الأربعاء 25 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
توثيق درامي للحياة المعاصرة
توثيق درامي للحياة المعاصرة
21 أغسطس 2013 20:00
“إلى قيثارة تجسدت يوما في شكل حلم.. وما زالت ضائعة.. فهي لم تظهر قبلا ولا تزال سرابا.. وما من أمل بأن تظهر من بعد” هذا إهداء قدمه الروائي والقاص الدكتور فايز رشيد لمجموعته “ذهبت مع الخريف” الصادرة عن الدار العربية للعلوم ـ ناشرون في بيروت ومكتبة كل شيء بحيفا قبل عدة أيام. المجموعة التي تضم 21 قصة قصيرة مستوحاة من واقع الحياة لطلبة، أو أناس ذهبوا إلى روسيا وإيطاليا طلبا للعلم أو السياحة، أو الجد الضابط الروسي في الحرب العالمية الثانية أو كما أسموها “الحرب الوطنية العظمى” الذي اضطرت الجدة بعد انهيار بلادهم لبيع نياشينه التي نالها لشجاعته وتضحياته من أجل لقمة العيش. ولا نتفق مع الكاتب في أن الأحداث والشخصيات في كثير من القصص من صنع الخيال وأي تشابه بينها وبين الواقع محض مصادفة، بل هي أشبه ما تكون بـ”الديكودراما” ـ التوثيقــي الـدرامي ـ فالمجموعة تمتاز بواقعيتها وأحداثها الملموسـة، فمن يتجول في صفحاتها يقــفز إلى ذهنــه مباشــرة قصة نجاح أو فشل عاطفي أو تعليمي في روسيا، حيث تلقى الكاتب تعليمه. موت الحلم الكاتب فايز رشيد بأسلوبه الشائق وسرده الجميل بلغة بسيطة يجذبك ويجبرك على المتابعة حتى آخر سطر، فمن لا يعرف في قصة “جحود” مكانة الطبيب في مجتمع قروي: “الكل يحترمه ويقدره.. ويسعى معظم الأغنياء لدعوته لبيوتهم ويرون في تلبيته دعواتهم شرفا كبيرا لهم”، وانبهار طلبة المدارس به والتخطيط لاستنساخ شخصيته ليحظوا بالتقدير والاحترام والمكانة الاجتماعية. في هذه القصة بالذات يطرح الكاتب قضية اجتماعية لطلبة يدرسون في أوروبا، وهي تكاد تكون معروفة وملموسة، فهناك فئتان من الطلبة: فئة تنبهر بالمجتمعات الجديدة وتسير وراء ملذاتها وشهواتها وتضيع وتنسى الهدف النبيل الذي جاءت من أجله ويكون الفشل مصيرها “موت الحلم”، وأخرى تحافظ وتلتزم بهدفها وهو الدراسة والعودة إلى الوطن. كما يتناول المؤلف بعمق ومسؤولية قضية الطلبة الذين يتزوجون من أجنبيات بعد قصة حب ساخنة، فالعرب كما هو معروف يميلون للمرأة الشقراء والعيون الخضر، وأن الحب عندما يقع يمحو الأفكار النمطية ويترك المواقف المسبقة في مزبلة الذكريات، وما حصل مع بطله “سالم” دليل ملموس على مصداقية هذه المقولة فهذا الذي كان يدرس الطب في إيطاليا، ولم يلتفت لأية فتاة حاولت رمي شباكها حوله “أي علاقة مع فتاة طريق للهلاك”، وجل اهتمامه كان ينصب على دراسته وتفوقه على أقرانه من العرب والأجانب لكن عندما جالسته “سيلفيا” التي تدرس هندسة الديكور في مقهى وجد نفسه ينساق إليها ويعيش تناقضا بين أفكار أقرب إلى الأوهام انزرعت في رأسه ولا يعرف مصدرها، وبين ضرورات حياة تتمثل في كائنات بشرية جميلة تجعل للحياة طعما شهيا ولذيذا. لماذا انهار؟ “سالم” كما جاء في القصة كان يعيش صراعا بين رائحة الفاكهة وشكلها الجميل الذي يمتلئ إغراء، وبين تحريم أكلها الذي فرضه على نفسه “ترى لماذا انهار بطل القصة أمام الأنوثة وذابت مواقفه المسبقة في أول مواجهة حقيقية مع الجمال ولم يستطع لجم عواطفه.. أم أنه عندما يطرق الحب بابك تسلمه دفة المجداف ولا تستطيع إغلاق الباب”!. الحكاية الثانية التي تقتحمها القصة بالذات تدور حول تكيّف الأجنبية مع عاداتنا وتقاليدنا ونمط عيشنا والقلق الذي يسيطر على الأزواج والأهل من عودتها لوطنها بصحبة الأبناء، وهذا ما حصل مع “سالم” الذي تناغمت معه عندما كان سليما معافى، لكنها لم تحتمل أصابته بجلطة دماغية تركت بصمتها عليه شللا نصفيا وفضلت العودة مع الأبناء ونسيت ما كان.. هذا الهاجس الذي يعيشه المتزوجون من أجنبيات يعيد لذاكرتنا مقولة “من طين بلادك حط على خدادك”. ويستشــف من بــين الســطور أن الكاتب يرفع البطاقة الصفراء في وجوه الطلبة الذين انساقوا وراء ملذاتهم وعادوا بخفي حنين من عواصم الغربة أو الذين انجرفوا وراء عواطفهـم وأحبوا أجنبيات وتزوجوا وأنجبوا. السؤال هو ألم نلمس قصصا مشابهة فهل يمكن قبول أنها من نسج الخيال بسهولة! فالأحداث واقعية تماما مرت على الكاتب وعلينا، ولا تقبل أي تأويل لكن ربما أسماء شخصياته هي فقط من صنع الخيال للتمويه والإثارة وعدم كشف المستور. خفايا المهنة فعالم الكاتب مرئي وملموس ولغته من السهل الممتنع وأسلوبه السردي يثير الإعجاب ويثبت أنه يمتلك خاصية قصصية بين نظرائه من خلال اختياره لمضمون نتاجه الأدبي وطريقة عرضه وصراع شخصياته وفق رؤاها لكنه لا يتركها تسرح في فضاءات مفتوحة بل يوجه بوصلتها نحو خدمة القضية التي يريد لفت الأنظار إليها. ويكشف الكاتب وهو طبيب اختصاصي في العلاج الطبيعي حكايا متداولة في قصته “حكاية طبيب” منها أن بعض الأطباء ما زالوا ملتزمين بقسم “أبقراط” في تعاملهم مع مرضاهم والمبادئ التي تعلموها وآخرين تركوه وراء ظهورهم فور تسلم شهاداتهم. وتحدث وهو العالم بخفايا المهنة عن صراع الأطباء للاستحواذ على المرضى والسمسرة الطبية وقصص طبية موضع استهجان اجتماعي وأخلاقي كحجز المرضى في المستشفيات لعدم قدرتهم على دفع فاتورة العلاج وهذه قضية معروفة بالأردن على وجه الخصوص!. روسيا.. الآن وفـي قصته “ســـوء تقديــر” يورد فايـــز رشـــيد صورة عن الاتحاد السـوفييتي سـابقا الذي درس الطب في واحدة من جامعـاتــه حال المـرأة الروسـية بعد التغييرات الدراماتيكــية هــناك، فيقول بعد حوار بطله دون اسـم مـع ثـلاث فـــتـيات روسيات داخل صالة الديسكو: “لم أسمع عن ملايين المتشردين والجائعـين والمومســات اللواتي تصدرهن روسيا لكل أنحاء العالم.. ولا عن المافيات المنتشرة في كل بقعة من وطنكم.. ولا عن الأباطرة الماليين الذين تشكلوا حديثا واستولوا على ثروة البلد.. إن دولتكم كانت إحدى أقوى دولتين في العالم”. وتجيب نتاليا: “مساوئ ما قلته لا يعادل جزءا بسيطا من سلبية كبت حرية الناس.. جئنا لنحتفل بمناسبة خاصة ولا نريد تحويلها لنقاش سياسي.. ما رأيك في أن تقوم للرقص، لكنه يصدم عندما يكتشف أن الطالبات الخريجات الثلاث يمارسن الجنس مقابل المال. ويطرح الكاتب برؤية ثاقبة ومنفتحة ونهج يخاطب وجداننا وعقولنا قضايا اجتماعية تدور حول النفاق في المهن المختلفةا ومنها الصحافة بطبيعة الحال والمضايقات التي يصادفها المخلصون لقضايا شعوبهم وأمتهم، كما يمزج في رؤاه بين الفن والحياة ويرى أن الفن في خدمة الحياة وليس الفن للفن ليخرج علينا بمصطلح ربما يكون جديدا “الفن الحياتي”. ومن الجدير ذكره أن “ذهبت مع الخريف” هي المجموعة الثالثة لفايز رشــيد بعد “وداعا ايها الليلك” و”في طريق الوطـن” وسبق لها وأصدر روايتين هما “وما زالت سعاد تنتظر” و”الرحلة البيلوروســية في عهدين” التي صنفت بأدب الرحلات.
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©