صحيفة الاتحاد

عربي ودولي

«ذا أتلانتيك» تفضح الثمن الباهظ الذي دفعته قطر مقابل الحوار الاستراتيجي

دينا محمود (لندن)

لم تمضِ سوى أيامٍ قليلة على انتهاء الاجتماعات التي استضافتها واشنطن بين مسؤولين أميركيين وقطريين رفيعي المستوى تحت مسمى الحوار الاستراتيجي بين البلدين، حتى كشفت وسائل إعلام أميركية واسعة الانتشار النقاب عن التنازلات الجسيمة التي قدمها النظام الحاكم في الدوحة في هذا الشأن، بما يدحض ما يردده هذا النظام من أن انعقاد الحوار كان بمثابة «نصرٍ دبلوماسي» للدويلة المعزولة.
ففي مقالٍ نشرته مجلة «ذا أتلانتيك» الأميركية المرموقة، كشف الكاتب كريشناديف كالاميو عن أن جلسات الحوار التي عُقِدت منتصف الأسبوع الجاري في مقر وزارة الخارجية بواشنطن لم تكن بلا ثمن، قائلا إن الولايات المتحدة حصلت على «الكثير للغاية» من النظام القطري، خلال الشهور التي انقضت منذ أن فُرِضت عليه المقاطعة من جانب الدول العربية الأربع الداعمة لمكافحة الإرهاب (السعودية والإمارات ومصر والبحرين) مطلع شهر يونيو من العام الماضي.
وفي المقال الذي حمل عنواناً لافتاً يقول «أميركا تربح الأزمة الخليجية»، استعرض كالاميو التنازلات الكبيرة التي قدمها نظام تميم بن حمد لإدارة الرئيس دونالد ترامب طيلة الفترة الماضية، في إطار المحاولات المحمومة التي يقوم بها حكام الدوحة للخروج من عزلتهم القائمة خليجياً وعربياً.
وأشار الكاتب إلى أن هذه التنازلات بدأت في يوليو من العام الماضي، تحديداً عندما وقع النظام القطري على مذكرة تفاهم مع الولايات المتحدة لمكافحة تمويل الإرهاب، وهي المذكرة التي تعهدت الدوحة بموجبها، ليس بمحاربة هذه الأنشطة فقط، وإنما كذلك «بتبادل المعلومات بشأن من يقومون بتمويل الإرهاب، وبإجراء حوارٍ حول مكافحة الإرهاب مع الولايات المتحدة».
ولفت كالاميو الانتباه في هذا السياق إلى أن القطريين سبق وأن تعهدوا بإجراءاتٍ مماثلة على صعيد مكافحة الإرهاب عام 2014، وذلك خلال الأزمة التي سحب السعودية والإمارات والبحرين سفراءها في غمارها من الدوحة، لأسبابٍ لا تختلف كثيراً عن تلك التي دعت الدول الثلاث ومعها مصر، إلى اتخاذ إجراءات أكثر صرامة ضد حكام الدوحة منتصف عام 2017.
جزءٌ ثانٍ من الثمن الذي دفعته قطر مقابل حضور مسؤوليها إلى واشنطن ومشاركتهم في الحوار الذي عُقِد هناك قبل أيام، تمثل على ما يبدو في ما أشار إليه المقال من إقدام السلطات القطرية على تعزيز تعاونها العسكري مع الولايات المتحدة، وإعلانها عن أنها بصدد توسيع قاعدة «العديد» العسكرية الواقعة جنوب غرب الدوحة، والتي يرابط فيها أكثر من 10 آلاف عسكري أميركي.
وقال الكاتب إن هذا الإعلان يعني أنه سيكون بوسع العسكريين الأميركيين المرابطين في «العديد»، والذين ينضوون تحت لواء أفرعٍ مختلفة من الجيش الأميركي، جلب أسرهم كذلك للإقامة معهم في هذه القاعدة التي تستخدمها الولايات المتحدة لضرب معاقل الإرهابيين في العراق وسوريا وأفغانستان.
جانبٌ آخر من الثمن القطري الجسيم الذي دُفِع حتى توافق الإدارة الأميركية على فتح أبواب وزارة خارجيتها للمسؤولين القطريين، تمثل في شراء الدويلة المعزولة - كما قال المقال - 36 مقاتلة من طراز «إف 15» من «البنتاجون»، وذلك في صفقةٍ تم التوقيع عليها في يونيو الماضي، أي بعد إسدال ستار المقاطعة والعزلة على نظام تميم مباشرة. وتقضي الصفقة بشراء القطريين 72 مقاتلة أميركية من هذا الطراز مقابل 12 مليار دولار، على أن يتم تسليم هذه الطائرات بنهاية عام 2022.
وبجانب هذا وذاك، أبرز كالاميو موافقة النظام القطري قبل أيام قليلة، وبالتوازي مع الاجتماعات التي شهدها مقر الخارجية الأميركية، على كشف النقاب عن البيانات المالية الخاصة بشركة الخطوط الجوية القطرية المملوكة للدولة، وهو مطلب قال الكاتب إن «شركات الخطوط الجوية الأميركية ترفعه منذ أمدٍ طويل»، مُشيراً إلى أن هذه الشركات «تشكو من أن الشركة القطرية تحصل على مساعداتٍ حكومية على نحوٍ غير عادل»، فيما يتعلق بقواعد المنافسة على الساحة العالمية.
وفي إشارة واضحة إلى حجم التنازل الكبير الذي اضطر حكام الدوحة لتقديمه في هذا الشأن، حرص مقال «ذا أتلانتيك» على تأكيد أن قطر هي الدولة الوحيدة في منطقة الخليج العربي، التي وافقت على الاستجابة لهذا المطلب من جانب شركات الطيران الأميركية.
وفي معرض تفسيره للتنازلات القطرية المتتالية لإدارة ترامب، نقل الكاتب عن أندرو بوين الباحث الزائر في معهد «إنتربرايز» الأميركي للأبحاث السياسية العامة قوله إن انتقاد الرئيس ترامب للدوحة بشدة في الأسابيع الأولى لأزمة مقاطعة جيرانها لها، جعلها «تدرك أنه يتعين عليها توطيد علاقاتها مع الولايات المتحدة».
وأشار بوين إلى أن النظام الحاكم في قطر أدرك كذلك أنه «بحاجة إلى التعامل مع المسائل التي تثيرها الولايات المتحدة»، وذلك في إشارةٍ واضحة إلى ملفات تمويل هذا النظام للإرهاب وتوفيره ملاذاً للمتشددين ومنابر لدعاة التطرف والعنف والكراهية.
وأكد المحلل السياسي الأميركي البارز أن ما بدا من اختلافٍ بين لهجة البيت الأبيض من جهة والنهج الذي تتبعه أجنحةٌ أخرى في الإدارة الأميركية من جهة أخرى حيال الأزمة القطرية «أجبر الدوحة على إعادة النظر في الطريقة التي تتعامل بها مع الولايات المتحدة».
وأوضح رؤيته هنا بالقول إن حقيقة «التناقض الكامل بين الوكالات (التي تتألف منها الإدارة الأميركية) خلقت بيئةً، جعلت الدوحة مُضطرة لاتخاذ خطوات استباقية أكثر، للتعامل مع العناصر المتنافسة» المترتبة على اختلاف كيفية النظر إلى قطر من جانب الجهات الفاعلة المختلفة في إدارة ترامب.
ويخلص كريشناديف كالاميو في ختام مقاله إلى التأكيد على أنه بالرغم من أي تطورات تحدث على صعيد العلاقات الأميركية القطرية، فإنه لا توجد «سوى مؤشراتٍ علنية محدودة على أن نزاعها (قطر) مع جيرانها يقترب من أن يُحل».
وينقل في هذا الصدد عن محللين أميركيين قولهم إن من بين السبل التي قد تكفل التوصل إلى أي حل، قيام الرئيس ترامب بالدعوة لعقد قمة لقادة دول الخليج، بهدف بلورة تسوية لتلك الأزمة.
وبدورها، أبرزت صحيفة «بوليتيكو» الأميركية الرصينة المحاولات القطرية المستميتة والمتواصلة منذ عدة شهور لتوريط البيت الأبيض في الأزمة التي تضرب الخليج، بفعل تشبث نظام تميم بموقفه المتعنت والمُكابر في مواجهة المطالب المُحقة المطروحة عليه.
وفي تقريرٍ إخباري حمل عنوان «الاتصال الهاتفي الذي تريد قطر باستماتة من دونالد ترامب أن يُجريه»، أبرزت الصحيفة تصريحاتٍ أدلى بها وزير الدولة القطري للدفاع خالد بن محمد العطية خلال وجوده في واشنطن، وزعم فيها أن بوسع ترامب تسوية الأزمة كلها بـ«اتصالٍ هاتفي».
وفي التقرير الذي أعدته سوزان بي.جلاسر، أشارت الصحيفة إلى أن المسؤولين القطريين الذين زاروا العاصمة الأميركية خلال الأيام الماضية لحضور الاجتماعات التي عُقِدتْ فيها مع نظرائهم الأميركيين، كانت لديهم «رسالةٌ بسيطة للرئيس ترامب، مفادها بأنك في وسعك تسوية الأزمة الإقليمية.. باتصالٍ هاتفي لا أكثر».
ونسب التقرير إلى العطية قوله - خلال ما وصفته «بوليتيكو» بمقابلةٍ حصرية أجرتها معه - إنه «كلما جرى هذا الاتصال بشكلٍ أسرع كان ذلك أفضل»، ما يفيد بطبيعة الحال بمدى اللهفة القطرية على حدوث أي تحرك يخفف من الضغوط السياسية والاقتصادية الهائلة التي يرزح تحتها نظام تميم.
ولكن وفي تجاهلٍ واضحٍ لهذه التوسلات المستمرة من قبل الدوحة، حرصت الصحيفة على إبراز حقيقة أن الرئيس الأميركي لم يجر بعد مثل هذا الاتصال، مُشيرةً في الوقت ذاته إلى أن الولايات المتحدة ظلت تراقب الأزمة القطرية - التي تقترب من دخول شهرها التاسع - بـ«مزيجٍ من الفزع والقلق».
وفي هذا السياق، وجهت «بوليتيكو» انتقاداتٍ لاذعة للطريقة التي تصرف بها النظام القطري رداً على العزلة التي يتعرض لها بسبب سياساته التخريبية والمُزعزعة للاستقرار، قائلةً في هذا الصدد إن هذا النظام «اتجه بشكلٍ متزايد صوب خصوم الولايات المتحدة مثل إيران وروسيا»، وهو ما اعتبره التقرير «كابوساً جيوسياسياً لأميركا، في خضم منطقة مضطربة من الأصل مثل الشرق الأوسط».
ورغم أن تقرير الصحيفة قال إن الوفد القطري الذي زار أميركا مؤخراً سعى «للحصول على دعم إدارة ترامب في الأزمة»، فإنه أشار إلى أن هذه الأزمة «لا تزال أبعد ما تكون عن الانتهاء»، حسبما استخلصت الكاتبة من حديثها إلى العطية.
ومما يوحي بمدى حرج موقف النظام القطري في الوقت الحاضر بعيداً عن كل حملات التضليل الإعلامية التي يشنها في العالم، أبرزت الكاتبة «تضرع» الوزير القطري للرئيس الأميركي للتدخل، وتأكيده على أن بلاده تعتمد على مساعدة إيران في مواجهة تَبِعات العزلة، دون أن ينفي كونها تبحث بالفعل شراء منظومة صواريخ الدفاع الجوي روسية الصنع «إس 400».
كما أشارت إلى اقتراح العطية إضفاء طابعٍ دائم على قاعدة «العديد»، التي يرابط فيها الجيش الأميركي في قطر، قائلةً إن ذلك يأتي «رغم الحساسية السياسية الأميركية حيال أي شيء يفوح منه طابع الانخراط الدائم في هذه المنطقة المضطربة»، وهو ما يبدو إشارةً إلى إمكانية رفض صناع القرار الأميركيين لهذه الرشوة التي تزايد الحديث القطري عنها خلال الأيام القليلة الماضية.