سأظل مختلفاً مع المتنبي حتى يعتذر أو يعتذر من يحبونه. سأظل مختلفاً مع مدحه لسيف الدولة الحمداني بقوله: وتعظم في عين الصغير صغارها.. وتصغر في عين العظيم العظائم، فهذا لعمري ذم وليس مدحاً.. وليس عظيماً أبداً من يستصغر العظائم أو حتى الصغائر، بل العظيم من يهول الصغائر. ليس عظيماً أبداً من يُهون ويستهين ويستصغر، بل العظيم من يهول ويستعظم. لقد أراد المتنبي مدحاً، فإذا به يذم.. ولو كان سيف الدولة فطناً لأدرك أن المتنبي يذمه وهو يريد أن يمدحه، لكن الرجل لم يكن مثل خلفاء بني أمية وبني العباس في الفطنة والبلاغة والفصاحة. فقد روي أن جريراً أراد أن يتفاخر بالخليفة الأموي عبد الملك بن مروان ضد الفرزدق فقال: هذا ابن عَمّي في دِمَشْقَ خَلِيفَةً... لو شئتُ ساقكمُو إليَّ قطينا والقطين.. القطيع وأراد بابن عمه الخليفة عبدالملك بن مروان، فلما بلغ عبدالملك قوله ضحك وقال: ما زاد ابن المراغة «أي جرير» على أن جعلني شرطياً عنده. لو قال: لو شاء لسُقتهم إليه. فتأمل فطنة عبدالملك. وغفلة سيف الدولة، بل وغفلتنا نحن العرب عن أن التهوين والاستصغار والاستبعاد واتباع رد الفعل شر مستطير. وكم من دول عربية سقطت وتهاوت بسبب الاستصغار والتهوين واستبعاد الخطر، خصوصاً أيام الخريف العربي الأسود. فقد كنا نسمع عبارة واحدة بعد أن ضرب الخريف تونس. سمعنا مصر تقول: مصر ليست تونس، وسمعنا ليبيا تقول: ليبيا ليست مصر ولا تونس، وكذلك قالت سوريا، وقال اليمن حتى أسقط الخريف كل الأشجار وترك بلاداً عربية خراباً يباباً ينعق فيها البوم والغربان إلى الآن وإلى سنوات أخرى قادمة. استصغر العرب الشرر فاندلعت الحرائق لتأتي على الأخضر واليابس، وهونوا من الأمور والمشاكل والأزمات حتى تفاقمت واستعصت على الحل والاحتواء.. واستهنا بتمخض الجبل عن فأر حتى تمخض عن وحوش ضارية وثعابين وعقارب عاثت في الأرض فساداً. ولدغنا من الجحر الواحد ألف مرة بسبب التهوين والاستصغار والاستبعاد، وبسبب عبارة سخيفة كنت وما زلت أسمعها عندما يضرب الإرهاب دولة أو ينخرها الفساد: وهي عبارة.. نحن في العموم أفضل من غيرنا. وأنا أوافق على أن ينظر الفرد إلى من دونه ويقول: أنا أفضل من غيري حتى يرضى، لكني أراها نقيصة ورذيلة أن تنظر أي دولة إلى ما دونها وتقول: نحن في بلادنا أفضل من بلاد أخرى، فالدولة على عكس الفرد.. لا بد أن تنظر إلى من فوقها لتصعد.. لا أن تنظر إلى من دونها لتبقى راكدة كاسدة راقدة فاقدة الحركة.. وتظل تهوي إلى أن تستقر في القاع... وقد قيل وربما يكون حديثاً شريفاً لست أدري: من استوى يوماه فهو مغبون ومن كان آخر يوميه شرهما فهو ملعون، ومن لم ير الزيادة في نفسه فهو إلى نقصان، ومن كان إلى نقصان فالموت أولى به من الحياة. إذا كان يومي مثل أمسي، فأنا مغبون وإذا كان يومي أشر من أمسي فأنا من الملعونين.. والذي يستوي يوماه لا بد أن ينقص.. وكلما تساوت أيامه ازداد نقصه.. وهكذا الدول إذا هونت واستهانت واستصغرت تراجعت حتى الهاوية.. وانظر إلى الإرهاب وجماعاته وخصوصاً جماعة الإخوان أم الإرهاب في العالم.. انظر كيف استهان العرب بها وهونوا من شأنها وظنوا أنهم يستطيعون احتواءها، ثم ربطوها بالإسلام واستخدموها في الدعاية لأولي الأمر أو لضرب التيارات الشيوعية واليسارية والقومية، فإذا بهذه الجماعات تأكل من سمّنها ورباها واستخدمها.. فلا هو ضرب الشيوعيين ولا استطاع احتواء جماعات الإرهاب التي أكلته.. وإذا بالشيوعيين واليساريين والقوميين يتحولون فجأة إلى إسلاميين غلاة بعد أن جفت منابع تمويل الشيوعيين، وصارت الملاءة المالية في قبضة الإسلاميين. وأذكر أن الرئيس المصري الراحل أنور السادات لعب هذه اللعبة عندما أخرج «الإخوان» ومن والاهم من السجون ليضرب بهم اليساريين والشيوعيين، فكان ما كان حين اغتالوه.. وقبل موته أظهر الندم علناً وقال: «أنا غلطان أني خرجتهم من السجون». وسحب الإرهابيون كل البُسط من تحت أقدام الجميع فاحتلوا الشارع العربي وأدمغة البلهاء والأغبياء وما أكثرهم، وكنا جميعاً في فترة من الفترات نتبرع بسخاء لبناء مساجد. وكان طالبو التبرع يملؤون الشوارع والطرقات، وتبرعنا لنصرة البوسنة ونصرة أفغانستان ونصرة بلاد تركب الأفيال، وفوجئنا بأننا نتبرع للإرهاب ولمن يقتلنا ويحرقنا، وكانت هناك عبارة يرددها الناس نقلاً عن الإخوان: (في نهاية المطاف ومهما اختلفنا مع الإخوان، فإننا ذاهبون إلى الإسلام، وهذا أفضل من الشيوعيين والليبراليين والملحدين)، فإذا بالإخوان يحتوون الجميع: اليسار واليمين والشيوعيين، وإذا بهم يحتوون الشعوب بمقولات حق يراد بها باطل. التهوين آفة العرب، والتقدم تهويل والتخلف تهوين، وكل الدول المتقدمة والمتحضرة ما حققت تقدمها إلا بعدم استصغار شيء أو التهوين من أمر ما، بل والتهويل والمبالغة، وكل الدول التي تخلفت لم يكن هناك سبب لتخلفها إلا التهوين والاستصغار واستبعاد الخطر. وكله تمام يا أفندم.. والأمور تحت السيطرة.. وهؤلاء فقاعات لا قيمة لها ولا تأثير، أو كما كان يُقال «شوية عيال»، بالإضافة إلى التعبير السخيف: هؤلاء قلة مارقة وقلة عميلة.. وقلة مأجورة.. لكن القاعدة الشعبية العريضة بخير، وفي منتهى الوعي. رغم أن القرآن الكريم لم يذم إلا الكثرة ولم يمدح إلا القلة، وقليل من عبادي الشكور.. إلا ما رحم ربي وقليل ما هم.. لكن أكثر الناس لا يعلمون.. وأكثرهم لا يعقلون، وأكثرهم لا يفقهون. وعندما هوّنا واستصغرنا خرجت الكوارث عن السيطرة، ومع ذلك ما زال العرب يمارسون التهوين والاستصغار، واستبعاد الخطر، ويتمثلون ببيت المتنبي: وتعظم في عين الصغير صغارها.. وتصغر في عين العظيم العظائم.. فيا ليتنا نحسن التأويل ولا نسيئه في التهوين والتهويل! *كاتب صحفي