلقون عند حلاق واحد، وبالنسبة للرئيس عبد الناصر ظلت العلاقة بينهما ممتدة لما يقرب من 13 عاما وكان والدي حريصا خلالها على عدم التباهي بأنه حلاق رئيس الجمهورية واذكر أن أهالي منطقتنا لم يعرفوا انه حلاق الرئيس إلا بالصدفة حين جاءت سيارة من رئاسة الجمهورية لطلب والدي بعد أن وجدوا المحل مغلقا وهذه الصفات جعلت الرئيس عبد الناصر حريصا على وجود والدي بجواره طوال هذه المدة وظل والدي يحافظ على هذا الكتمان بعد رحيل عبد الناصر رغم مئات العروض المادية التي انهالت عليه من وسائل إعلام محلية وعربية، كما انه كان يخشى أن يتم تحريف ما يقول على لسانه وان تكون الحوارات مجرد متاجرة بالرئيس الراحل وهو أمر لم يكن ليقبله نظرا لحبه الشديد للرئيس عبد الناصر وحرصه على زيارة قبره كل عام وآخر كلمات سمعتها من والدي قبل رحيله وهو ينظر لصورة عبد الناصر: قريبا سيحلم كل من تنكر لك بعودة يوم واحد من أيامك·
؟ كيف بدأت العلاقة بين والدك والرئيس عبد الناصر؟
؟؟ كان والدي يمتلك صالون حلاقة في حي السيدة زينب مقر إقامته ثم انتقل للعمل في منطقة وسط البلد لرقي مستوى زبائنها واستطاع خلال عام 1956 أن يفتتح صالونا خاصا به وانتقل معه زبائنه الذين كانوا ذوي مستويات اجتماعية ومهنية راقية، فأغلب الأطباء والمهندسين والمستشارين والضباط كانوا زبائن والدي ومنهم محمد احمد السكرتير الخاص للرئيس عبد الناصر الذي ظل زبونا لوالدي ثم زبوني بعد وفاة والدي· وفي عام 1957 رحل الحاج احمد حلاق الرئيس الخصوصي فاقترح محمد احمد اسم والدي ليكون حلاق الرئيس عبد الناصر حتى رحيله عام 1970 ولم يكن والدي يحلق للرئيس فقط بل كان محل ثقة معظم رجال الدولة في ذلك الوقت وكان من زبائنه أبناء الرئيس بالطبع خالد وعبد الحكيم وزوجا ابنتي الرئيس حاتم صادق واشرف مروان وكذلك علي صبري وحسين الشافعي وزكريا وخالد محيي الدين بالإضافة إلى عدد كبير من المحافظين والوزراء في ذلك الوقت·
؟ كيف كان يتم استدعاء والدك لكي يحلق للرئيس؟
؟؟ كانت للرئيس عبد الناصر مواعيد محددة للحلاقة حيث كانت الرئاسة تستدعي والدي كل أسبوعين تقريبا وكان يتم الاتصال به في تليفون محل مجاور له وفي إحدى المرات اتصلت الرئاسة بوالدي فلم تجده فقرروا الاستعانة بحلاق آخر لكن الرئيس رفض تماما وطلب استدعاء والدي فذهبوا إلى بيتنا في حي السيدة زينب وأتوا بوالدي ووقتها فقط عرف أهل المنطقة أن والدي هو حلاق الرئيس عبد الناصر لأنه لم يكن يقول لأحد لقناعته بأنه يؤدي مهمة محددة وعليه أن يؤديها على اكمل وجه دون ثرثرة أو متاجرة وهذه هي طباع والدي طوال عمره حيث كان قليل الكلام ولا يتدخل فيما لا يعنيه وكان مواطنا عاديا ينزل من بيته إلى المحل في السابعة صباحا ويعود في الحادية عشرة مساء وليس له اختلاط بأحد من زملائه في المهنة أو زبائنه وظل يؤدي عمله مع الرئيس عبد الناصر حتى وفاته وبعدها انقطعت صلته برئاسة الجمهورية لكن صلته لم تنقطع بمهنته التي ظل يؤديها حتى وصل إلى سن الثمانين وهو أمر نادر في مهنة الحلاقة·
لقاء الصباح
؟ كيف كانت العلاقة بين والدك والرئيس عبدالناصر؟
؟؟ والدي كان يذهب إلى الرئيس في بيته بمنشية البكري وكانت أدوات الحلاقة الخاصة بالرئيس في بيته وكان عبد الناصر معتاداً على أن يلتقي بوالدي في الصباح وكان حريصا على الدردشة معه طوال فترة الحلاقة، وقد علمت من محمد احمد أن الرئيس عبد الناصر لم يجلس متجهماً أمام والدي بل كان يدير معه حوارا حول هموم المواطنين العاديين ويسأله: أنا سمعت أن البامية غالية فهل هذا صحيح وهل البطاطس نادرة في السوق؟ ولماذا ارتفع سعر الزيت؟ وكثيرا ما كان يتطرق إلى السؤال عن والدي وصحته وأبنائه وخلال هذه الدردشة يتعرف على حياة المواطن العادي·· وفي إحدى المرات شكا له والدي من ارتفاع سعر الأرز أيام وزارة علي صبري فاصدر الرئيس قرارا بعد ذلك بإلغاء هذه الزيادة· وكان والدي لا يبدأ الحديث مع عبد الناصر إلا إذا سأله وكان يشعر برهبة في حضوره تجبر أي أحد على احترامه ومحبته ولا أنسى أن الرئيس كان يرسل لنا لعبا وهدايا مع والدي كلما نجح أحد أبنائه أو جاءت مناسبة لذلك وعندما ذهبت مع والدي ذات مرة وجدت الرئيس عبد الناصر يقبلني وسألني عن أحوالي وهذه اللحظة من اللحظات التي لا أنساها في حياتي· واتذكر انه في إحدى المرات ايضا كان والدي ذاهبا لحلاقة شعر أحد ابناء الرئيس الذي حاول التشبه بالهيبز للمشاركة في مسابقة بالإسكندرية تحت عنوان 'أبو عيون جريئة' فاتصل الرئيس بالمشير عبدالحكيم عامر وابلغه أن يذهب إلى هؤلاء الشباب المشاركين في المسابقة لتجنيد من عليه الدور ومن لم يصبه الدور فليأخذه خمسة اشهر إلى الجيش ليتعلم الرجولة مضيفا: نحن لا نريد عيونا جريئة ولكن رجالا يا عبد الحكيم وألغيت المسابقة التي استفزت الكثيرين ووبخ الرئيس ابنه على فعلته·
؟ لماذا استمر والدك طوال تلك الفترة حلاقا لعبد الناصر رغم صعوبة مهمته وحساسيتها؟
؟؟ ذكاء والدي الفطري وعدم الثرثرة أمام الرئيس وحرصه على إلا يطلب شيئا من عبد الناصر أهم الأسباب التي جعلته بجوار الرئيس طوال هذه الفترة واتذكر انه تقدم بطلب لتركيب تليفون بالمحل ولم يأته إلا بعد تسع سنوات وكان بامكانه أن يكلم الرئيس في ذلك لكنه كان يرفض· وأذكر أيضا أن انغماسه في عمله جعل الرئيس يطلب منه أن يلحق به في الإسكندرية وظل بها أربعة أيام يأكل ويشرب ويتفسح على حساب عبد الناصر ولما سأل عن ميعاد الحلاقة قالوا له: الرئيس أحب أن يرفه عنك قليلا·
وكان والدي يحكي أن الرئيس عبد الناصر كان يستفهم منه عن مشكلاته عندما يراه حزينا أو متضايقا خاصة في بداية علاقته به وكان يصغي لوالدي رغم كونه رئيسا ولديه مهام كثيرة، وقال لي والدي انه بعد نكسة 67 مباشرة واجه موقفا عصيبا مع الرئيس عبد الناصر حيث كان الرئيس في قمة حزنه وتوتره مع مرضه وغير له والدي ثلاث فوط من كثرة العرق الذي كان يتصبب منه وفي يوم وفاته بكى والدي كثيرا كما لم يبك من قبل، واغلق المحل عدة أيام حدادا على عبد الناصر الذي كان يحبه كثيرا وكان حريصا على زيارة قبره كل عام· وكانت السيدة تحية زوجة الرئيس تسأل عنه باستمرار وقبل وفاتها طلبت استدعاءه للحديث عن الرئيس عبد الناصر في إحدى وسائل الإعلام وهذه هي المرة الوحيدة التي تحدث فيها عن عبد الناصر ولم يستطع منع دموعه لشدة التأثر برحيل الرئيس·
بعد الرحيل
؟ كيف سار الأمر مع والدك بعد رحيل عبدالناصر؟
؟؟ الحياة لا تتوقف واكمل والدي دوره في المهنة وظلت علاقته مستمرة مع زبائنه ولم تنقطع سوى بالموت، ولم ينقطع عن ممارسة المهنة حتى بلغ الثمانين عاما والى آخر يوم في حياته كان حريصا على ارتداء البدلة وربطة العنق والمعطف الأبيض الذي لم يغيره طوال حياته· وقد دخلت المهنة وتعلمت على يديه أصولها وقواعدها من حيث الإجادة واحترام الزبون والمظهر الجيد وعدم التدخل فيما لا يعنيني ولكنني لم استطع أن احلق لأي من زبائنه الكبار إلا بعد خروجي من الجيش عام 1975 وفي فترة الجيش كنت احلق للقيادات بسبب شهرة والدي وسمعته وبعد رحيل والدي ورثت زبائنه وحرصت على ألا أغير مظهر المحل فمازال كلاسيكيا لان وصية الحاج قبل وفاته ألا أغير نظام الصالون حتى لا اخسر الزبائن·
؟ من اشهر زبائن الصالون؟
؟؟ لا أستطيع حصرهم فكلهم من الأطباء والمهندسين والمثقفين والأدباء والفنانين، فعلى سبيل المثال كان من زبائن المحل الفنان محمد رضا والمصور السينمائي وحيد فريد والفنان محمد الدفراوي والأديب بهاء طاهر والكاتب محمد تبارك والناقدان فاروق عبدالقادر وعبدالرحمن ابوعوف ووزير التخطيط الأسبق فوزي يونس ومحافظ القاهرة الأسبق بخلاف عشرات الأطباء الذين كانوا على علاقة طيبة بوالدي وكان يتوسط عندهم للغلابة لكي يعالجوا بأسعار بسيطة لا ترهق ميزانيتهم· وانضم مؤخرا إلينا اغلب زبائن الحاج محمد المليجي حلاق الفنانين الشهير الذي رحل مؤخرا وباع أبناؤه المحل فتحول زبائنه إلينا وأنا سعيد بهؤلاء الزبائن ويكفي أن أي زبون يدخل المحل يقرأ الفاتحة لجمال عبد الناصر ولوالدي أيضا·
؟ ما الدرس الذي استفدته من والدك وتطبقه في عملك؟
؟؟ صنع والدي شهرة المحل وما زلت محتفظا بنفس طابعه القديم دون تطوير والدرس الذي استفدته أن مهنة الحلاقة من اطهر المهن وليس فيها غش ولا خداع وكلما كان زبونك راقيا انعكس ذلك على عملك ومظهرك وادائك في الحياة· واقتفي اثر والدي في العمل وفي بعض ممارساته التي كان يفعلها مثل زيارة قبر الرئيس عبد الناصر ومداومة قراءة صحيفة 'الأهرام' والتركيز على صفحة الوفيات حتى اعزي فيمن يموت من الزبائن مثلما كان يفعل والدي، وكثيرا ما اشعر بالحنين لوالدي كرجل حافظ على مهنته واكتسب ثقة الجميع خاصة أن المهنة أصابها الكثير من التراجع لوجود الدخلاء بها وعدم حفاظهم على أصول المهنة·

اقرأ أيضا