الاتحاد

ثقافة

قصر الحصن.. حضن أبوظبي لكل الإمارات

إحدى قناطر قصر الحصن (تصوير: عمران شاهد)

إحدى قناطر قصر الحصن (تصوير: عمران شاهد)

فاطمة عطفة (أبوظبي)

يقول الشاعر عمر أبو ريشة، وهو يعاين أثراً خلّفه الأجداد:
قفي قدمي إنَّ هذا المكانَ/‏ يغيبُ به المرءُ عن حسِّهِ
أقلِّبُ طرفي به ذاهلاً/‏ وأسألُ يوميَ عن أمسِهِ
شموخ قصر الحصن في قلب العاصمة يجعل الزائر والمتأمل يستحضر أطياف القادة الذين أقاموا فيه، والضيوف الذين مروا وتركوا آثارهم فيه، فهنا ذكريات من عاشوا وتحدثوا وكتبوا تاريخ البلد، وكأن أرواح الآباء والأجداد تظل ساكنة في هذه الأماكن لترعى وتحفز وتبارك الأجيال الشابة لكي تواصل مسيرة العمل والبناء. وفي مواكبة القصر في التاريخ الحديث، كان المجمع الثقافي يستقبل الآلاف من محبي القراءة والاطلاع كل يوم، كما كان يحتضن المعرض أبوظبي للكتاب، وتقام فيه المحاضرات والمعارض التشكيلية والحفلات الموسيقية، وتعرض فيه أروع الأفلام العالمية. وفي رحاب هذه الذاكرة الوطنية.
هنا انطباعات عدد من المثقفين والكتّاب الإماراتيين الذين رافقوا المسيرة الثقافية سواء في قصر الحصن أو المجمع الثقافي، حول افتتاح منطقة الحصن الثقافية الجديدة أمام الجمهور:

السويدي: روح وريحان
يقول الشاعر محمد أحمد السويدي حول هذا الحدث: «لعل الحديث عن قصر الحصن يستمدّ فاعليته وحضوره باعتباره المكان الذي شهد مولد الشيخ زايد، طيب الله ثراه، حيث تحتفل دولتنا الحبيبة بالذكرى المئوية الأولى لولادته، والذي كان بدوره ذاكرة حيّة تنطق بلسانٍ إماراتي فصيح.
عندما أفكّر في قصر الحصن، فإنني لا أرى المكان الجغرافي الذي يشغله ولا طرزه المعمارية وأحجاره المرجانية البيضاء التي اقتطعتها سواعد الظبيانيين من البحر قبل ما يزيد على القرنين فحسب، بل أتطلّع إليه كتمثيل حيّ لآخر قلاع ذاكرة أبوظبي، فلقد شهد هذا المكان أحداثاً كثيرة شكّلت الذاكرة الظبيانية والإماراتية، فبين جنباته وأروقته أُبرمت عشرات الاتفاقيات والمعاهدات، وتم اتخاذ آلاف القرارات، وتوافد عليه الخلق زرافات ووحدانا من كل فجّ عميق، وفي أفنيته أنشد ابن عتيج شواهق قصائده وقرأ ابن شيخان فرائد شعره، وضرب إليه الرحالة أكباد إبلهم، وتركوا مدونات يصفون القصر وحكامه الكرام ومآثرهم.

محمد أحمد السويدي
أتذكر في طفولتي، وتحديداً قبيل إعلان الاتحاد، كيف كانت أروقته تزخر كخلية نحل بالحركة الدائبة والحماس والعمل المكثّف والمراسلات بين حكام الدولة من أجل التمهيد لقيام الاتحاد، وكيف كان الوالد ينتقل هنا وهناك ولا يكاد يلتقط أنفاسه منذ أن شغل منصب رئاسة الديوان الأميري، قبل أن يسند إليه المغفور له الشيخ زايد منصب وزير شؤون الرئاسة.
كنت قريباً من تلك اللحظات الفارقة في تاريخ وذاكرة الوطن، وما زلت أستعيدها بذات الحرارة والشغف، خصوصاً وأنا أرى عودة الحياة للقصر، والتي تشكّل استعادة لأكبر قدر من الذكريات، التي هي العصب الحيّ لروح المدينة وإرثها.
قصر الحصن روح وريحان الإمارات، ولسانها الذي سيبقى ينطق بآلاف الحكايات والمواقف، إنه ذاكرة بيضاء يعتصم الجميع بحبلها المتين».

أبو الريش: ذاكرة خصبة
ويستعيد الروائي علي أبو الريش صورة قصر الحصن، فيقول: «إنه يشكل ذاكرة الإنسان الإماراتي بالمعنى الحضاري، وهو الذاكرة الخصبة لإمارات أبوظبي، وهو يعتبر أرشيفاً ثقافياً، ومخزوناً للإبداع، طبعاً يثري المخيلة الإبداعية في سبيل عطاء أكثر، لأن الحصن بالنهاية ليس مبنى إسمنتياً، وإنما هو ذاكرة إنسان. ومنذ بنائه وهو يبني حياة سكان هذه الإمارة، وقد ارتبط بمسرح الأحداث التي مرت بها المنطقة، وأخذت فيه الكثير من القرارات والأحداث التاريخية المهمة التي ارتبطت بهذا المكان المهم، وما يضم بأرشيفه الموثق والمروي، وهو الأهم الذي تحفظه ذاكرة الأجيال، وهذه فرصة لاستعادة ذاكرة المكان، وسيظل قصر الحصن حكاية الشعب الذي عاش في هذه المنطقة من حكام ومسؤولين ورعية».

علي أبو الريش
ويتابع أبو الريش قائلاً: «ما يبشر بالخير أكثر تعيين سيّدة لصيانة هذا المكان وإدارته. طبعاً هذا لأن المرأة تتسم بالقدرة على الاحتضان وإضفاء حالة من الدفء على المكان والزمان». وأكد الروائي أبو الريش أن هذا يعتبر بالنسبة للإمارات فكرة رائدة واستثنائية، بحكم أنها تخطو نحو المسافات البعيدة والاستثنائية في كل مجال من مجالات الحياة، وعندما ترى قصر الحصن بين يدي امرأة من هذا البلد وابنة هذا التراب، هذا يدل على وعينا نحن بالإمارات على قيمة المرأة، ليست هي مربية للأجيال وإنما هي صائنة للإرث الحضاري الذي يمتد على جغرافية الإمارات. وهذا يجعلنا نعتز بالفخر بأن الإمارات لا تترك لا شاردة ولا واردة على هذه الأرض إلا وتعتني بها وتحتضنها وتهتم بها، وتضعها بين الرمش والرمش، بمعنى أن تجربة الإنسان وما صنعه على هذه الأرض وكلها من عرقه ودمه وكده. ولذلك، هذا هو درس للأجيال القادمة بأن لا نتجه فقط للحالة الاستهلاكية، وإنما نحن الآن في مشهد حضاري إنتاجي أساساً، إنتاج الحضارة والثقافة والإبداع، وإنتاج الإنسان النقي الصافي الخارج من الصحراء، المتجه للعالم بكل نقاء وصفاء وعفوية وبراءة، وبكل وأجمل استثنائية في المجالات المستهدفة.

الحمادي: أرشيف الوطن
وللكاتب الروائي الدكتور حمد الحمادي كلمته في ذكريات القصر، فيقول: «الإماراتيون لا ينظرون إلى قصر الحصن على أنه مجرد مبنى، بل ينظرون إليه كأرشيف للوطن يشكل كل جدار فيه صفحة تاريخية تحكي عن تاريخ أبوظبي. فهو صورة القوة التي تتحدث عن المكانة والقدرة على مواجهة الصعاب، وهو صورة جودة الحياة التي تتحدث عن توافر الماء الذي تم بناؤه لأجلها، وهو صورة المجتمع التي جمعت الناس لمناقشة أمورهم المجتمعية، وهو صفحة الحكم السديد التي ضمت حكام أبوظبي. وهكذا يظل قصر الحصن أرشيفاً وطنياً غنياً بالقصص التي يجب أن تروى للأجيال القادمة. وفي عام زايد يتجلى تاريخ هذا المكان وتبرز أهميته الثقافية أكثر، فمئوية زايد جزء من هذا المكان الذي سيظل يحكي الكثير عن أبوظبي والإمارات».

حمد الحمادي

الغفلي: ملحمة وفاء
وكان للروائية مريم الغفلي مساهمتها في استعادة ذكريات القصر، فتقول:
«أولاً: قصر الحصن بتاريخه ومكانته ورمزيته يعتبر معلماً ثقافياً بارزاً على خريطة الإمارات. والاحتفاء به وإعادة افتتاحه عمل عظيم، لأنه سيظل راسخاً، ويرسّخ مكانة وتاريخ المكان والسكان والحكام للأجيال القادمة..
ثانيا: التاريخ معلم الشعوب، وقصر الحصن معلم راسخ في المشاعر والوجدان، وعلى جدرانه سطرت ملاحم الوفاء والاعتزاز بالأرض والوطن. وزائر القصر سيقلب صفحات التاريخ، ويعلم عن تاريخ المكان الكثير، فهو منارة إشعاع علمي حضاري، وسيظل رمزاً للأجيال القادمة لمعرفة تاريخهم وتراثهم».
واختتمت الروائية الغفلي بالإشارة إلى اختيار سلامة الشامسي مديرة لهذا المعلم التاريخي فقالت: «المتتبع لتاريخ قصر الحصن يعلم أن المرأة لم تكن بعيداً أو بمعزل عن الرجل، فقد لعبت المرأة دوراً موازياً للرجل، وكانت هناك نساء لعبن أدوراً كبيرة في مجتمع أبوظبي قديماً، وليس بعيداً، إن الدور الكبير الذي كان لأم الشيوخ الشيخة سلامة بنت بطي الحكيمة العاقلة، التي تخرج زايد وإخوانه من مدرستها ومن تحت يدها يشير لدور المرأة الإماراتية».

الظاهري: قلعة سياسية
واستقرأ الكاتب حارب الظاهري تاريخ قصر الحصن بالقول: «أعتبر أن قصر الحصن منارة تاريخية وثقافية، ومن قبل كان القلعة السياسية لإمارة أبوظبي، وتعاقبت الحقب وظل القصر شامخاً أمام عوامل الحياة والحالات الزمنية». وتابع مبيناً: «بالفترة الأخيرة لعب قصر الحصن والمجمع الثقافي دوراً حيوياً ومنطقياً، ورسم صورة حضارية عن مدينة أبوظبي والإمارات ككل، فمنذ أعوام خلت كانت الإمارة تعتمد على نشاطه الثقافي، وبمعنى آخر كلنا ارتمينا في حضنه الثقافي، ومنذ الصغر وهو بالنسبة لنا يلعب دوره الريادي الحر. ولنسأل أنفسنا: كم من شاعر مهم صعد على منبره، وكم من فرق مسرحية وموسيقية جسدت فيه الروح الثقافية العالمية؟»،

حارب الظاهري
وحول دور قصر الحصن، بالإضاءة إلى تاريخ أبوظبي، لفت الظاهري إلى أن المكان الذي يشمخ فيه الحصن كان هو نبض أبوظبي التاريخي وما يحتويه من دراسات تاريخية ومقتنيات ثقافية تعبر عن أزمان مختلفة للإمارة، بل يجسد روحاً من الفضاءات المختلفة تاريخياً. وختم: «الحصن الثقافي سيحدد عهده وأهميته أمام هذا التلاقح الثقافي ما بين مسجد زايد الذي هو منارة إنسانية ودينية، إلى جانب متحف اللوفر ومتحف الشيخ زايد، كل هذه الأيقونات الثقافية ستعطي أبوظبي رونقاً حراً.

بالخير: بيت الاتحاد
من جهتها، تقول المؤرخة الدكتورة عائشة بالخير: «هذا عام زايد، وارتباط افتتاح قصر الحصن بعام زايد هذا يشكل نقطة انطلاقة كبيرة ومهمة. قصر الحصن بالنسبة لي هو بيت الاتحاد الأول، اتحدت قبائل بني ياس تاريخياً، وكان فيه فكرة الحكم، التي حكمت من أطراف الربع الخالي وإلى الإمارات التي امتدت حدودها، لأن وقتها لم تكن يوجد حدود، كانت قبائل متحدة ومتنقلة من مكان إلى مكان. هذه القبائل هي التي كانت تعبر عن هذا الشعب. إذاً، قصر الحصن كان يتربى فيه الناس على أساس أنه بيت، وهؤلاء كانوا يجتمعون في هذا البيت كأسرة واحدة ليأخذوا قرارهم السياسي. كان هذا يتم في قصر الحصن، وهو البيت للأسرة الحاكمة، ومقر للاجتماعات التي يجرى فيه بحث وأخذ القرارات الاقتصادية والثقافية، ويتبادلون فيه قراءة الشعر. لذلك الحصن ذكراه خالدة في ذاكرتنا التاريخية والمرحلة التي نحن عاصرناها».
وتابعت بالخير: «إن أي إنسان كان يأتي من الإمارات الأخرى تكون وجهته قصر الحصن، مثل منارة يستنير بها المسافر، براً أو بحراً، وأن أي عابر كان يقول أنا عدت من الحصن أو ذاهب إلى الحصن، بمعنى كانوا يستخدمونه كبوصلة للتنبؤ والترحال، حتى في المسافات البسيطة».

عائشة بالخير
وختمت بالخير: «هذا المكان هو الذاكرة التي حفظها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، الذي كان يحرص على ذاكرة المكان. وهناك قصائد مغناة عن قصر الحصن». واعتبرت بالخير أن كل ما يصدر اليوم عن التسامح والسعادة كان قد بدأ من قصر الحصن، لأنه لم يدخله طالب حاجة وخرج خائباً.

شما بنت محمد: رمزية قصر الحصن التاريخية تؤشر إلى رمزية حداثية عظيمة
تستحضر الشيخة الدكتورة شما بنت محمد بن خالد آل نهيان، رئيس مجلس إدارة مؤسسات الشيخ محمد بن خالد آل نهيان التعليمية والثقافية، أستاذ زائر بكلية التقنية العليا للطالبات بالعين، ذكريات القصر فتقول:
هنا وسط رمال صحراء أبوظبي، رأت عيناه أول شعاع نور أطل من خلف التلال يحمل معه قصة وطن.. هنا بين جدران هذا المكان كان اللقاء الأول للشيخ زايد، طيب الله ثراه، مع الحياة حين جاءها يحمل معه أقداره التي كانت هي أقدار وطن.. هنا وقف على أسوار المكان يرى الصحراء الممتدة والتلال تعانقها رياح الصيف، وأشجار الغاف تقف صامدة أمام ندرة الماء، لكن كان حلم الحضارة موسوماً بين عينيه. هنا في قصر الحصن كانت البداية الأولى لحضارة الإمارات الحديثة حين تشكلت كل أحلام زايد..
يظل قصر الحصن رمزاً لنا، وتظل عالقة بين جدرانه وزواياه رائحة التاريخ ومنقوش عليها آثار القيم التي ما زلنا ننهل من تدفقاتها قيمنا وأخلاقنا ونمزجها مع الحضارة والحداثة، لتكون الإمارات نموذجاً فريداً لما يجب أن يكون التوافق ما بين الموروث والحداثة.
ومن رمزية تاريخية لقصر الحصن إلى رمزية حداثية عظيمة، فبالأمس طالعت تعيين مديرة جديدة لهذا الصرح التاريخي العظيم، فهي امرأة وشابة تحمل المعرفة والعلم. وهنا تجسدت حداثة الحضارة الإماراتية الحديثة التي تستمر مسيرتها بكل قوة نحو مستقبل أكثر تنويراً وحرية، فهكذا تستمر مسيرة عطاء الوطن للمرأة وتحررها من قيود السكون إلى العمل في مساواة جنباً إلى جنب مع الرجل، مكللة عطاء سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك الممتدة لعشرات السنين من أجل الوصول إلى تلك اللحظات الفارقة، لتكون للمرأة الإماراتية مكانتها الكبيرة. ورمزيتها الأخرى تكمن في إيمان قيادتنا الرشيدة بدور الشباب في التجديد والدخول إلى المستقبل بروح عصرية، يمتزج فيها الموروث القيمي والحداثة والتقدم، وهكذا يظل قصر الحصن له رمزيته في كل زمن ومرحلة مرت بها دولة الإمارات العربية المتحدة.

اقرأ أيضا