يحتاج الرئيس أوباما إلى بذل مجهود كبير لكي يشرح لنا السبب الذي يجعل من الاتفاق النووي مع إيران، حسب اعتقاده، اتفاقاً معقولاً، وذا معنى. وكان يمكن للرئيس الأميركي تقديم المبررات التي تدفعه للاعتقاد بأن مال الاتفاق سيكون على ما يرام بشكل صريح ومن دون مواربة، ولكنه لم يفعل ذلك في يوم الإعلان عن الاتفاق المتعلق بالبرنامج النووي بين إيران، والدول الست الكبرى في العاصمة النمساوية فيينا. وفي اعتقادي، أن هناك من الأسباب ما كان يدعوه إلى ذلك، فمن ناحية، سنجد أن الإدارة الأميركية لم توضح بعد التفاصيل المشوبة بالغموض عن الكيفية التي سيمْكن بها الحيلولة بين إيران وممارسة الغش فيما يتعلق بتنفيذها بنود ذلك الاتفاق والالتزام به وخصوصاً إذا ما تم الأخذ في الاعتبار سجلها في هذا الشأن. مخاوف إقليمية ومن ناحية أخرى، لم يبدّد أوباما مخاوف دول منطقة الشرق الأوسط، المتعلقة بأن ذلك الاتفاق يعني ضمناً قبوله بالطموحات الإيرانية الرامية للهيمنة على الإقليم، وهي طموحات ترى أطراف عدة أنها تؤدي إلى المزيد من التفاقم لخطر تنظيم «داعش»، واحتمال تمدده في أراضٍ جديدة، وهو ما يهدد بمزيد من الاضطراب في المنطقة بأسرها، ويؤثر بالسلب على الحرب ضد الإرهاب التي تقودها الولايات المتحدة. ومع أن الرئيس الأميركي ينكر أن أياً من ذلك كان من ضمن نواياه عندما أبرم الاتفاق النووي مع إيران، إلا أن الحقيقة هي أن لا أحد في المنطقة يصدقه عندما يقول ذلك، وحتى إيران نفسها. إن السياسات التي تنتهجها الولايات المتحدة وإيران حالياً، تغذي الاعتقاد السائد القائل إن واشنطن قد سلمت المنطقة للهيمنة الإيرانية بالفعل، وهي نقطة طالما أثارت مخاوف الحلفاء في الخليج وفي بقية المنطقة. وما لم يتمكن أوباما من إقناع قادة الشرق الأوسط بأنهم يسيئون فهم موقفه، وأنه لا يسعى لإتاحة الفرصة لإيران للسيطرة والتمدد، فإن الاتفاق النووي سيخلق من المشكلات الأمنية أكثر مما سيحل. خرائط جديدة! ومن التداعيات الخطيرة أيضاً المترتبة على هذا الاتفاق، أنه سيدشن خرائط جديدة لتحالفات إقليمية جديدة، قد تفرض نفسها، على حساب توازن قوى كان يعمل لصالح دول المنطقة، في ظل الشراكة الاستراتيجية القائمة بينها وبين الولايات المتحدة. وهذه التداعيات ستكون لها حتماً مخاطرها الأمنية والسياسية والاقتصادية على الأمن الإقليمي في الخليج، وعلى الأمن الداخلي في دوله، وذلك إذا ما تمكنت إيران من أن تفرض نفسها كفاعل إقليمي ضمن منظومة أمنية جديدة مختلفة عن المنظومة الحالية. والعيب الواضح في دفاع أوباما يتمثل في أنه سعى إلى فصل المسألة النووية، عن سلوك إيران في المنطقة. وفي أحد مستويات المسألة يعتبر هذا -فصل المسألة النووية عن السلوك الإيراني- نهجاً قابلاً للفهم: فقبل أن تبدأ تلك المفاوضات حول برنامج الملف النووي بين إيران والدول الست الكبرى، وهي المفاوضات التي استغرقت زمناً طويلًا، وشهدت الكثير من التعثرات والتوقفات، كانت إيران بالفعل تمضي نحو أن تصبح على أعتاب التمكن من التحول دولة نووية، على رغم أنها قد أنكرت مراراً وتكراراً نيتها ذلك، وكانت تصر سياسياً وإعلامياً، على أن برنامجها النووي ذا أهداف سلمية بحتة، وليست له أهداف عسكرية أو جوانب سرية مخفية عن الوكالة الدولية للطاقة، وأن القيام بأية أنشطة نووية عسكرية أمر يتعارض مع العقيدة الدينية التي يلتزم بها النظام الإيراني الحاكم. كبْح مؤقت! يشار في هذا السياق إلى أن إيران كانت تمتلك 19 ألف وحدة عاملة من وحدات الطرد المركزي، وكانت على وشك امتلاك وحدات أكثر تقدماً مقارنة بتلك الموجودة لديها حالياً، كما كانت تمتلك 10 آلاف كيلو جرام من اليورانيوم المنخفض التخصيب، ومخزوناً إضافياً من اليورانيوم المخصب بدرجة قريبة من المستوى الذي يمكّنها من صنع قنبلة نووية. ولذلك سعى أوباما إلى وقف هذا البرنامج، قبل أن تتمكن إيران من إنتاج كمية كافية من المواد الانشطارية اللازمة لصنع قنبلة نووية، مما كان يهدد بإشعال فتيل سباق نووي في المنطقة لا يمكن لأحد أن يتنبأ بالمدى الذي يمكن أن يصل إليه. والنقطة المقنعة التي يمتلكها أوباما في دفاعه عن الاتفاق، هي أنه قد يوقف تقدم إيران النووي لفترة الـ15- 20 سنة القادمة، من خلال تحقيق خفض حاد في عدد وحدات الطرد المركزي العاملة لديها، وأيضاً من خلال الحد من كمية المادة الانشطارية لديها إلى 300 كيلوجرام فقط من اليورانيوم المنخفض التخصيب، كما أن الاتفاق يصرف إيران عن اتباع مسار محتمل تعتمد فيه على البلوتونيوم لإنتاج قنبلة نووية. استمرار أم انهيار؟ وإذا ما انهار هذا الاتفاق، يمكن عنذئذ لإيران أن تقوم بتشغيل وحدات الطرد المركزي الموجودة لديها بدون أي عوائق بغرض الوصول إلى النقطة التي تصبح عندها قادرة على تحويل اليورانيوم المنخفض التخصيب إلى يورانيوم عالي التخصيب، أي تلك التي تصبح عندها قادرة على صنع القنبلة النووية في أي وقت، إذا ما توافرت لديها الإرادة السياسية لذلك. في هذه الحالة فإن انهيار الاتفاق سيؤدي حتماً لانهيار نظام العقوبات الدولية المفروض على إيران، الذي سيسقط هو الآخر، وعندها ستوجه روسيا والصين اللوم للولايات المتحدة باعتبارها المتسببة في ذلك. وأولئك الذين عارضوا برنامج إيران النووي، سيتعين عليهم في هذه الحالة أن يقرروا ما إذا كان الأمر يستحق قصف منشآت إيران النووية أم لا، وهو أمر لو حدث فسيعني الدخول في حرب أخرى لا يمكن التنبؤ بما قد تؤدي إليه من تداعيات. ولتعزيز هذه الحجة، سيتعين على الإدارة الأميركية أن تفصح عن تفاصيل البرنامج المتعلق بالكيفية التي سيتم بها التحقق من التزام إيران التعهدات التي قطعتها على نفسها بموجب هذا الاتفاق. وعلى الكونجرس أن يحث البيت الأبيض، ويدفعه لتوضيح العديد من التفاصيل المقلقلة المتعلقة بهذا الأمر، والتي لم يتم الإفصاح عنها حتى الآن. تفاصيل مقلقة وأول هذه التفاصيل هو أنه على النقيض مما ادعاه أوباما في وقت سابق، فإن إيران لن تكون ملتزمة الاعتراف بأي جوانب مخفية لم تعترف بها سابقاً أمام مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، قبل إنهاء صفقة بشأن الجوانب العسكرية السابقة المتعلقة بالبرنامج. والموعد النهائي الجديد الذي سيقدم فيه المدير العام لوكالة الطاقة الذرية تقريره النهائي بهذا الخصوص سيكون في 15 ديسمبر القادم، ولكن ليس من الواضح ما إذا كانت إيران ستمنح المفتشين الدوليين حق مقابلة كبار علمائها العاملين في المجال النووي، وكذلك حق الدخول للمواقع العسكرية الحساسة أم لا. والتخفيف من العقوبات المفروضة على إيران منذ عدة سنوات، يعتمد على صدور تأكيد من الوكالة الدولية للطاقة الذرية، يؤكد أن طهران قد أوفت بالتزاماتها الرئيسية، وهو أمر لن يتم بالطبع ما لم تقم بتوضيح كافة النقاط الغامضة المتعلقة بماضيها المشكوك فيه. وثاني التفاصيل، أن أقل ما يمكن أن توصف به الآلية الخاصة بـ«إعادة نظام العقوبات مرة أخرى» إذا ما مارست إيران المماطلة والخداع في الالتزام بتعهداتها، هو أنها آلية شديدة التعقيد وبيروقراطية، إذ تنص على أن أي شكوى في هذا الصدد ستتم إحالتها إلى لجنة مشتركة مكونة من مندوبين من روسيا، والصين، وإيران، وبريطانيا، وفرنسا، وألمانيا والاتحاد الأوروبي، تكون مهمتها الاستماع إلى الشكاوي المقدمة في هذا الشأن. ضمان الاستقرار والخبر الجيد، هو أن اللجنة ستعمل بموجب قاعدة الأغلبية، بمعنى أن ليس بمقدور إيران، أو روسيا، أو الصين الحيلولة دون إعادة العقوبات إلى ما كانت عليه، إذا ما استدعى الأمر ذلك. ومع هذا، فمن الميسور بالنسبة لنا تخيل كيف يمكن لإيران المناورة، المرة تلو الأخرى، لإخراج هذه الآلية عن مسارها، وإنهاك المفتشين، كما حدث كثيراً من قبل. ولذلك كله، يتعين على مسؤولي الإدارة الأميركية تقديم الكثير من الشرح والتفسيرات للكيفية التي يمكن بها إرغام إيران على الالتزام بالسير في الخط المستقيم والمحدد والحيلولة بينها وبين أي خروج عن القواعد. ولكن -مع افتراض أن هؤلاء المسؤولين سيقدمون دفاعاً مقنعاً عن قضيتهم- فإن أوباما شخصياً ينبغي أن يكشف بوضوح عن الطريقة التي سيمكنه بها منع طهران التي تحررت من العقوبات، من السعي لإحداث المزيد من عدم الاستقرار في الشرق الأوسط، الذي يعج بالاضطراب. وفي الملاحظات التي أدلى بها في وقت مبكر في كلمة له عن الاتفاق قال الرئيس: «يجب أن تتوافر لدينا الرغبة والإرادة لاختبار ما إذا كانت هذه المنطقة راغبة حقاً في التحرك في اتجاه مخالف للاتجاه الذي تسير فيه حالياً أم لا»! وقال أوباما أيضاً إن الاتفاق قد وفر لإيران الفرصة «للسير في اتجاه جديد... بعيداً عن السياسة التي كانت تتبعها، والقائمة على التهديد بمهاجمة الجيران وإبادة إسرائيل ومسحها من على وجه الأرض» يشار في هذا السياق إلى أن قادة إيران قد أوضحوا مراراً وتكراراً أنه ليس لديهم أي نية لتغيير موقفهم المعادي تجاه أميركا وإسرائيل. ومن خلال تلويحه بآمال زائفة، فإن أوباما يقنع المنطقة بأسرها بأنه إما رئيس ساذج، لا يدري ماذا يفعل، أو أنه رئيس مؤيد لإيران في الخفاء! سلوك طهران وفي الآن ذاته، نجد أن إيران هي الداعم الرئيسي لبشار الأسد، كما أنها تدعم المليشيات الشيعية في العراق التي تستهدف السُّنة وتدفع ممارساتها بعضهم إلى أحضان «داعش». وهكذا، فإنه وبعيداً عن أن تكون شريكاً موثوقاً للجهود الأميركية المستقبلية الرامية للحد من خطورة «داعش»، فإن سياسات إيران المتمحورة حول دعم الشيعة في الأساس الأول، ستضمن أن استراتيجية الولايات المتحدة الحالية المتبعة إزاءها ستخفق حتماً. وعلى أوباما أن يشرح لنا لماذا خضع، وقبل بمادة تنص على رفع الحظر المفروض على توريد الأسلحة لإيران في غضون خمس سنين، ورفع الحظر على بيع الصواريخ البالستية خلال ثماني سنوات. كما أن عليه أيضاً أن يشرح كيف ينوي أن يقنع إيران بأنه ليس الرئيس الساذج الذي يمكنها استغلاله، كيفما شاءت. دعاوى غير مقنِعة.. وحقائق على الأرض ما لم ينزع أوباما الغشاوة عن عينيه، قد يشجع هذا الاتفاق إيران على أن تصبح أكثر عدوانية في المنطقة بسبب الإمكانيات المالية الهائلة التي ستتوافر لها بعد رفع الحظر والعقوبات المفروضة عليها، وهو ما قد يغريها بزيادة تدخلها في شؤون الآخرين، وتقديم المزيد من المساعدة والدعم للفصائل والأحزاب المتطرفة التي تتبناها في المنطقة. وبالتداعي سيؤدي ذلك إلى تشجيع الدول الإقليمية الأخرى على البدء في تطوير برنامج نووي خاص بها في محاولة منها لمعادلة قوة إيران في هذا الشأن، علماً بأن بعض تلك الدول قد أعلن صراحة عن نيته تطوير برامج نووية. والخلاصة النهائية أنه: ليس بمقدور أوباما تقديم حجج مقنعة للدفاع عن الاتفاق النووي مع إيران ما لم يتمكن أولاً من ضبط سياسته بشأن الشرق الأوسط كله، وجعلها متوافقة مع الحقائق على الأرض، وهي حقائق ليست هناك الآن جدوى من إنكارها، من الأساس. العيب الواضح في دفاع أوباما عن الاتفاق يتمثل في أنه سعى إلى فصل المسألة النووية عن سلوك إيران في المنطقة ترودي روبن* ترجمة: سعيد كامل * كاتبة ومحللة سياسية أميركية ينشر بترتيب خاص مع خدمة «تريبيون نيوز سيرفس»