الاتحاد

الباب رقم 21 كتب على غرفته للعزل


قال بسخرية لطيفة:
- أنتم هنا لاستجوابي؟
- لا، مجرد حديث عادي·· لنعرف اكثر عن حالتك·· كان يبدو مستعداً للكلام أو ربما·· يبحث عمن يمكن ان يكلمه، فهو في غرفة العزل منذ عشرة أيام نقل اليها بعد ان أصيب جرحه بالتهاب بكتيري·· زاد سوءاً لأنه مقاوم للعلاج بالمضادات الحيوية!·· لم نكن بحاجة للكثير من الاسئلة فقد كان كفيلاً بالاجابة عن نفسه·· حتى دون ان يسمع السؤال ربما اعتاد ذلك بعد رحلته الطويلة مع المرض·· ولقاء الأطباء·· وتجرع الدواء··
- ليس هناك أي وسيلة للتسلية··! لا تلفاز، ولا رفيق في الغرفة يكلمه·· أشعر بالملل، أريد أن أخرج من هذا المكان·· أبكي أحياناً، جو المستشفى خانق·· اشتقت لأطفالي·· كانت كلماته موجعة، رجل في العقد الخامس من عمره، يبكي··!! شوقاً وألماً·· كم هي مؤلمة هذه الحياة·· حين تجعل رجلاً يبكي!·· هذه الغرفة أشبه ما تكون بسجن للحبس الانفرادي··! يخشون على المرضى ان تنتقل اليهم البكتيريا من جرحي، جسمي اصبح مرتعا خصبا للجراثيم، أهلاً بها·· وهل نستطيع ان نقول غير ذلك··
كان يتحدث وهو يضحك·· يبتسم·· هل كان يسخر من نفسه أم يسخر من الايام التي أقعدته على فراش أبيض·· تحرك ليرينا موقع الجرح كانت قدمه اليسرى ملفوفة بضماد أبيض·· لمحت رجله اليمنى تتحرك تحت الغطاء، حين كشفها·· كدت أصاب بغثيان·· قرأت الكثير عنها في الكتب الطبية، كنت أتحاشي النظر الى مثل هذه الصور·· احس بوخز في قلبي حين أراها·· لكنها اليوم أمامي هل كنت أدرك ان هروبي لن يطول؟·· كانت أصابعه مبتورة وشق طويل في قدمه·· كزلزال عنيف أحدث شرخاً في الأرض·· لم يبرأ، ولن يبرأ·· فالدم لا يتدفق جيداً في عروقه··! انها مضاعفات المرض··
- أجريت عملية القدم اليمنى قبل ثمان سنوات واليسرى قبل شهرين·· الحمد لله على كل حال·· دخلت الممرضة لتحقنه بإبرة ما، كان حديثه مبهجاً، مازحاً، ضاحكاً·· قال لها بسخرية باسمة: لماذا لا ترتدي اللباس الواقي وتضعي القفازات؟ ألم ينصحك الطبيب بهذا؟ ستنقلين الجراثيم الى بقية المرضى·· كانت تكتفي بابتسامة عابرة ربما اعتادت ان تسمع منه هذه الكلمات·· كنا نحاول ان نركز أسئلتنا على المحور المطلوب لكنه كان يسهب في مواضيع جانبية·· أحياناً ينسينا ما سألناه!!
- ماذا تعمل؟
- أنا!! عار على الصحة··
- عفواً، ماذا تعمل؟
- ضحكة ساخرة·· أعمل عارا على الصحة، أنا مفتش صحة··
تحدث عن حياته قبل المرض، لم يتناول حبة دواء من قبل·· والآن هو لا يستطيع ان يعيش بدون تلك الإبر التي يحقنها في جسمه صباحاً ومساءً·· ادركت من حديثه انه دمر حياته بنفسه·· هو يعلم طبيعة مرضه·· لكنه التهاون، الإهمال، أو ربما·· الرغبة في الانتقام من الذات!
- الحلويات، تركتها منذ زمن طويل، لا أشرب الشاي·· لكن الانسان لا يستطيع ان يقاوم نفسه·· أحياناً يتشهى ما لذ وطاب من الطعام·· في التجمعات العائلية والولائم·· لا تستطيع ان تردهم·· أحياناً تنسى نفسك، وتجد انك أكثرت من الطعام!··
- وعينك؟
- ذات يوم أحسست بغشاوة على عيني·· لم استطع ان أرى ما أمامي قال لي الطبيب انه نزيف في العين أجريت عمليتي ليزر، أعطاني موعداً بعدها·· لكنني لم أذهب·· هو التهاون من جديد··!! السمنة، قلة التمارين الرياضية، ثم··
- كيف أصيبت قدمك اليسرى؟
- حرق من ماء مغلي·· لم أحس بها وهي تحترق قلت ربما لن تحتاج لعلاج طبي وضعت عليها كريما للحروق لكنها لم تتحسن، حين جئت للمستشفى بعد عشرة أيام قال الطبيب انها اصيبت بالغرغرينا!!·· كدت أفقد أعصابي·· لماذا لا يتعلم الانسان من تجاربه؟ لماذا يصر ان يدمر نفسه بيديه؟ ربما لا يستطيع ان يتخيل عواقب أفعاله·· هل ظن ان الحال سينتهي به هنا، حيث اصابع قدميه مبتورة··؟ ربما لو فكر قليلاً في هذا هل كان يمكن ان يكون ذلك دافعاً له للاهتمام بنفسه أكثر··؟ هل يتذوق مرارة أيامه الآن·· وهو مقيد في سرير أبيض، وسط جدران أربعة·· ورائحة الدواء التي تضمخ المكان·· هل كان يحس بحلاوة السكر في أيامه الماضية؟ هل كان يدرك انه سيصبح سما يسري في عروقه، ويتحول الى وحش مرعب·· يفتك بجسده شيئاً فشيئاً!·· انتهى الوقت المحدد أردنا الانصراف، كان يبدو وكأنه يريد الحديث أكثر·· خرجنا وصوت دعواته تتردد في أذني:
- الله يوفقكم يا دكاترة··
خرجت·· وظل السؤال يلح علي بقوة··
لو أنه وجد من يوقفه في الوقت المناسب·· هل كان الحال سينتهي به في غرفة 21··؟
سلمى الحوسني
جامعة الإمارات

اقرأ أيضا