الاتحاد

دنيا

رجل شرطة ينتحر كل أسبوعين


اسطنبول ـ سيد عبد المجيد:
يبدو أن الأمر خطير، والدليل أنه لم يعد مجرد حادث فردي عارض، بل صار ظاهرة تدعو للقلق في تركيا، فهناك رجل شرطة ينتحر بمعدل كل أسبوعين، والأسباب كما كشفت عنها الصحف ومصادر الأمن تتمحور حول عنوان واحد فقط ألا وهو ضغوط الحياة المعيشية· والحق أن القضية صارت في قلب الاهتمام ولا زالت دوائر الاختصاص تبحث عن إجابة محددة حول سؤال: ما الذي حدث لرجل الأمن؟
في الدولة العثمانية كانوا يسمونه 'سو باشا' أي رأس الماء·· وهو ما يعني أنه رجل مهاب، يعرف ماذا يفعل من أجل البسطاء، ويقال إن حياة رجل الشرطة آنذاك كانت فوق الشبهات، إذ كان هناك حرص على أن تكون حياته المعيشية مستقرة ويتقاضى راتباً متميزاً، بحيث لا تشكل أعباء الحياة أي ضغط عليه، لكن الأمر تغير مع مرور العقود الواحد تلو الآخر وصار رجل الشرطة في تركيا يعاني شظف العيش بعد أن بات دعم الدولة شحيحا، فمن أين له مصاريف الإيجار الشهري ومتطلبات الأولاد في المدارس أو الجامعات وما يزيد من قسوة الضغوط النفسية هو أن رجل الشرطة لا يظهر في الحياة اليومية سوى أنه أداة قمع·
قبل ما يزيد على خمسة عقود خرج شاعر تركيا الكبير ناظم حكمت 1902 ـ 1963 بقصيدة شعر نظم أبياتها في موسكو التي كانت منفاه، بعد أن جردته بلاده من الجنسية، قال فيها عن رجل الشرطة 'في أمريكا راحوا يعلموه التطبيقات (أي التدريبات)·· أعداء الوطن كيف تجعلهم لا ينامون·· الكهرباء في مؤخرتهم·· البيض المسلوق تحت الإبط·· وعندما عاد·· وجد الناس العاديين يستقبلونه·· فرحين برجوعه'·
رجل البوليس هذا كما صوره ناظم حكمت رجل سادي تواق الى تعذيب البشر ولهذا تجد معظم رجال الشرطة خصوصا المخضرمين منهم يكرهون ناظم حكمت، ويبدو أن الأمر انسحب ليشمل بعض الأجيال الجديدة من رجال الشرطة فيكفي أن يأتي ذكره أمامهم حتى تجدهم يمطرونه بأقسى النعوت· الطريف والمثير في آن واحد هو أن رجال الشرطة، وبحكم عملهم، كان عليهم أن يشاركوا قبل ثلاث سنوات في حماية رموز المجتمع في حفلات التكريم العديدة التي أقيمت بمناسبة مرور 100 عام على مولد ناظم حكمت الذي أعيد له اعتباره· وبالطبع هم يكرهونه لأنه أظهرهم على غير حقيقتهم بل على العكس صاروا هم الضحايا ضحايا مجتمع لا ينظر لهم بعين الاعتبار·
الغريب أن مشاهد الجنازات تدعو هي الأخرى للحيرة بيد أن زملاء الرجل الذين يسيرون وراءه يتهامسون فيما بينهم حول ما وصفه أحدهم بـ 'تمثيليات التكريم' التي تقام لزميلهم، وها هي الابتسامات الغامضة تعلو الشفاه متسائلة: ما فائدة علم يلف به جثمان الفقيد وكلمات حلوة تؤكد على أن الراحل أفنى حياته من أجل الوطن، أين كنتم وهو يعاني العوز والفقر وقلة الحيلة·
ويبدو أن حدسهم في محله، فموكب التأبين ينفض، والفقيد يذهب للثرى والمحتفلون إلى النسيان، والحياة تسير منتظرة أسبوعين آخرين، وحادث انتحار آخر ومعه يتكرر نفس المشاهد·

اقرأ أيضا