الاتحاد

دنيا

وقت الفراغ سيف مسلَّط على رقاب المجتمعات


فاطمة البلوشي:
عندما قال الشاعر إن 'الفراغ مفسدة···' أصاب - في ظني - كبد الحقيقة، فالفراغ مشكلة اجتماعية حقيقية، يعاني منها معظم الشباب، وتظهر آثارها واضحة على الفرد والأسرة والمجتمع· ومن هنا، تنبع أهمية طرح مثل هذه المشكلة، والبحث عن أسبابها، وتداعياتها، والتعرف على نتائجها عبر وسائل الإعلام أو البحوث المتخصصة·
ومشكلة الفراغ حديثة الظهور في المجتمعات، فقديما، كانت طبيعة الحياة لا تسمح بوجود الكثير من وقت الفراغ، وهناك من الإحصائيات والبحوث ما يشير إلى أنه 'في عام 1875 ميلادي كانت نسبة وقت الفراغ في حياة الإنسان 7,8%، وأما نسبة وقت العمل الإنتاجي في حياته فكانت 26%· وفي عام 1950 صارت نسبة وقت الفراغ في حياة الإنسان 20,7%، و نسبة وقت العمل الإنتاجي في حياته 15%· وفي عام ،2000 صارت نسبة أوقات الفراغ في حياة الإنسان العادي 27%· في عام 1875 ميلادي كانت نسبة وقت الفراغ في حياة الإنسان 7,8%، و أما نسبة وقت العمل الإنتاجي في حياته 26%· في عام 1950 صارت نسبة وقت الفراغ في حياة الإنسان 20,7%، ونسبة وقت العمل الإنتاجي في حياته 15%· و في عام ،2000 صارت نسبة أوقات الفراغ في حياة الإنسان العادي 27%'·
وإذا كانت مشكلة الفراغ تملك هذا الحجم من الحضور في المجتمعات إلى حد أنها تصل إلى 27% من وقت الإنسان العادي، فهذا يعني، أننا نقضي ما يقارب ثلث أيامنا بلا عمل منتج أو في نوع من إضاعة الوقت· فكيف يضيع هذا الوقت؟ وأين؟ ولماذا؟ وهل يصرف الشباب طاقاته المتفجرة في عمل مفيد أم في اللهو والترفيه؟
هذه الأسئلة وغيرها كانت غايتنا ونحن نبحث مع الشباب مشكلة وقت الفراغ وآثاره المختلفة، فماذا قالوا؟
ضيق وملل
يقول سرور سالم الزعابي (15) سنة: 'وقت الفراغ جزء من حياتي، حيث أني أراجع دروسي في نصف ساعة، ثم أقضي باقي الوقت خارج المنزل برفقة أصدقائي، وعلى الرغم من وجودي معهم إلا أن الشعور بالملل لابد أن يراودنا جميعا، نذهب لمراكز التسوق دون هدف لقضاء الوقت فقط، أحب لعب (الكورة) وركوب الدراجات، وفي المدرسة أشارك في الألعاب كالجري والكرة، في أوقات الفراغ، كما أني أخصص جزءا من وقتي لأكون مع الأهل في المنزل لتلبية احتياجاتهم والجلوس معهم، فوقت الفراغ يسبب الضيق والملل مما يسبب المشاكل بعض الأحيان سواء مع الأهل أو الأصحاب في الشارع'·
ويشاركه الرأي سيف سالم (12) سنة حيث يقول: 'وقت الفراغ يخلق المشاكل بين الأصحاب في كثير من الأوقات ولكنها غالباً ما تنتهي بالصلح، فعندما نجلس دون هدف ودون أي استثمار للوقت تبدأ بعض المشاكل بين الرفاق لأسباب تافهة، وفي بعض الأحيان نذهب إلى مراكز التسوق للعب أو (التمشية)، لكنني أحرص على العودة باكراً لأن والدي يطلب مني العودة بعد صلاة العشاء، كما أمضي معظم وقتي في الرسم أو لعب (السوني)، وفي كثير من الأوقات عندما أكون مع رفاقي ننصح بعضنا باستثمار الوقت في المسابقات في اللعب، أو التنافس في الدراسة، فأنا أحب الدراسة، وأحب أن أصبح ضابط شرطة مثل أخي الكبير'·
'العزبة ' ملجأ
من جهته لا يشعر منصور الكتبي (14) سنة بوطأة الفراغ، لأن مصالحه الشخصية تملأ وقت فراغه· ويضيف: 'أنا لا أحب الدراسة، ولا أسمح للملل أن يتسلل إلي، والفائدة التي اجنيها هي راحتي النفسية والقضاء على الفراغ فعندما أذهب إلى العزبة أقضي معظم وقتي مع الرفاق أو مع (الحلال) حيث أقوم برعايته'·
وإذا كان الملل هو أحد المشكلات الناجمة عن الفراغ عند الشباب، فإن جاسم محمد (17) عاما قرر أن يتغلب على مشكلة الملل بلعب (السوني) حتى الشعور بالملل، يقول: 'أحب اللعب (بالسوني) حتى لا أشعر بالملل، من ثم أجلس أمام شاشة الكومبيوتر، ثم أذهب للنوم، 'أضيع وقتي لأنه ما شي شغل'، أما دراستي فتكون في ساعتين فقط، وأحيانا أذهب مع رفاقي لأتمشى في مراكز التسوق أو (الكوفي) ثم أرجع إلى البيت· وقت الفراغ يسبب الضيق والملل لذلك أتجنب هذا الوقت المزعج، أحيانا أجلس مع الأهل ولكن عندما أكون وحدي أشعر بالملل والفراغ، أنصح الجميع باستغلال وقت الفراغ وخاصة الشباب لأن الفراغ يسبب الكثير من المشاكل فيلجأ الشاب للتدخين أو 'المغازلة' في المراكز لأنه يكون (فاضي) وبدون أي هدف فيستغل وقته بهذا الأسلوب الخاطئ بهدف التسلية وقضاء الوقت'·
'فراغ' البنات
ويلفت فايز الزعابي (17) سنة النظر إلى نقطة هامة هي: أن وقت الفراغ عند الشباب أكبر منه عند البنات ويوضح رأيه هذا بالقول: 'الفراغ عند الشباب أكثر بكثير ما هو عند البنات، لأن البنت تجلس في البيت وتشغل وقتها في المطبخ أو الدراسة أو مع الأهل، ولكن الشباب بطبيعتهم لا يحبذون الجلوس في البيت لذلك دائما تجدهم خارج المنزل إما لهدف معين أو لقضاء الوقت فقط، وفي بعض الأحيان تحدث بعض المشاكل بين الرفاق من دون سبب، فقط لمجرد الشعور بالملل والضجر· أحب دراستي وأحلم أن أكون ضابط شرطة في المستقبل، وفي وقت فراغي أحب الرسم أو ممارسة الرياضة، وأنصح رفاقي باستغلال وقت الفراغ بالطريقة الصحيحة والمفيدة لهم'·
وللأناث رأي لا يختلف كثيرا عن الجنس الآخر حيث تقول فرح أسامة (11) سنة عن وقت فراغها: 'أحب العمل في البيت مع والدتي فأنا أحب تدليلها لي ورعايتها، وباقي الوقت أقضيه في مشاهدة التلفاز حيث إني أحب أفلام الكرتون والأفلام الأجنبية لأنها تقوي لغتي الإنجليزية، فأحس بالفرح والتسلية أحيانا، وبالحزن والملل أحيانا أخرى، كما أني أقرأ الكتب التي تمدني بالمعلومات والمعرفة التي تفيدني في حياتي، وأنصح الجميع باستثمار وقت الفراغ بشكل مفيد، فأنا أخصص جزءا من وقتي لقراءة القرآن أملا في حفظه لكي ألبس والدي التاج يوم القيامة وأشفع لسبعين عبد بإذن الله'·
وتجد م· ت (18) سنة في الهوايات المختلفة متنفساً إيجابياً لقضاء وقت الفراغ حيث تقول: 'أحب الألعاب الالكترونية في الكومبيوتر وأحياناً أسلي نفسي بها، أو أقوم بزيارة الأهل والأصدقاء لقضاء الوقت معهم، كما أني أحب القراءة في كتب الدين التي تفيدني في ديني ودنياي، ولديَّ هواياتي التي أستغل وقت الفراغ الطويل في تنميتها ومنها: الأشغال اليدوية حيث أشارك بأعمالي في المعارض التي تقيمها المدرسة، وجميعنا لدينا وقت فراغ على الرغم من وجود الدراسة، ولكني أنصح كل من يعاني من وقت الفراغ باستغلاله بشيء يعود عليه بالنفع'·
البطولة للتلفاز
ويبدو أن رجاء محمد (20) سنة وجدت حلاُ سريعاُ لتزجية أوقات الفراغ، هو مشاهدة التلفاز حيث ترى أن 'مشاهدة التلفاز هي الحل السريع لتمضية وقت الفراغ، فعندما انتهي من دروسي وواجباتي المنزلية لا أجد أنيساً غيره، فأقضي ما يقارب 3 ساعات أشاهد الأفلام والبرامج المنوعة، وأحيانا أحب العزف على الآلات الموسيقية'·
وتقول م·ع 'أجلس أمام التلفاز ما يقارب 5 ساعات فالملل قاتل ويسبب الضيق والكآبة، ولقتل الملل أسلي نفسي بمراقبة التلفزيون ومشاهدة الأفلام والرياضة وغيرها من البرامج، وفي بعض الأحيان أحب ممارسة الرياضة في البيت أو أخرج للمشي، ولكنني رغم كل ذلك سرعان ما أحس بالملل، فلا أجد ما يذهب الملل سوى قراءة القرآن والصلاة فهي تريح النفس وتكسبها السعادة'·
ومثلهن تفعل ع· ص (19) عاما حيث تقول: 'التلفاز ملجأ في وقت الفراغ، فأنا أجلس أمام الشاشة ما يقارب 4 ساعات، وفي بعض الأحيان أمارس القراءة فأنا أحب المطالعة وأجد فيها تسلية وفائدة، إضافة إلى الأشغال اليدوية وهي هوايتي التي تملأ وقتي في كثير من الأحيان'·
مما سبق، يتضح لنا أن وقت الفراغ ظاهرة أوجدتها الحياة المعاصرة، وما شهده مجتمع الإمارات من تغيرات سريعة بعد ظهور النفط وبناء النهضة، حيث كانت العلاقات الاجتماعية في السباق أكثر عمقا، في حين نلاحظ في الوقت المعاصر أن الفردية باتت أكثر حضورا، ولم يعد هناك متسع من الوقت للتزاور العائلي والاجتماعي الذي كان وسطا اجتماعيا وعائليا ملائما لقضاء وقت فراغ الشباب فيما يفيد، حيث كان الابن يذهب مع والده إلى المرعى أو الغوص، في حين ترافق البنت أمها لتتعلم مهارات الطبخ والحياة الاجتماعية المختلفة· وبدلا من ذلك، صارت الألعاب الالكترونية، ومراكز التسوق ومشاهدة التلفاز وغيرها من الأمور هي الوسيلة التي يتجه إليها الشباب لملء أوقات فراغهم، بدلا من استثماره في هوايات مفيدة، أو ابتكارات نافعة تعود على الشباب والمجتمع بالخير والنماء·
فالوقت محسوب من عمر الإنسان إلا أن معظمنا لا يستغله بالشكل الصحيح، ويقول الحسن البصري 'يا ابن آدم إنما أنت أيام، كلما ذهب يوم، ذهب بعضك· ودقائق قلب المرء قائلة له، إن الحياة دقائق وثواني'·

اقرأ أيضا