صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

اختفاء السرّ.. ظهوره

من يفتح أبواب الأسرار المغلقة؟ (الاتحاد)

من يفتح أبواب الأسرار المغلقة؟ (الاتحاد)

نقرأ في مقابسات أبي حيان التوحيدي: «قلت لأبي سليمان، وقد جرى كلام في السّر وطيّه والبوْح به، ما السبب في أن السر لا ينكتم؟ فقال: لأن السرَّ اسم لأمر موجود فضُرب دونه حجاب، وأُغلق عليه باب، فعليه من الكتمان والطيّ والخفاء، والسر مسحة من القدم، وهو مع ذلك موجود العين، ثابت الذات، مُحصَّل الجوهر، فباتصال الزمان وامتداد حركة الفلك، يتوجه نحو غاية هي كماله، فلا بدّ له إذاً من النمو والظهور، لأن انتهاءه إليها، ووقوفه عليها، ولو بقي مكتوماً خافياً أبداً لكان والمعدوم سواء، وهذا غير سائغ».

نقرأ في اللسان: «أسرّ الشيءَ: كتمه وأظهره... سررته: كتمته، وسررته أعلنته». «خفا البرق خفواً: لمع. خفا الشيء خفواً: ظهر. خفي الشيء أخفيته: كتمته، وخَفيته أيضاً: أظهرته، وهو من الأضداد».
***
هيراقليطوس: «ما يميز الظهور هو الاختفاء».
***
التحجّب إبراز وكشف وإظهار. والكشف تحجذُب وإخفاء.
××××
الانكشاف والفضح يقضي على السر ويقتله كسرّ. لا يعني هذا أن السر يظل «كامنا» مجهولاً لا يُعرف، بل إنه، على العكس من ذلك، لا يكون سراً إلا إذا عُرف، لكنه ينبغي أن يعرف كسر، أن يعرف كـ»شيء» لا يُعرف. فمعرفة السر تعني الحفاظ عليه، لكن الحفاظ عليه لا يعني السكوت عنه، وإنما محاولة الإفصاح عنه. وهذا لا يعني فضحه، وإنما محاولة إظهاره كسر، وكشفه كاختفاء.
***
حينما ينكشف السرّ فهو لا يكشف عن «شيء»، وإنما يكشف عن بنية الاختفاء.
***
ما يُظهره السرّ هو الاختفاء ذاته. اختفاء السّر هو ظهوره، ولكن ظهوره كاختفاء.
***
مفهومان عن الستار:
مفهوم يرى أن الحجاب الذي يُضرب على السرّ والبابَ الذي يُغلق دونه لا يشكل جزءاً من بنية السر، وإنما ينضاف إليه. فهو مجرد قشرة تخفي اللبّ. ومهمة الحجاب هي فقط صون الجوهر و»حفظ» السر. وهنا يتحقق الانكشاف برفع الستار وإماطة اللثام.
المفهوم المضادّ يرى أن ما وراء الستار مفعولٌ للوهم الذي يبعثه فينا الحجاب عندما يمنعنا من أن ننظر إليه كحجاب. هنا يغدو الستار دليلاً على فعل التستر أكثر مما هو دليل على «شيء» من ورائه.
***
يفصل التقليد فصلًا مطلقاً ميتافيزيقياً بين الستار وما يوجد خلفه. لا ثالث هنا بين الستار وما يستره. الثالث مرفوع. نحن أمام منطق ثنائي القيمة، منطق الميتافيزيقا. حتى إن كان الستار قاتماً معتماً هنا فيكفي أن «يُرفع» ليتجلى الكائن ويفتضح أمره. أما الحداثة، فعلى رغم ما يبدو عليها من سعي نحو العُري وتعلُّق بالشفافية، إلا أنها تجعل التستر من صميم الكائن، واللاانكشاف علامة على الحقيقة، بل «محددا» لها أو مرادفا (هايدغر). تجعل الحداثة ما وراء الستار مجرد نتيجة ومفعول للوهم الذي يبعثه فينا الستار عندما بحول بيننا وبين أن ننظر إليه كستار.
***
إن كان هناك ستار، فلا كواليس من ورائه. إنه سطح لا يُخفي شيئاً سوى ذاته، سطح منثن. فليس الستار غطاء يوضع «فوق» ما يستره، بل هو انثناءُ ما يظهر، إنه فعل الطيّ ذاته.
***
تساءل نيتشه: «ما هو الظاهر عندي؟» فأجاب: «من المؤكد أنه ليس عكس الوجود. فما عسى يمكنني أن أقول عن الوجود، مهما كان، اللهم إلا صفات ظاهره. الظاهر ليس عندي ستارا لا حياة فيه. إنه الحياة والفعالية ذاتهما. إنها الحياة التي تسخر من ذاتها كي توهمني أن لا وجود إلا للمظاهر».
***
بيّن ماركس أن ما تخفيه السلعة هو ما تعرضه من حيث إنها سلعة أي عمل مبذول. وبيّن نيتشه أن ما يُضمره القول هو سؤاله ذاته، ذلك السؤال الذي تضعه الجنيالوجيا التي تسأل من يتكلم من وراء النصوص؟ وبيَّن فرويد أن ما يخفيه النصّ الظاهر للحلم هو عمل الاختفاء والتستر ذاته، ذلك العمل الذي يهدف إلى أن يظهر الحلم كما لو كان «ظاهرة» تافهة لا قيمة لها ولا معنى.
***
لا غرابة أن ترتبط الطبيعة والحقيقة عند نيتشه باستعارة المرأة: كلاهما لا يفصح عن طبيعته وحقيقته وجماله إلا بـ»التستر وراء اللّغز وعدم اليقين».
***
هذه «الفرجة» و»الانفراج»، وهذه «المسرحة» التي تسدل الستار حتى إن رفعته، وتُميط اللثام حتى إن وضعته، وتلبس الحجاب حتى إن نزعته، تطال الكائن في جميع أبعاده، وهي التي تتحكم في إنتاج المعاني وتحديد الدلالات.
***
هذا السطح العميق يجعل التأويل المعاصر يبتعد عن كل تأويل ميتافيزيقي، وينفصل عن أحادية المعنى وأوّليته وواحديته، كما يجعله ينفتح على آفاق لا حصر لها، مما يجعله تأويلا لامتناهيا.
***
هذا السر السطحي، والمضمون الصريح، والخفيّ الظاهر يقيم فضاء جديداً تتشكل أعماقه من ثنايا سطوحه بحيث يصبح ما يدل ويعني سواء أكان كلاماً أم شيئاً آخر، لا يفترض تأويلًا لموضوعات تعطي نفسها للتأويل وإنما يفترض تأويلاً لتأويلات. وهكذا تحل الكثافة السيميولوجية محل الكثافة الأنتلوجية، ولا يتبقى علينا، إذا توخينا بلوغ الأعماق، إلا أن نكون سطحيين.
***
نيتشه: «ربما كان علينا أن نمجّد أكبر تمجيد الحشمة والوقار اللذين يطبعان الطبيعة ويجعلانها تتستر وراء اللغز وعدم اليقين. ربما كانت الطبيعة امرأة تعرف لماذا لا تفصح عن أسسها ودوافعها؟ عجبا لهؤلاء الإغريق، لكم كانوا يعرفون أسباب العيش. إن ذلك يستلزم البقاء عند السطح، عند ثنايا الثوب، عند القشرة والبشرة. إنه يقتضي عبادة المظهر، والإيمان بالصورة والشكل والأصوات والكلمات، الإيمان بأولمب المظهر. هؤلاء الإغريق كانوا سطحيين...من شدة عمقهم».