الاتحاد

عربي ودولي

التفسير الحركي للإسلام

في عصر الاستعمار، أي منذ نهاية القرن التاسع عشر وظفت الإسلامية الحركية في حالتها البدائية كثيراً من المواقف التاريخية للفقهاء أو المتصوفة التي كانت تقع لهم مع بعض الأمراء أو السلاطين أو الولاة، لأسباب عديدة، منها الشخصي ومنها السياسي ومنها الاجتماعي، كل هذا كان سعياً من منظري الحركية الإسلامية لإسباغ هالة تمنح الفقيه دوراً حركياً لم يكن معروفاً البتة عبر تاريخ الإسلام.

 

ومنذ عشرينيات القرن الماضي استخدم «الإخوان المسلمون» أسلوباً آخر يغمط العلماء والفقهاء «المذهبيين» منزلتهم، في سعي لتغطية النقص في عدم وجود فقهاء وعلماء حقيقيين يمكن قبولهم والثقة بهم يمثلون أفكار التنظيم السري، وشُفِعَت هذه الفكرة باستثمار كل ما جاء من كلمات السلف الأقدمين التي كان لها سياق اجتماعي وتاريخي مختلف، أو نبشت مواقف وعبارات شاذة لبعض الأعلام، وهنا كان تركيز الإسلام السياسي على المقارنة بين من وصفوهم بـ«علماء السلاطين» في مقابل «العلماء الربانيين». هدفت هذه الخطة إلى تحقير الفقهاء في مدارس الإسلام الكبرى وعلى الخصوص علماء الأزهر، الذي كان-رغم الآفات التي كانت تنهش فيه- عقبة كأداء دون مطامح «الإخوان» في مقابل سرد قصص التضحية والابتلاء الذي تعرض له التنظيم السري في سعيه إلى الحُكم والإطاحة بالملوك وإقامة دولتهم الموعودة. من المهم التنبه إلى أن لإرث جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده تأثيراً مباشراً في ذلك، عضدته مسحة سلفية مع رشيد رضا في العشرينيات والثلاثينيات، ومع محمد ناصر الدين الألباني (السلفية العلمية)، التي سعت إلى ضرب المذهبية الفقهية. منذ السبعينيات كانت آلة ضخمة من المنشورات والكتب والصوتيات تعمل على أن تسبغ على مكانة الفقهاء في الإسلام مفاهيم حركية تجعل من الفقيه نداً وضداً للإمام والأمير والسلطان.


لا يمكن فهم الدوافع الحقيقية للحركية الإسلامية للتحقير من دور الفقهاء المذهبيين إلا باستيعاب الوسائل التي سعوا إليها ومنها توظيف تراث السلف للتحقير من الفقهاء والتشكيك بنزاهتهم لصالح فقهاء حركيين ومشتغلين بالشريعة من الإخوان. أن آية سورة البقرة «واتقوا الله ويعلمكم الله» هي إحدى ركائز الإلهام لنزوع عرفاني/ صوفي في الإسلام منذ فترة مبكرة، مبني على أن قلة العلم بالشريعة يعوضه ما يمكن أن يتصف به السالك إلى الله من إخبات وتقوى، وتكرر هذا المعنى عشرات المرات على أفواه أئمة عظام عبر تاريخ الإسلام بعبارات متنوعة ولكنها تدور على أصل واحد، هو تأثير الإيمان والتقوى في صدق العالم واتباع الناس لما يقوله. فقهاء الإسلام من جهتهم ومبكراً كانوا واعين تماماً لهذه الميزة الفضلى في الفقيه والعالم وتأثيرها في القبول و«الكاريزما».

 

 

 

وهذا مأثور عن القدماء من السلف والمتصوفة الكبار. منذ الأربعينيات من القرن الماضي استثمر الإخوان المسلمون علاقتهم بفقهاء وعلماء دين تأثروا بهم، ولكنهم في العقود الخمسة الماضية تغلغلوا في مؤسسات الفتوى القائمة في أكثر من بلد إسلامي، بالتوازي مع ذلك سعوا إلى تأسيس مجالس فتوى اليوم نجدها منتشرة في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية. هنا يمكننا فهم لماذا سيد قطب أسبغ في مؤلفاته صفة الحركية على الفقيه، وهو مالم يكن له وجود في تاريخ الإسلام، وهنا نفهم لماذا سعى هو نفسه وهو لم يكن مفسراً ولا عالم شريعة إلى تأليف تفسير للقرآن يربي الأتباع والكوادر على تشرب تعاليمه.


 

اقرأ أيضا

الجيش اليمني يحرز تقدماً في شمال تعز