السبت 21 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
أدب الجريمة
أدب الجريمة
21 أغسطس 2013 19:59
تابعت، وعلى مدار الثلث الأول من أغسطس الجاري سلسلة من الإصدارات الجديدة، بعضها لكتب تستند إلى ملفات لوثائق رفعت عنها السرية بطلبات من باحثين ومؤرخين، وبعضها بأقلام قدامى زعماء الإجرام في بريطانيا. وشاهدت على الشاشة الفضية للقنوات التليفزيونية البريطانية عدداً من الأعمال الدرامية والأفلام الوثائقية والبرامج التسجيلية، المنتجة إحياء لذكرى مرور 50 عاماً على أشهر السرقات العالمية، سرقة قطار البريد الملكي في بريطانيا. وقد تابعت ما تابعت، وشاهدت ما شاهدت، ولسان الحال يقول: هذه أمة تعشق التاريخ بحلوه ومره. تجيد التأريخ وتعرف أهمية “التوثيق”. لا تغلق الأبواب في وجه من دفعته النفس، الأمارة بالسوء، إلى عالم الجريمة فأخطأ وعوقب، وتمنحه فرصة أن يروي تجربة الحياة التي عاشها، إثراء لـ “أدب الاعترافات”، ومكتبة السير الذاتية والأعمال الفنية الدرامية والوثائقية. في السادسة وخمس دقائق، مساء الخميس السابع من أغسطس، عام 1963، غادر قطار البريد الملكي محطة غلاسغو المركزية، أكبر مدن اسكتلندا، في بداية رحلة طولها 414 ميلاً تنتهي في محطة يوستن، بوسط لندن. كانت ليلة دافئة مقمرة ولم يدر بخلد أحد من موظفي البريد (72 موظفاً) الذين راحوا يمارسون عملهم داخل عربات هذا القطار القطار الخاص أنها ستكون ليلة لا تنسى. ففي الثالثة فجراً، وبعد تسع ساعات من السفر والتوقف في نقاط بعينها لإنزال حمولات بريد وتحميل أخرى، اقترب القطار من جسر “ليدبيرن”، قرب بلدة “منتيمور”، بمقاطعة “بكنغهامشاير”، على بعد 30 ميلاً من العاصمة البريطانية، لكن سائقه “جاك ميلز”، فوجئ، وعلى غير المعتاد، بضوء أحمر منبعث من إشارة المرور عند الجسر، فأوقف القطار. لحظات وبدأت الواقعة: ملثمون مسلحون بالعصي والقضبان الحديدية، مختلفة الأشكال والأطوال، يسيطرون على القاطرة. مجموعة من أفراد العصابة تتعامل بعنف ووحشية مع السائق، ومجموعة أخرى تقتحم أول عربات القطار، الواقعة خلف القاطرة مباشرة، والمخصصة للطرود عالية القيمة. شكلت مجموعة ثالثة للعصابة سلسلة من أفرادها، بدأت من عند باب عربة القطار، وانتهت أسفل تلة الجسر، حيث كانت سيارة نقل من مخلفات الجيش في الانتظار، إضافة إلى سيارتين من طراز “لاندروفر”. وخلال نصف ساعة قامت العصابة بنقل 120 طرداً (طنان ونصف الطن) من الأوراق النقدية، المستعملة، والتي قدرت وقتها بمليونين ونصف المليون من الجنيهات الإسترلينية. قبل مضي نصف قرن شاءت الأقدار أن توفر وفاة بروس رينولدز، العقل المدبر لجريمة سرقة قطار البريد الملكي، الفرصة للإعلام المكتوب والمرئي، في بريطانيا، لكي يمهد للذكرى منذ بدايات عام اليوبيل الذهبي. توفيَ “رينولدز”، نهاية فبراير الماضي، وفي اليوم التالي حفلت الصحف، خاصة الشعبية، بالكثير عنه باعتباره “المجرم المحترف” ورب عائلة اشتهر بين أقرانه باسم “نابليون”، وتخصص في سرقة المجوهرات والمنازل. كان يقود سيارة “أوستن مارتن”، ويشتري أحذيته وملابسه من أرقى المحال في شارع “جيرمن”، وكون عصابة من 17 رجلاً لسرقة القطار. وقد ألهمت شخصيته وأسلوب حياته وأناقته الممثل العالمي البريطاني الأصل، مايكل كين، عندما تقمص شخصية الجاسوس “بالمر” في فيلم “ملف إيبركس” عام 1965. في عام 1995 نشر مذكراته، وفيها اعترف بأن جريمة القطار هي اللعنة التي طاردته و”جعلته عند الكبر محتالاً مفلساً، يعيش على ما يجود به عليه البعض من المحتالين”. كانت وفاة العقل المدبر لسرقة القطار الكبرى فرصة أيضاً للتمهيد والتذكير بأعضاء عصابته التي شاغلت الدنيا البريطانية وشغلتها قبل نصف قرن من الزمان، فعادت إلى الأذهان أسماء وصور عتاة المجرمين المدانين في القضية، ومن أهمهم: “روني بيجز”، الذي نال شهرة أوسع من تلك التي نالها العقل المدبر “باستر إدوارد” وقد تحولت حياته إلى فيلم باسمه الأول أدى شخصيته فيه المطرب والممثل “فيل كولينز”. “تومي ويسبي” أحد أكثر أفراد العصابة إجراماً واستُخدِم لإرهاب طاقم البريد والقطار. “جيمي هاسي” الملقب بـ”جيم الضخم”، توفي العام الماضي، وكتب، وهو على فراش الموت، رسالة يعترف فيها بأنه هو الذي ضرب سائق القطار على رأسه. وتشير الوثائق إلى شخصية رئيسية غامضة لم يستدل عليها بعد. كتب وأفلام وثائقية قدمت تلك الشخصية، الغامضة، معلومات و”مساعدة من الداخل”، وكانت المحور الرئيسي في الفيلم الوثائقي الذي عرضته القناة الرابعة للتليفزيون البريطاني CH4، خلال الأسبوع الأول من شهر أغسطس الجاري. يستند هذا الفيلم إلى ملفات سرية كانت أُغلقت وحُفظت ضمن ملفات الأرشيف الوطني البريطاني، وقد اطلع عليها بطلب خاص، الباحث والمؤلف “أندرو كوك” مقدم الفيلم الذي عرض بعنوان “سرقة القطار الكبرى: التاريخ السري”. لم يكشف الفيلم عن حقيقة الشخصية الغامضة لكنه عرض، ومن خلال ملفات التحقيق، سلسلة من الأدلة التي تبرهن على أن هناك، من داخل “هيئة” البريد من قدم معلومات لم تكن السرقة لتتم بدونها. ومن بين الأدلة ما يفيد بوجود اتصال هاتفي تم ما بين طرف مجهول و”بروس رينولدز” العقل المدبر للسرقة، كانت المحفز على القيام بها في ذلك اليوم من عام 1963. تطلق الملفات على هذه الشخصية الغامضة اسم “أليسترمان” Ulsterman. “ألستر” تشير إلى الإقليم الذي يضم مناطق أيرلندا الشمالية، في حين تعد “ألسترمان” كناية عن الرجل الشرس الشديد البأس، وتشير في استخدامات أخرى إلى المعطف الثقيل الفضفاض الذي يقي من البرد. وربما يكون القصد من إطلاق هذا اللقب على الشخصية الغامضة هو القول بأنها شخصية من الوزن الثقيل، والدليل أن أحداً من رجال العصابة، أو أقاربهم، لم يشر إليها، ولم تتمكن الشرطة من التعرف إليها. ويأتي الفيلم الوثائقي الجديد للتحفيز على البحث عنها وتقديمها إلى العدالة مع ثلاثة آخرين ليسوا من الوزن نفسه، لكنهم طلقاء وغير معروفين منذ وقعت الجريمة وحتى اليوم. ملفات التحقيقات السرية لهذا الفيلم، سبق وقدمها “أندرو كوك” أيضاً في كتاب صدر منتصف يناير هذا العام عن دار نشر “هيستوري برس” History Press في لندن، وروج له الأرشيف الوطني البريطاني عبر موقعه الإلكتروني، هذا الشهر، مع كتاب وثائقي مماثل بعنوان “سرقة القطار الكبرى: تاريخ جديد” كتبه “جيم موريس”، وصدر في يوليو الماضي، وفيه يوثق كاتبه كيف صنع القطار وأفراد العصابة، ورجال البريد والسكك الحديدية “مانشيتات” الصحف. وكيف تحولت السرقة إلى واحدة من أكبر الجرائم الأسطورية، في بريطانيا، وأكثرها جرأة وتهوراً، بما فيها من مأساة وعنف، وكانت، شئنا أم أبينا، من أكثر القصص جاذبية بالنسبة لدور النشر وصناعة الأفلام الوثائقية والروائية”. دراما وجناة نجوم في 18 يوليو الماضي، وإضافة إلى مذكراته التي نشرها عام 1995، تعاون “بروس رينولدز” مع زميله في السرقة والعصابة “روني بيجز”، إضافة إلى نجل الأول “نيك” وصديق الثاني، المؤلف “كريستوفر بيكارد”، في تأليف وإصدار كتاب جديد بعنوان: “50 عاماً على سرقة القطار الكبرى: 1963 ـ 2013”. ويبدو أن المؤلف “بيكارد” سجل يوميات “رينولدز وبيجز”، واستعان في ذلك بالابن، وحولها إلى رواية للأحداث قبل وبعد السرقة، إضافة إلى خلفيات عن الشخصيات الرئيسة وأسلوب حياتها ولقاءاتها وأحاديثها واعترافاتها الكاملة. يبدو أيضاً أن “رونالد، أو روني بيجز” وزميله “بروس رينولدز” كانا في حالة سباق في مضمار النشر والتأليف. فقد نشر الأخير مذكراته في عام 1995، بعد أن كان الأول قد نشر قصة حياته في عام 1994 في كتاب بعنوان: “رونالد بيجز: خروج الرجل الغريب” نشرته دار “بلومسبري” في لندن. وفي فبراير عام 2011 أصدر “بروس رينولدز” طبعة جديدة لقصة حياته التي وزعت على نطاق واسع، وأعتبرها النقاد من أدب الجرائم، وهي بعنوان “الرجل وراء سرقة القطار الكبرى: قصة حياة لص”، وفيها أضاف مقدمة جديدة وفصلا آخر، مقدماً ما استجد من أحداث مثل عودة “روني بيجز” إلى المملكة المتحدة ووفاة “باستر إدوارد” وآخرين، واستكمال قصة حياته لفترة ما بعد إطلاق سراحه، إضافة إلى عشرات الصور التي لم ينشرها في الطبعة الأولى. ومن ناحيته، عاد “رونالد بيجز”، في أكتوبر 2011، وأصدر طبعة جديدة من كتابه، وأيضاً بمساعدة صديقه الكاتب المؤلف “بيكارد”، عن دار نشر “إم ـ برس”. كان للطبعة الجديدة مقدمة و6 فصول جديدة، يروي فيها هروبه من السجن لمدة 36 عاما، ومطاردات الشرطة والإعلام له في أستراليا والبرازيل، ومحاولات إلقاء القبض عليه، ومحاولات اختطافه، وحياته مع زوجته الأولى “شارميان”، ثم عودته إلى بريطانيا وسجنه، وتفاصيل الإفراج عنه لأسباب صحية، وصراعه مع المرض، و”الجلطات” التي داهمته وشلت لسانه وتركته غير قادر على النطق بسهولة. وتوجد في الأسواق الآن “مجموعة” باسمه تتضمن أصداراته، و”ألبومات” صور، مجلدة تجليداً فاخراً، وفي صندوق أنيق، يغري بشرائها وتقديمها هدية في الأعياد والمناسبات. كما كانت محاولة اختطافه موضوعاً لفيلم وثائقي، أنتجته وبثته القناة الرابعة البريطانية في فبراير عام 1981. وفي نهاية العام الماضي كانت “شارميان”، زوجته الأولى، المحور الرئيسي لدراما تليفزيونية من 5 أجزاء، أنتجها تليفزيون “itv” البريطاني. وقد شاركت “شاريمان” في كتابة هذا الفيلم بعنوان “مسز بيجز”، ويتناول حياة فتاة مراهقة من الطبقة الوسطى، كانت تتطلع إلى الالتحاق بالجامعة، عندما إلتقت برجل أحبها، فتحولت إلى زوجة لأحد أشهر الهاربين المطلوبين للعدالة. أثار المسلسل الكثير من الجدل، عندما أعلنت عائلة “جاك ميلز”، سائق القطار الذي عومل بوحشية، عن خيبة أملها إزاء العمل “الذي يجدد أحزان الماضي بهدف التسلية والترفيه”. شرطي ومجرم ومؤرخ لا يتسع المجال للحديث عن أفلام روائية أبدعها خيال كتاب خلال السنوات التالية لوقوع السرقة، ولا عن المزيد من الأعمال الوثائقية، من أفلام وثائقية وكتب، عرضت وصدرت، قبل أو مع مرور 50 عاماً على سرقة القطار الكبرى. لكن “اليوبيل” الذهبي لجريمة القرن العشرين في بريطانيا، تميز بتكريم عدد من ضباط الشرطة والمحققين الذين تمكنوا خلال وقت قصير (7 أيام) من معرفة الجناة، ثم إلقاء القبض على 15 فرداً منهم، وتقديمهم إلى محاكمة، انتهت في يناير عام 1964 بالحكم على 12 شخصاً بأحكام سجن، تراوحت ما بين 30 و24 عاماً، بإجمالي 307 أعوام. وفي كل عمل وثائقي ـ تسجيلي تابعته كان للمكرمين حضورهم البارز، الذي تساوى مع حضور عدد من المؤرخين للجريمة وعلم الإجرام. كان من اللافت أن تسمع أحد هؤلاء الضباط، وقد تقاعد حالياً، وهو يشير إلى حجم الأموال التي نهبت وأثارت انتباه الرأي العام، ويقول إن المعلومات التي وصلتهم عبر أفراد، وساعدت في إلقاء القبض على الجناة، لم يكن بدافع الطمع في نيل مكافآت أعلنت عنها الشرطة، بقدر ما كانت حسداً وغيرة من الذين أدلوا بها، من المقربين من دوائر الإجرام “لأنهم لم يشاركوا في الغنيمة”. يقول الضابط أيضاً أن راتبه في ذلك الوقت لم يكن يتجاوز الـ 10 جنيهات في الأسبوع (520 جنيهاً في العام). يظهر أمامك على الشاشة أحد أفراد العصابة، وقد هرم وشاخ لكنه لا يزال يذكر أن والده كان يعمل كثيراً ولا يكسب إلا القليل و”كان يريدني أن أتعلم مهنة السباكة لكنني كنت أريد أن أصبح لصاً”. يلتقط المؤرخ “دومنيك ساند بروك” الخيط، مسلطاً الأضواء على بدايات الستينات، ووجود جيل من الطبقة الفقيرة غير المتعلمة، لم يمر بتجربة الحرب والتضامن الوطني، ولم يكن لديه الوازع أو الولاء، مشيراً إلى أن مثل هذا الجيل عاصر بعض فضائح سياسية وتحولات اقتصادية ومجتمعية، ونشأ في رحاب سيادة ثقافة الغرب (الأميركي) والقيم المادية التي استهدفت الشباب بثورة في الإعلانات وبهرجة حياة استهلاكية وظهور عالم براق يوهمك بأنك على وشك الإمساك به كي “تخرج إلى الشارع كي تقتنص ما تريده اقتناصاً”، وتتوهم أنك روبين هود، وتكتشف، كما في سرقة القطار، أنك أمام عصابة لنهب الأموال من أجل “إنفاقها على مسراتك أنت، وليس على الآخرين كما كان روبين يفعل”.
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©