الاتحاد

دنيا

التوافق الاجتماعي


قال تعالى ( وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم)
وقد أجمع أغلب المعالجين الزواجيين على ما للتوافق الاجتماعي من أثر كبير في تحقيق السعادة الزوجية وذلك لتبرع العديد من الأصدقاء والصديقات في تقديم الدعم والإرشاد الزواجي من خارج العلاقة الزوجية متطوعين في رفدهم بالطرق السليمة لإنجاح علاقتهم وعلى هوى كل منهم، وخبرته وقيمه وما يراه مناسبا· ويقدم كل منهم خبرته في أغلب الأحيان بحسن نية وفي أحيان أخرى الله أعلم ؟؟ مما قد يؤثر على نتائج العلاقة الزوجية أما في زيادة الأزمات أو إحداثها من الفراغ أو حل بعض المشكلات بنجاح ·
وبما أن العلاقة الزوجية هي إحدى العلاقات الاجتماعية الإنسانية والدينية التي تجمع الزوجين لتحقيق العديد من الأهداف والوظائف الاجتماعية ذات الأهمية لبقاء الجنس البشري ولاستمرار المجتمع ونموه، إذاً فلا بد من تغلغل هذه العلاقة في المجتمع بكل هدوء وروية دون تشويش علاقة على حساب بناء علاقة أخرى·
والزواج عملية تحدث وحدثت عبر التاريخ الإنساني فهو سلوك اجتماعي لا يتحدد برغبات الشخص فقط بل وفقا لمعايير مجتمعية أيضا، وسواء أكانت تلك المعايير واضحة أم مستترة أو على شكل توقعات ورغبات في تحديد مساره وفقا للإتجاه الذي يرغب الفرد فيه·
ولذلك نجد هذا الأمر يظهر كأحد مطالب النمو الإنساني في اختيار الشريك أو الشريكة في الحياة والذي يتم في مرحلة النضج بعد أن يتعلم الفرد ويخط لنفسه أسلوب حياته وتكوين أسرة، وتربية الأطفال ، إذ أن العلاقة الودودة بين الزوجين من شأنها أن تجعلهما يخبران الإحساس بتحقيق النجاح والإنجاز وينمو الزواج في اتجاه التكامل بين الزوجين وإشباع بعض حاجاتهما وفي تحقيق الذات ليس لكليهما فحسب بل ينعكس ذلك حتما على أولادهم ومن يحيط بهما، الأمر الذي يرتبط ارتباطا وثيقا بمدى الرضا والتوافق الاجتماعي·
ومن الجدير بالذكر بأن التوافق الاجتماعي يختلف عن التوافق الفكري و التوافق العاطفي فقد لا يحدث من بداية مراحل الزواج بل في إحدى مراحله وحسب شخصية الزوجين وفهمهما وإداركهما للسمات الاجتماعية للزوج الآخر، وغالبا ما يتحقق في مرحلة الزواج الثالثة وهي مرحلة الأبوة والأمومة بعد قيام الأسرة بوظائفها البيولوجية بالإنجاب وولادة الأطفال وبداية الذوبان الاجتماعي واكتساب السمات الاجتماعية الملائمة للبيئة المحيطة، وبعد أن تتدفق العواطف وتبدأ العلاقات الاجتماعية بالاقتراب من الصداقة والابتعاد عن مظاهر الرياء الاجتماعي هنا تبدأ خطوات التوافق الاجتماعي ببدء ظهور المسؤوليات الجسام المتعلقة بالأبوة والأمومة وتبوء موقع العلاقة الزوجية والعمل على المحافظة على موقعها في البيئة التي تضع نفسها فيها بوجود لغة الانسجام الاجتماعي والاتفاق بين الزوجين · وفي هذه المرحلة لا غنى للزوجين عن وجود مساحة من الديمقراطية والحرية في التعبير عن الرأي والتي تعد إحدى لبنات التوافق الاجتماعي المهمة والمتمثلة باتخاذ القرارات المشتركة بدءا بقرار المشاركة بهذه العلاقة مرورا بقرار إحداث النمو في الذات والعلاقة الزوجية معا وانتهاءً بالارتقاء من خلال مسيرة حافلة بالمواقف الارتقائية يتم التركيز فيها على تنمية قدرات الفرد للوصول إلى النضج والتكامل مع الشريك وبناء العلاقات الاجتماعية المرجوة والمحيطة لعلاقتهما من خلال تعلم الزوجين عملية اتخاذ القرارات ذاتها·
وقد اتفقنا سابقا على حرص كل زوج وزوجة على حذف مصطلح الفشل في مفردات العلاقة الزوجية بل إضافة مصطلح الشعور بالنجاح وعلى الأصعدة كافة الشخصية والمهنية والأسرية، ولكي يتم أداء الأزواج لوظائفهم لا بد من توضيح معنى التوافق الاجتماعي وأهميته في العلاقة الزوجية، إذ يتضمن العديد من المهارات الخاصة بترجمة المشاعر والأحاسيس إلى سلوكيات وواقع مادي ملموس تضفي على العلاقة بين الأزواج السعادة واستكمال التوافق الزواجي فكريا وعاطفيا واجتماعيا، ولقيادة أفكارنا إلى ذلك ، ويُسهم التوافق الاجتماعي بإخراج العلاقة الزوجية وأفرادها من حدود الزوج والزوجة لتمتد إلى حدود الأسرة الممتدة وما حولها من علاقات ليتحقق الشعور بالرضا الزواجي والأسري والاجتماعي·
وقد يتفق معي أغلب الأزواج والزوجات في أنه لا يوجد في الحياة الزوجية أي فشل بل أن كل خطوة فيها مليئة بالتوافق والاتفاق وفي أحيان كثيرة تكون نتائج الخلافات الاتفاق على القيم والاعتقادات في بداية العلاقة الفكرية بين الزوجين، وذلك بعد أن يتعرف كل منهما على الطرق والأساليب المناسبة للتعبير عما يجول في داخله، فكلنا قبل الزواج تكون لدينا علاقات أسرية وأخرى مع مجتمعنا وبيئتنا المدرسية والجامعية والمهنية، و لكل زوج وزوجة زملاء العمل وعلى الرغم من اختلاف كل منا عند تشكيله لدائرة علاقاته بعد الزواج، إلا أننا نتشابه في رغبتنا بتحقق التوافق من خلال بناء آليات التآلف بين آراء الزوجين معا والاتفاق على حدود هذه الصداقات والزمالات ونوعها والأشخاص وأسرهم الذين تتلائم أفكارهم وآرائهم مع مفاهيم رب الأسرة ، ويتمكن من مجاملتهم والتعرف عليهم، والمطلوب من الأزواج اليوم الرجوع لقائمة الهاتف وملاحظة الأسر والأشخاص الذين سبق للزوجين أن بذلا الجهد والنقاش في أمر أحدهم والذين قد أحدثوا بعض المشكلات بين الزوجين، وتحديد وسائل التواصل معهم وطرق تحديد العلاقة معهم، وتفعيل التوافق الاجتماعي، وفقا لآراء الزوجين معا، والاتفاق بينهم ليس على مصاحبتهم فقط بل يمتد الامر عند دعوتهم وأوقات ومهاتفتهم أو تدخلهم في أمور تخص هذه الأسرة الفتية وهي تشق طريقها في المجتمع·
حوارات اجتماعية
من خلال إجراء عدة حوارات اجتماعية بيني وبين عدد من الزوجات والأزواج، أتذكر إحدى الأخوات التي أشارت إلى أن زوجها لا يرغب بالتواصل مع أي أسرة صديقة أو جارة وهو صعب الطباع، ويرغب في المكوث بعيدا عن الآخرين وبالأخص عندما نود الخروج لنزهة أو رحلة أجده يختار أبعد مكان كي لا يشاركنا فيه أحد، مما يزعج أبنائي ولا يحفزهم للخروج إلى أي مكان ، لأنهم يبقون بمفردهم ولا يشعرون بالمتعة، وأخت ثانية تشاورني في أمر زوجها الذي أثقل عليها المسؤوليات الاجتماعية والأسرية في أسرة زوجها فهو الابن الأكبر والجميع يعتمدون عليه في كل أمر مهما بدى صغيرا أو كبيرا، دون إخوانه الآخرين ولأنها صاحبة دين وخلق فإنها تتحمل ولا تشتكي ولكن المشكلة بدأت بعد أن تطور الأمر إلى استغلال ذلك من قبل أخوانه وأفراد أسرته في المبالغة بالضغط عليه وبدأ يقصر في واجباته تجاهها كي يرضي أخوانه وأصدقائه وباقي أفراد أسرته·
مما أدى إلى نفورها من أداء أي واجبات اجتماعية تجاههم رغبة في قطع علاقتهم لتوفر الوقت لها ولأولادها فقط، ولشعورها بأن زوجها لا يجد وقتا لقضائه مع أولاده مما يؤدي إلى إلقاء المسؤولية عليها وحدها في تربيتهم وتنشئتهم الاجتماعية ·
اقتراحات سريعة
لقد اقترحت على الأخوات ومثلما أقول دائما لكل من تحاورني في شؤونها الأسرية ، لا تحاولي تغيير الآخر بل إبدأي في تغيير ذاتك أولا، ومن ثم تفهمي أسباب الزوج الآخر، وقبل أن تحاوريه حاوري ذاتك، ثم حاوريه، ولا تقطعي الزوج من أهله وأصحابه لأنه يعتقد أنك ترغبين في السيطرة عليه وإضعاف شخصيته، بل رتبي يومكم الأسري من خلال إيلاء كل ذي حق حقه، وبالأخص أسرة الزوج، ومن أنت ثم الأولاد، وبالنسبة لأخت التي لا يرغب زوجها في الاجتماع مع الآخرين ويميل إلى الإنطواء والإنعزال فهو بحاجة لمساعدته نفسيا واجتماعيا وتفهم مشاعره لأنها ليست عادات فقط بل ربما تكون حالة يمر بها ويحتاج الى من يساعده على تجاوزها ·
وتخبرني الأخت السائلة أنها طبقت مشورتي بالفعل بعد جلسة من المصارحة مع زوجها، وتحديد الأمور الضرورية لهذه الواجبات وأولوياتها، وقد تم تحديد وقتا خاصا لأسرته وتلبية حاجات أولاده فهم أيضا يرغبون بالترفيه مثلما يرغب به الآخرين·
وبذلك لم تدعه يحدث مشكلة مع أهله وأصدقائه وبالوقت ذاته تم تحقيق التوافق بين الجانبين ·إذ تم وضع حلول للمشكلة من خلال صراحة الزوجين مع بعضهما ·
وهنا أود الإشارة إلى ضرورة احترام الرأي بين الأزواج والاتفاق بينهم وتحديد أدوارهم والتعاون مع بعضهم البعض لتذليل الصعاب التي قد تواجههم، وبذلك يتحقق الاحترام والتقدير والتوافق الاجتماعي ·
خطوات مهمة لتحقيق التوافق الاجتماعي
وحتى نرسخ فكرتنا اليوم للأزواج كافة في حياتهم الزوجية لا بد أن يسعى كل من الزوجين إلى:
1-تفعيل ما جاء في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ( لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقا رضي منها آخر)
2-ضبط المتغيرات المحيطة بعلاقتهما إذ أن سرعة الاتصال بين النظم الاجتماعية والحضارية في العالم جعل الأسرة عرضة للكثير من التغيرات التي لم تعهدها لقرون طويلة عاشتها وفق نظام ثابت وغير متغير نسبيا·
3-تحديد المنظومة الاجتماعية وتثبيت الملامح الاجتماعية وضبط مستويات الطموح أو التناقضات بين الزوجين ومن حولهم التي قد تولد بعض التوترات أو المشكلات وحالات فقدان التكيف والتوافق الاجتماعي والنفسي·
4-دراسة كل ظرف لوحده وتحديد ملابساته قبل اتخاذ القرارات، أو الحكم على الآخر·
5-تعزيز الثقة الاجتماعية بين الزوجين وقد تكون هناك خلافات موقفيه تنتهي بانتهاء الموقف الذي أثارها وخلافات مزمنة يصعب علاجها تجعل الحياة الزوجية نكدا وشقاء، وقد تتلخص في تخفيف التوتر والقلق بين الزوجين والتعرف على أسباب الخلاف بينهما إن وجد، وتنمية الدافع لديهما لحلها·
6-تشجيع كل من الزوجين على تعبير كل منهم عن همومه بصراحة دون خوف أو مواراة ومعرفة هموم الآخر والوقوف بجانبه فهو مجتمعه الأول الذي ينطلق منه للمجتمع الكبير·
استودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه

اقرأ أيضا