السَّواحلُ، الشُّطآنُ، الشَّواطئُ، الضِّفافُ، (وفي اللّهجةِ العامّيةِ الخليجيةِ «السِّيفْ »)، هي عَتَباتُ البَحرِ والأرضِ وإيقاعاتُها الخَفِيَّةُ، والمِنطقةُ الوُسطى الفاصلةُ بينَ اليابِسةِ والماءِ، وفي الوقْتِ نَفْسِهِ، هي الرّابطةُ بينَ الرَّمْلِ والماءِ. الماء جوْهرُ الوجود يُشَكّلُ الماءُ ما نِسبَتُهُ 75 في الْمِئةِ منْ مِساحةِ الكرةِ الأرضيّةِ، ويُشكلُ الماءُ بين 55 و78 في الْمِئةِ منْ جِسمِ الإنسانِ، وهذهِ هي الحَقيقةُ المائيّةُ، والجَوهَرُ المائيُّ، للوُجودِ الإنسانيِّ والحياةِ. والمُسَطّحاتُ المائيةُ فضلاً عنْ سِحْرِها وجَمالِها الطبيعيِّ فهيَ مَصدرُ إلهامٍ، وملاذاتٌ، وأماكنُ، ولها أدوارٌ استراتيجيةٌ في الدّولِ، والحضاراتِ الإنسانيّةِ. ودولةُ الإماراتِ العربيةِ المتّحدةِ حقيقةٌ جغرافيّةٌ تاريخيّةٌ حياتيّةٌ مائيّةٌ عَبْرَ التاريخِ. السّواحلُ والبحارُ جَوْهرُها، منذُ أقدمِ العُصورِ تُعّدُّ الإماراتُ مِنطقةً مَركزيّةً في المِلاحَةِ والتّجارةِ البحريّةِ مُتّصلةً بما حَوْلَها منْ قِوىً وحضاراتٍ، ومتفاعلةً مَعَها، أو هيَ امْتدادٌ لَها، كما كانَ لها أساطيلُها البحريَّةُ التي كانَتْ لها نشاطاتُها التجاريةُ والعسكريّةُ. في عُهودِ ما قبلَ المِيلادِ. كانتْ عُمانُ القديمةُ التي كانتْ تُسمّى (مكان/‏ مجان)، (أجزاءُ من سلطنةِ عُمانَ والإماراتِ حالياً)، حلقةَ وصْلٍ بَحرية بين حضاراتٍ عدّةٍ، بلادِ الرافدينِ، ومِصرَ، والسِنْدِ، ولها اتصالٌ مع سواحلِ الهندِ والصينَ، واشتُهرت بالمُدنِ - الموانئ الاسْتراتيجيةِ. وفي العهدِ الإسلاميّ حظيتْ بأهمّيةٍ استراتيجيةٍ، وفي العُصورِ الحديثةِ تنافستْ عليها قوىً استِعماريةٌ عدّةٌ بهدفِ السيطرةِ على سواحِلِها. الماءُ أصلٌ مقترنٌ بالحياةِ والنّورِ والتقدمِ والسعادةِ، وهو مادّةُ التطهُّرِ، وهو البَدْءُ في الخَلقِ والنشأةِ والتكوينِ والنّماءِ والتّجديدِ، والماءُ خالٍ من أيِّ صلابةٍ، لكنه قويٌّ. من الكَيْنونةِ المائيّةِ يتجدَّدُ الإنسانُ والمجتمعاتُ والعالمُ، وتحدُثُ الحيويّةُ وينبعَثُ التفاؤلُ، ويحدُثُ الانْدماجُ الإنسانيُّ الطبيعيُّ في المحيطِ أو العالمِ الخارجيِّ، ويُصبِحُ الحُبُّ مُتاحاً لا ينفصلُ عنِ الحياةِ، ولا يفقِدُ الإنسانُ معناهُ أو فحواهُ. وعلى الماءِ عرشُ الرحمنِ، {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} (هود 7)، وهذهِ حقيقةٌ غيْرُ مَرئيّةٍ (Invisible)، {وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ} (الطور 6)، حقيقةٌ غيْرُ مَرئيّةٍ أخرى، والأغلبُ من معاني «السَّجْرِ»، الامْتلاءُ، والاشْتِعال، أو حالةُ الإيقادِ. وإنْ كانتِ السَّواحلُ جُزءاً منَ اليابسةِ، أو تُصبحُ جُزءاً منَ اليابسةِ، في حالةِ الجَزْرِ، تحديداً، وفي أوقاتِ انْحسارِ الماء، فإنَّها جُزءٌ منَ البَحْرِ، كذلك، وحليفتُهُ، تعيشُ في مَعِيّتِهِ، إلى جانِبِهِ تَغفو، وتَصحو، فالسواحلُ رفيقةُ البَحرِ، تعيهِ، وتقترنُ بهِ، امتِدادٌ لهُ، تَسمعُ وشوشاتِهِ، يهبِطُ البحرُ كُلَّ يومٍ يحمِلُ لها شَيْئاً أو وصيّةً، يضُمُّها بينَ جَنَباتِهِ، ويسألُها عنِ الأرضِ، كما أنَّ الأرضَ تسألُ السَّواحلِ عنِ البحْرِ. أهدابُ البحرِ تسيلُ على الشواطئِ وتُجاذبُ الرَّمْلَ، تَحتفي بهِ، تُدَثّرُهُ، تُعانقُهُ. الأرضُ عاريةٌ ترتدي البحرَ فَتَنْدَى، فتلمعُ الشواطئُ كلمعةِ الفضّةِ، كعاشقةٍ ترتدي عاشقَها، تلتحفُ بهِ، تسبحُ تحتَهُ، وتغرقُ فيهِ، وتَنْدَى، ينْتابُها رذاذُهُ وتُرَقْرقُ، وتلمعُ كالفِضَّةِ أيضاً، والفِضَّتانِ، المائيةُ والأُنثويةُ، يغمرُهما النورُ، وحينَ ينحسرُ البحرُ عنِ السَّواحلِ تُصبِحُ مُبللةً نديَّةً مُبتَهِجَةً بعاشِقِها البَحرِ، فَقَدْ وَعَتْ منه شَيْئاً أو أشياءَ. لا يُمكنُ فَصْلُ الشُّطآنِ عنْ بَحْرِها، ولا هَدْمُ علاقَتِها بالأرضِ، كما لا يمكنُ فَصْلُ الذَّكَرِ عنِ الأُنْثى وهَدْمُ علاقَتِهما بالحُبِّ، في أصلِ مُعادَلَةِ الحياةِ والسَّيرورةِ الكونيَّةِ والمعادلةِ العاطفيّةِ الطبيعيةِ المُتكامِلةِ، وموعدِ لقائهِما، زَفافِهِما، ليلةٌ قمرِيّةٌ عِندَ الشُّطآنِ، فالماءُ يُدركُ حقيقةَ الحُبِّ، كما لا يُمكنُ فَصْلُ الحُبِّ عنْ حَراكِ الإنسانِ في الحياةِ والسياساتِ على كلِّ الصُّعُدِ، في أصلِ مُعادلَةِ السّلامِ الخاصِّ المُرتَبِطِ بالنَّفْسِ البَشَرِيّةِ، والعامِّ المُرْتَبِطِ بالمُحيطِ الخارجيِّ والكونِ. أتوقّفُ عندَ السواحلِ، أَلْمِسُ بداياتِ البحرِ أو نهاياتِهِ، ولا أدخلُ الأرضَ أكثرَ منْ عُمْقِ السواحلِ الممتدةِ، ألْمِسُ بداياتِ الأرضِ أو نهاياتِها، وهناكَ الأُفُقُ والشَّمْسُ الزائرةُ والغَيْمةُ العابرةُ والسَّماءُ الماكِثَةُ، والأقدامُ السّائرةُ على الشواطئِ، والسُّفُنُ الراسيةُ عَلَيْها، والأخرى المنطلقةُ منها، أو القادمةُ إليها، والمنازلُ المُحاذِيةُ لها. الضفافُ طريقٌ، وهي تُغنّي وقدْ تَبكي، والجميعُ يَغْتَسلونَ منَ البَحرِ. عناصرُ الطّبيعةِ الثلاثةُ: الماءُ، الهواءُ، التُّرابُ، ذاتُ صلةٍ بإيق السّواحلُ جُغرافيا وتاريخٌ ووطنٌ، وتَحملُ الكثيرَ منَ انعطافاتِ الحَياةِ، وهي غِناءٌ وأوتارٌ وشِعْرٌ ودَفْترُ كتابةٍ، كما تَدَحْرَجَتْ عليها القصصُ والملاحِمُ والأساطيرُ والحكاياتُ والتّجلياتُ والأسْرارُ والأضْواءُ والظّلالُ والآثارُ. الضِّفافُ العاطِفِيَّةُ السَّواحلُ في الجانبِ الآخَرِ خَفْقَةُ قَلْبٍ، يَعْرفُها المُحِبّونَ أماكنَ حُبٍّ، دَهْشةً، لَمْسَةَ يَدٍ، مُزْحَةً لذيذةً، ضارِعةً في الحُبِّ، تَمْتَلئُ بالهَمْسِ، وعندَما يَأتي المَدُّ تَنْدى وتَتَبَلّلُ أَسِرَّةُ العاشِقينَ التُّرابيةُ، تفرحُ بِطراوةِ الأرضِ واللقاءِ، وترقُصُ عندَ المَوجِ، الأَلقُ والتُّرابُ والأعشابُ مَخَدّاتٌ مِنْ طبيعَةٍ شاطئيَّةٍ مُرْتَعِشَةٍ منَ البَردِ، والضَبابيّةٍ، أحياناً، ودافئةٍ، أو مُشْمِسَةٍ، أحياناً أُخرى، وفي كلِّ الحالاتِ تُقيمُ القُبَلُ، ويَحلو تَجوالُ المَشاعِرِ على السَّواحِلِ، ولاشَيْءَ عَلَيْها، لا غُرفَ، لا سراديبَ، لا أقبِيَةَ، لا مطابخَ، لا دَهاليزَ، لا أبْهاءَ، لا مزارعَ، لا شوارعَ مُزْدَحِمةً، لا إشاراتِ مُرورٍ، لا مُستودعاتٍ، لا جُدرانَ، لا أبوابَ، لا مَزالِجَ، لا عَتَباتِ سَلالمَ، لا شَيْءَ على السَّواحلِ تُريدُ رؤيتَهُ سوى أنتَ تَصحبُكَ الفراديسُ وهواءٌ خَفيفٌ يَسمحُ لكَ أنْ تَتَنَفَّسَ الرَّبيعَ المُصاحَبَ بِحُريّةٍ، وتَنْشَطِرَ النَّفْسُ بَهْجةً يُداخِلها الماءُ.