صحيفة الاتحاد

دنيا

مسجد بيبي خانوم «قُبلة» على خد سمرقند

المدخل الرئيسي لجامع بيبي خانوم

المدخل الرئيسي لجامع بيبي خانوم

بيبي خانوم هو الاسم الذي اشتهرت به «سراي الملك خانوم» الزوجة الأثيرة لدى الغازي الكبير «تيمور لنك»، وقد منحت هذا الاسم لأحد أهم المعالم العمرانية في سمرقند حاضرة التيموريين، بل وفي كل أرجاء آسيا الصغرى أو بلاد ما وراء النهر، كما كانت تسمى في كتب الجغرافيين العرب. ولا يعرف على وجه اليقين أصل تلك المرأة التي وصفت بالجمال الأخاذ، ولكنها غالباً لن تخرج عن كونها تركية الأصل، كما هو حال تيمور زوجها أو مغولية من نسل «جنكيز خان» ويحملنا على ذلك الاعتقاد أن تيمور نفسه ادعى أنه من نسل القائد المغولي الشهير ليضمن ولاء الترك والمغول معاً لدولته.

(القاهرة) - خلد التاريخ اسم خانوم ببناء كان مقدراً له أن يكون الأكبر والأفخم بين مساجد الإسلام في بلاد التركستان وهو جامع «بيبي خانوم» بمدينة سمرقند.
ثمن القُبلة
وتتضارب الروايات التاريخية حول صلة بيبي خانوم ببناء المسجد فمن قائل إن تيمور لنك وضع حجر الأساس بنفسه وتابع أعمال البناء عقب عودته من غزوة مظفرة للهند حصل خلالها على أموال طائلة رصد بعضاً منها للإنفاق على البناء، وإن سراي الملك خانوم تابعت بنفسها أعمال تشييد وزخرفة البناء في الأوقات التي كان تيمور يغادر فيها عاصمته في غزوات هنا وهناك، ومن ثم أطلق اسمها على الجامع.
والحقيقة أن البناء الضخم والفخم للجامع تعرض بالفعل للتفكك بصورة مرعبة لا تتوافق مع ما أنفق عليه، وبات خرباً بعد سنوات قلائل من افتتاحه للصلاة، ورغم أن العمل في بنيانه استغرق نحو خمس سنوات «802هـ - 807هـ» فإن الدراسات الأثرية تؤكد أن العجلة والسرعة في البناء هي التي أدت لتشعث الجدران والقباب.
ويحتل الجامع مساحة تبلغ على هيئة مستطيل طول ضلعه 167م والعرض فيه 109م ويجمع في تصميمه بين تخطيط المساجد الجامعة الأولى ذات الصحن المكشوف والظلات الأربع وتصميم المدارس ذات الإيوانات الأربعة ويمزج بينها جميعاً وبين استخدام القباب وكأن المعماري أراد أن يختزل فيه كل طرز العمائر الدينية في أراضي الإمبراطورية التيمورية.
مساجد شتوية
يتوسط الجامع صحن أوسط مكشوف 76م طولاً و63 عرضاً وتحيط به أربع ظلات للصلاة أكبرها ظلة القبلة وتعتبر بمثابة حرم أو بيت صلاة صيفي وبوسط كل ظلة عدا الظلة الخلفية التالية للمدخل مباشرة إيوان مغطى بقبة حاكى به المعماري المدارس ذات الإيوانات وإن استخدم القباب في تغطية تلك الإيوانات عوضاً عن الأقبية الطولية المعروفة في إيران والعراق ومصر ويمكن النظر إلى تلك الإيوانات باعتبارها مساجد «شتوية» مغلقة نسبياً لتلائم أجواء آسيا الوسطى المعروفة بمناخها القاري المتطرف، حيث تتجمد الأنهار في فصل الشتاء الشديد البرودة. وهكذا نجد أن تصميم الجامع بقدر ما استوعب مهندسه أنماط الجوامع والمساجد المعروفة آنذاك بقدر ما راعى بعبقرية الظروف المناخية لسمرقند فجعل جزءاً صيفياً وأدمج معه قاعات شتوية فسيحة أيضاً.
ولتلك الكتلة المعمارية مدخل رئيسي يقع في الضلع الشرقي وهو من العلامات المميزة لعمارة المسجد والتي انتقلت لمساجد آسيا الوسطى فيما بعد ويصل ارتفاع المدخل إلى 41 متراً، وهو عبارة عن فتحة معقودة بعقد فارسي مدبب يرتكز على أعمدة مدمجة وقد كسي ببلاطات من الخزف المزجج بألوان متعددة تحتوي على زخارف هندسية وكتابات منفذة بخط النسخ مع تكرار للفظ الجلالة «الله» بالخط الكوفي المربع وثمة شريط كتابي يدور حول العقد به بعض آيات من سورة الجمعة وحديث شريف عن فضل يوم الجمعة.
وقد غطيت كتلة المدخل بقبة هائلة اعتبرت من أكبر وأجمل القباب بلون بلاطاتها الخزفية التي تحاكي زرقة السماء وهي من طراز القباب السمرقندية ذات الطبلة أو منطقة الانتقال الطويلة حتى تبدو من البعد أشبه ببيضة الدجاج، ولكن هذه القبة الرائعة تعرضت للدمار الجزئي عقب الزلزال الذي ضرب سمرقند في عام 1897م. وعلى جانبي المدخل مئذنتان اسطوانيتان كسيتا ببلاطات خزفية تزدان بزخارف هندسية تتخللها كتابات مكررة بالخط الكوفي المربع لعبارة «محمد رسول الله»، وبكل مئذنة فتحة باب معقودة تؤدي إلى درجات سلم يصعد إلى شرفة الآذان. وهناك أربع مآذن بواقع مئذنة ذات بدن مربع الأضلاع في كل ركن من أركان الجدران الخارجية للجامع، وهي تزدان جميعاً ببلاطات من الخزف الملون.
أما ظلات الصلاة فجميعها من أروقة تفصل فيما بينها بوائك من أعمدة رخامية تحمل عقوداً مدببة بينما غطيت الأروقة كلها بقباب صغيرة وبوسط كل من ظلة القبلة والظلتين الجانبيتين فتحة معقودة تؤدي إلى إيوان أو قاعة صلاة شتوية مغطاة بقبة ضخمة في جانب القبلة تكاد تماثل القبة التي تغطي المدخل أما القبتان في الجانبين فهما متماثلتان وإن كانتا أقل حجماً من قبة المدخل وقبة ظلة القبلة.
وإذا ما نظرنا لبناء الجامع من أعلى فثمة قبتان ضخمتان بوسط الضلع الشرقي «المدخل» والضلع الغربي «القبلة» ويردد صدى إيقاعهما قبتان أصغر بالضلعين الشمالي والجنوبي، ثم قباب صغيرة تتناثر بينها جميعاً وهو أمر ينم عن عبقرية مهندس البناء. ويتميز إيوان ظلة القبلة باتساعه الكبير وقبته الزرقاء الرائعة التي تحوي برقبتها كتابات منفذة ببلاطات القاشاني تضم آيات من القرآن الكريم تشير إلى القبلة وبهذا الإيوان المحراب الكبير وعلى جانبي الإيوان في الجهة المطلة على الصحن مئذنتان مضلعتان وكأنهما تقابلان مئذنتي المدخل.
نتائج الإهمال
وقد طال الإهمال جـدران هـذا الجامع فتهدمت القباب وأجـزاء من الجـدران وفقـدت بلاطاتها الخزفية الرائعة ورغم كل جهود ترميم البناء فإنه لم يستعد بعد رونقه الذي كان عليه وقت افتتاحه للصلاة في عام 807 هـ.
ويظهر أن مواد الزخارف في جامع بيبي خانوم كانت متعددة ومتنوعة فقد استخدم الطوب المزجج باللون الأزرق الفيروزي والداكن، وكذا البلاطات الخزفية والرخام بل والفسيفساء الرخامية والزجاجية.
كما تنوعت أيضاً الزخارف التي ازدانت بها القباب والجدران فاستخدمت الزخارف الهندسية بأنواعها واستخدم خط النسخ على نطاق واسع في تنفيذ الكتابات التذكارية وآيات القرآن الكريم، وإن لم يخل الأمر من اعتماد ملحوظ على الخط الكوفي المربع المناسب لزخرفة العمائر. ووضع أولوغ بك حفيد تيمور لنك، وحاكم سمرقند فيما بعد دعامة ضخمة من المرمر الأبيض، يقال إنها كانت تستخدم لحمل المصحف أثناء التلاوة وقد نقلت في عام 1875 إلى وسط صحن الجامع.


«بيبي خانوم» والروايات الشعبية
ثمة روايات شعبية يتداولها سكان سمرقند مفادها أن «بيبي خانوم» أرادت أن تشيد المسجد ليعود تيمور ويراه كاملاً، فتولت بنفسها الإشراف على أعمال البناء، ووقفت تستحث الفنيين على سرعة إنجاز العمل، وأن المهندس اشترط عليها ليتم البناء قبل عودة تيمور لنك أن يحصل على قُبلة منها. فوافقت بعد وقت على أن يطبع قبلة على وجنتها المغطاة بغلالة رقيقة من الحرير. لكن حرارة القُبلة تركت أثراً على وجنة الخانوم. فما كان من تيمور إلا أن أطاح برقبته جزاء فعله المشين، بينما يشير رواة آخرون إلى أن غضبته على المهندس كانت بسبب عدم متانة البناء نتيجة للسرعة التي تمت بها أعمال التشييد والزخرفة.