صحيفة الاتحاد

عربي ودولي

ماذا بعد 4 سنوات على غزوة «حزب الشيطان»؟

الاتحاد (بيروت)

فاقم التوغل السافر لـ «حزب الله» من الشقاق الطائفي المتزايد في المنطقة. وفي غضون أعوام قليلة من إرساله عناصره خارج لبنان، انهارت مكانته، وبات يُعرف باسم «حزب الشيطان».. هكذا لخصت مجلة «ذا نيويوركر» الأميركية ما آل إليه وضع هذا الحزب اللبناني الموالي لإيران بعد نحو أكثر من ثلاث سنوات على تدخله السافر لإنقاذ نظام بشار الأسد من الانهيار، وتدريب الحوثيين في اليمن والانضمام للمعارك في العراق.
وفي تقرير إخباري بقلم الكاتبة روبِن رايت عن زيارة قامت بها إلى بيروت لإجراء مقابلة مع الرجل الثاني في الحزب نعيم قاسم، وصفت «ذا نيويوركر» تدخل الحزب في حروب بالوكالة، بأنه «قرار تكتيكي» مثّل مقامرة ذات تكاليف مرتفعة من جانب هذا الحزب، الذي أشارت إلى أنه لا يزال أداة في يد إيران بعد أكثر من ثلاثة عقود على تأسيسه لا سيما وأنه ما زال معتمداً بشكل كبير على سخاء طهران من الوجهة المالية.
وشددت الكاتبة المتخصصة في الشؤون الخارجية على أنه يبدو في حكم المؤكد أن الأسد لم يكن ليتسنى له البقاء في السلطة لولا وجود مسلحي «حزب الله» على الأرض بجانب الدعم الجوي الروسي والمساعدات العسكرية التي يحصل عليها من الحرس الثوري الإيراني». ولكن لهذا التدخل تكاليفه الباهظة، التي استعرضت رايت بعضها، عندما زارت جانباً من المقابر التي يدفن فيها الحزب المتورط بشدة في الحرب من يسقطون قتلى في صفوفه.
ووصفت الكاتبة عدد قتلى حزب الله خارج لبنان بـ «المذهل» قياساً بعدد من زج بهم في الصراع الدائر في عدد من الدول، وأشارت إلى أن تفاقم خسائر حزب الله، خاصة منذ بدء المعركة في حلب الصيف الماضي، دفعه لبذل جهد أكبر في ما يتعلق بتجنيد عناصر جديدة لتعويض النقص في صفوفه. وألقت الضوء على ما يتردد في بيروت من أن ذلك أدى لتقليص المعايير الخاصة بالتجنيد وتقليل فترة التدريب، بل وجعل ما يعرف بالتلقين الديني أقل صرامة. غير أن «ذا نيويوركر» أشارت إلى أن هذه الخسائر لم تمنع الحزب من التدخل في عدد آخر من الصراعات الدائرة في المنطقة، خاصة من خلال «دعم الشيعة في العراق» و«المتمردين الحوثيين في اليمن».
أما مجلة «فورين بوليسي» الأميركية، والتي وصفت الحزب بأنه «الوكيل الأهم لمصالح إيران»، فقد رأت أن استمرار تكبده خسائر باهظة في الحروب التي يخوضها في الشرق الأوسط، يجعله عرضة للمخاطر المترتبة على إقدامه على تجاوز حدوده. وقالت نقلاً عن مسؤولين في الولايات المتحدة والشرق الأوسط: إن الحزب يجازف بمواصلة الاضطلاع بأدوار أكبر من طاقاته وهو ما يعرضه لخسارة الصورة التي عمل بدأب على رسمها لنفسه باعتباره قوة لا تقهر. وأشارت إلى أن مسلحي الحزب يضطلعون حاليا بدور «رأس الحربة» في القتال ضد مقاتلي المعارضة السورية، بينما لا يلعب «الجيش السوري المترنح سوى دور مساعد». وحذرت المجلة من أن خسائر الحزب في سوريا باتت على وشك أن تقارب ما تكبده من قتلى جراء معاركه مع إسرائيل في جنوب لبنان خلال الفترة ما بين عامي 1985 و2000، مشيرة إلى أن مشهد تشييع جنازات قتلى الحزب في سوريا، والذي بات شائعا في لبنان، يبرز الثمن المتزايد لحملة لا نهاية لها لدعم نظام الأسد.
حديث الخسائر، خاصة تلك التي تتعلق بمقتل قياديين بارزين في الحزب مثل مصطفى بدر الدين - خلال الصراع السوري، شكّل بنظر صحيفة «واشنطن بوست» ضربة لا يستهان بها للحزب، تبرز عمق تورطه في الحرب الدائرة في بلد يوفر طرق دعم وإمداد حيوية بالنسبة له. غير أن تزايد عدد القتلى لا يمر مرور الكرام بطبيعة الحال، فصحيفة «الإندبندنت» البريطانية أشارت إلى وجود حالة استياء ونفور بين بعض عائلات التنظيم الإرهابي جراء ذلك، كما أثارت تساؤلات في صفوف مسلحي الحزب بشأن هذه الخسائر المستمرة.
وبعيدا عما تعلنه قيادات «حزب الله» الإرهابية لحمامات الدم خارج لبنان، بأنها تتمحور حول مواجهة من يصفونهم بـ «التكفيريين» ودعم ما يسمونه «محور الممانعة»، أبرزت دراسة نشرها معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى الصيف الماضي تحت عنوان «تحولات حزب الله جراء تدخله في سوريا» الأسباب الرئيسة لتورط الحزب بشدة في الحرب. وأشار معد الدراسة ناداف بولاك إلى أن سوريا تشكل شريان حياة لوجيستياً بالنسبة للحزب، لافتاً إلى أن الحزب كان يتسلم الأسلحة والمعدات الإيرانية عبر البر والجو السوريين لسنوات، وذلك في عمليات كان يتولى الإعداد لها فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني بقيادة قاسم سليماني.
وبجانب ذلك شكّل التوجه للتدريب في إيران كما تقول الدراسة جزءا أساسيا من برنامج التدريب السنوي لمسلحي حزب الله، وهو ما يجعل الحرب التي يخوضها الحزب في سوريا معركة وجودية للحفاظ على وضعه السياسي والعسكري. وأوردت الدراسة تقديرات لعدد مسلحي «حزب الله» سواء في داخل لبنان أو خارجه، قائلة إن عدد عناصره في الأراضي اللبنانية يتراوح ما بين 30 إلى 33 ألفاً، بينما ينشر 5 إلى 8 آلاف آخرين في سوريا. وبحسب معد الدراسة، قُتل للحزب في حربه دفاعا عن الأسد أكثر من 1600 مسلح وجرح ما يزيد على 5 آلاف آخرين.
وعلى الرغم من الدور الكبير الذي يلعبه حزب الله للحيلولة دون انهيار النظام الحاكم في دمشق، فإن تزايد نفوذه هناك يبدو أنه يثير حفيظة بعض الأوساط في نظام الأسد، كما تقول صحيفة «نيويورك تايمز»، التي أشارت إلى أن هناك حالة تذمر بين بعض الضباط والمسؤولين في نظام الأسد إزاء مساس إيران وحزب الله بسيادة سوريا. فمسلحو الحزب يحصدون أموالاً تزيد عن تلك التي يحصل عليها السوريون، ويحصلون على تسهيلات في المرور من نقاط التفتيش بمجرد إظهارهم لشارات انتمائهم للحزب. ولكن أهداف حزب الله وداعميه الإيرانيين في سوريا تتجاوز على ما يبدو مجرد الحفاظ على هذا البلد قاعدة لوجيستية أو ممراً للأسلحة والمعدات. فعلى سبيل المثال، بدا استعادة قوات الأسد السيطرة على حلب مؤخراً، كما تقول صحيفة «الجارديان» البريطانية، تطوراً مهماً لخدمة مشروع إيراني يستهدف مد طريق بري واصل من إيران إلى ساحل البحر المتوسط، وهو المشروع الذي تشكل حلب بالنسبة له «ملتقى طرق». كما اعتبرت الصحيفة أن المدينة السورية ستمثل على الأرجح مركزاً جديداً لـ«تصور طهران الجيوسياسي» المستقبلي للمنطقة.

«حزب الله» يؤمن جسر عبور لـ «داعش» !
وسط صراع منذ أعوام بين «حزب الله» الإرهابي ونظيره تنظيم «داعش» الإرهابي. وقع الحزب في 2017 صفقة مع عدوه المزعوم أخرجت نحو 600 إرهابي من التنظيم بالحافلات من جرود عرسال على الحدود اللبنانية تحت حمايته المباشرة التي شملت اتفاقاً مشبوهاً على حساب الجيش اللبناني.
«حزب الله» الذي كان من أشد المعارضين للتفاوض مع تنظيمي النصرة وداعش بزعم رفض الخضوع لمنطق المقايضة والمبادلة، تورط فيما كان رافضا له. فلم يمتنع زعيمه حسن نصر الله من التفاوض مع «داعش» في ملف العسكريين المختطفين في عرسال بعد أن فرض قراره الذي وضع الجيش في موقف حرج بشن معركة سمَّاها تطهير الجرود من الإرهابيين، وتحديد موعد انطلاقها، قبل أن يتراجع ويبرم اتفاقاً مع من سمَّاهم الإرهابيين، يفتح لهم طريقا آمنا للانسحاب، ويفرض قراره على الدولة مجددا بتسليم 3 من المحكومين أمنياً في سجن رومية، مقابل عدد من مقاتليه.
وعرقل نصر الله القرار اللبناني بالقضاء على «داعش» في الجرود، بالعديد من العقبات والانتقادات من قبل، ثم عاود رفضه لأي تفاوض مع داعش، إلا أن ذلك انقلب سريعا، حيث سهل «حزب الله» خروج مقاتلي داعش وأسرهم باتجاه دير الزور أمام مرأى العالم أجمع، وكان المشهد الأبرز تسليم مقاتلي داعش أنفسهم لحزب الله بدلاً من الجيش اللبناني. وبعد أن كان الجيش في طريقه للقضاء على التنظيم في لبنان واستعادة هيبة الدولة، فُرض عليه اتفاق وقف للنار، متخلياً فيه عن شرطه المسبق المتمسك بمعرفة مصير جنوده المختطفين. والاتفاق كان بطلاه حزب الله والنظام السوري. وقد بدا مشهد المعركة في إخراجه النهائي على الشكل التالي: حزب الله انتصر بإخراج مقاتليه الأسرى لدى النصرة والأخيرة انتقلت إلى ملاذ آمن اختارته بنفسها، فيما داعش لأول مرة يخرج سالما إلى دير الزور. أما الجيش اللبناني فتم حرمانه من إنجاز نصر نهائي يعزز الإجماع الشعبي، الذي حظي به ليظهر عاجزا.