صحيفة الاتحاد

الإمارات

«المدينة المستدامة».. خطوة واعدة صوب العمارة الخضراء



عندما تتوقف عند مدخل «المدينة المستدامة» الواقعة بمنطقة «دبي لاند»، تشعر وكأنك أمام منطقة أخرى بخصائص مختلفة عن محيطها..السيارات التقليدية لا تتجاوز مدخل المدينة، على أن يتم التحرك بين أرجائها بعربات «جولف»، فيما استعدت المدينة للجيل الجديد من السيارات الكهربائية بمحطة لشحن هذا النوع من المركبات.



ألواح الطاقة الشمسية تغطي الفلل لتنتج 50? من إجمالي ما تستهلكه من طاقة كهربائية. (القباب البيولوجية) أو الصوب الزراعية تتوسط الفلل، لتنتج الغذاء للسكان عبر منتجات زراعية عضوية.

وتمتد قناة مائية داخل المدينة لتوفر بيئة طبيعية تنمو فيها الطيور الداجنة وطيور الزينة، وتتوزع على جانبيها الأشجار المثمرة. مركز اللياقة البدنية ينتج طاقة عبر ما يتم استخدامه من أجهزة رياضية، والمياه المستخدمة داخل المباني يتم تدوريها وإعادة استخدامها لري المساحات الخضراء، إضافة إلى نظام واضح لفرز النفايات. المشروع من إنشاء وإدارة «دايموند ديفلوبرز»، ويمكن اعتباره خطوة مهمة على أرض الواقع لنقل العمارة المستدامة في القطاع العقاري الخاص من مجرد طموح وأفكار مثالية إلى خطوات عملية، قابلة للتطوير والتجديد.

يضم مشروع مدينة دبي المستدامة 500 فيلا وتاون هاوس، وتعمل مع شركائها الأكاديميين من جامعات عربية وعالمية على نشر ثقافة الاستدامة والمسؤولية البيئية بين طلبة المدارس والجامعات، كما سيتم إنشاء مدرسة بيئية تطبق أعلى معايير ومستويات التدريس العالمية تتسع لـ600 طالب وطالبة، وأكاديمية لتعليم ركوب الخيل.

كما يضم المشروع سوقاً تجارياً مستوحى تصميمه من الأسواق الإماراتية القديمة، ونادياً صحياً متكاملاً يراعي كل أصول البيئة والاستدامة، ومرافق للرياضات الخارجية ومضمارين لركوب الخيل، والدراجات الهوائية بطول أربع كيلومترات لكل منهما.

ومن المتوقع أن يصل عدد سكان المدينة إلى 2,500 نسمة. تستحوذ المساحات الخضراء على مساحة 60 بالمئة من إجمالي مساحة المشروع، 50 بالمئة منها للزينة، والجزء الآخر أشجار مثمرة تتضمن حديقة لممارسة الأنشطة المجتمعية، ومزرعة عضوية لتزويد سكان المدينة بجزء كبير من احتياجاتهم الغذائية، كما سيتضمن كل منزل حديقة عضوية صغيرة، وميزة استخدام عربات الجولف التي تعمل بالطاقة المتجددة لاستخدامها للتنقل بين مرافق المدينة.

يحتوي مشروع مدينة دبي المستدامة على نظام فصل بين المياه السوداء، والرمادية ومعالجة الرمادية منها لإعادة استخدامها في المدينة.



«الاتحاد» حاورت القائمين على المشروع، وخرجت بخلاصات من بينها: أن فكرة «المدينة المستدامة»، حسب وسيم عدلوني، نائب الرئيس وعضو مجلس إدارة «دايموند ديفلوبرز» جاءت بعد بحث عميق في الأحوال البيئية، والاستهلاك المفرط للموارد، الأمر الذي يولد ضغطاً هائلاً على مقدّرات الأمم والشعوب، ويستنزف الموارد الطبيعية.

الفكرة تشكلت كتصميم متكامل يراعي جميع العوامل الاجتماعية والاقتصادية والبيئية، وعند تصميم المدينة كان لابد من دراسة جميع النماذج العالمية السابقة، لذلك تم زيارة بعضها، والتعرف عليه عن قرب، والاستفادة منه للوصول إلى تصميم متكامل يجمع كل هذه الحلول تحت سقف واحد.

تصاميم ذكية وحلول موفرة للطاقة

صحيح أن الظروف المناخية في دبي، بما فيها من جفاف وارتفاع في درجات الحرارة والرطوبة قد تكبح الاستثمار العقاري في هذا النوع من المدن، لكن للابتكار الهندسي قولاً آخر، فالعوامل المذكورة تمثل تحديات للبيئة العقارية، لكن التصميم المستدام يكمن في إيجاد الحلول والابتكارات الملائمة لطبيعة المكان، والتي تستفيد من موارده، المناخ في دولة الإمارات يمدنا بطاقة نظيفة من أشعة الشمس طوال السنة، وهو مالا يمكن تحقيقه في أماكن أخرى حول العالم، لذلك يكمن نجاح أي تصميم في مراعاة البيئة المحيطة والاستفادة منها.

في «المدينة المستدامة» يتم الاعتماد على التصاميم الذكية للمنازل، إلى جانب تطبيق الحلول الموفرة للطاقة، مثل المواد العازلة والعاكسة للحرارة وسخانات المياه الشمسية والتجهيزات المنزلية التي تعتمد على توفير الطاقة، بما في ذلك الثلاجات والغسالات والإضاءة. وستسهم هذه الحلول في تخفيض نسبة استهلاك الطاقة بنسبة 50% في المنازل، وبالتالي ستحد من الانبعاثات الكربونية، والآثار السلبية الأخرى التي تلحق بالبيئة.



الاعتبارات الثقافية.. البراجيل والأفلاج

اللافت أن تصميم المدينة يراعي الاعتبارات الثقافية في إمارة دبي، حيث تحاكي بعص التصميمات داخل المدينة نمط الأحياء القديمة مثل (حي البستكية) مثلاً، ويقول وسيم عدلوني: راعينا في مشروع المدينة المستدامة القيم الثقافية في الإمارات والمنطقة، من خلال دمج التصاميم والحلول التراثية مع المعاصرة ليظهر المشروع بشكله النهائي، حيث تم تصميم الأحياء السكنية بسكك ضيقة، وإضافة أبراج الرياح «البراجيل»، وهو النمط المعماري السائد في البيوت التقليدية بدولة الإمارات والمنطقة، كما تم إضافة الأفلاج كجزء من نظام الري في مزرعة المدينة المستدامة ودمجها مع حلول الري الحديثة والصديقة للبيئة.

هذا المشروع الواعد، يقول وسيم عدلوني، يمكنه الترويج لثقافة عقارية جديدة تبحث أولاً عن البعد البيئي والمعايير العالمية في الاستدامة بدلاً من المبالغة في الرفاهية. الاستدامة الحقيقية تراعي العوامل الاجتماعية والاقتصادية وليست البيئية فقط، وهذا يعني تطوير بيئة آمنة، صحية وسعيدة للسكان تضمن رفاهية العيش من دون إضافة أي عبء اقتصادي.

في المدينة المستدامة، يحصل السكان على كل المميزات التي يمكن تسميتها «صديقة للبيئة»، مثل الطاقة النظيفة والمتجددة، ونظام فصل المياه الرمادية والسوداء، وإعادة تكرير المياه لاستعمالها في عمليات ري المساحات الخضراء، والقباب البيولوجية والزراعة الداخلية، والتنقل المستدام بالعربات الكهربائية مع مميزات اقتصادية تشمل إعفاء تام من رسوم الخدمات، بالإضافة إلى تخفيض كبير في قيم فواتير المياه والكهرباء. كل هذا مع مرافق اجتماعية ورياضية ونشاطات تعليمية وترفيهية لخلق مجتمع مترابط، صحي، آمن وسعيد.

نحو جيل يدرك قيمة الاستدامة

سكان المدينة يمكن اعتبارهم «عرابي» الاستدامة في مجتمع دبي، أو سفراء لهذا التوجه العالمي، ما يعود بالنفع على المجتمع من خلال تنشئة جيل يدرك معنى وقيمة الاستدامة، وضمن هذا الإطار، يقول وسيم عدلوني، تتاح لهم فرصة اختبار حياة مستدامة متكاملة وصحية للمرة الأولى، ولأننا راعينا جوانب الاستدامة الاقتصادية والاجتماعية في التصميم، فإن ذلك ساهم في خلق بيئة مثالية للعائلات لتطبيق ممارسات بسيطة في حياتهم اليومية، مثل فرز النفايات، واستخدام العربات الكهربائية والحصول على بعض الخضراوات والفواكه من المزرعة مباشرة،، هذه الممارسات يتم غرسها بشكل طبيعي في الأطفال لتصبح جزءاً من حياتهم اليومية، كما تجعل من هؤلاء الأفراد سفراء للاستدامة خارج أسوار المدينة، لذلك حرصت المدينة المستدامة على بناء مدرسة ومركز ابتكار ليساهم في نقل هذه الثقافة والمعرفة للجميع، وجعلها أسلوب حياة للأجيال القادمة.

كما أن اختيار المدينة المستدامة كأسعد منطقة سكنية في الخليج جاء دليلاً على أن الاستدامة تساهم في خلق مجتمع صحي وسعيد من دون إهدار الموارد الطبيعية.

ويرى وسيم عدلوني أن دبي تُعد من أكثر المدن إقبالاً على تطبيق معايير حماية البيئة وتوظيف التقنيات المباني الخضراء، بل وهناك الكثير من المطورين الذين يتطلعون إلى توظيف الحلول الاستباقية.

المدينة المستدامة منذ اليوم الأول فتحت أبوابها لجميع المهتمين لزيارة المدينة والتعرف على تصميمها عن قرب، والاستفادة من هذه التجربة للارتقاء بمعايير الاستدامة في الإمارات والمنطقة.

وساهمت رؤى حكومة دبي في إلهام هذا المشروع، خاصة ما يتعلق بخطط الإمارة المستقبلية في تقليص البصمة الكربونية وزيادة الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة، حيث يتماشى مشروع المدينة المستدامة مع رؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي &ndash «رعاه الله»، ومع محاور خطة «دبي 2021» لإتاحة فرص السعادة الحقيقية للمقيمين والزوار. وتتناغم المدينة أيضًا مع استراتيجية الإمارات للطاقة 2050 بما يضمن التوازن بين الاحتياجات الاقتصادية والأهداف البيئية، وضمان استدامة النمو في اقتصاد الدولة.

سيصل عدد الألواح الشمسية في المدينة إلى 40 ألف لوح موزعة على سطوح المنازل والمباني ومواقف السيارات، وستنتج ما يصل إلى 10 ميجا واط من الطاقة عند انتهاء أعمال التشغيل لـ500 فيلا سكنية بالطاقة النظيفة والمتجددة. وتمثل كمية الطاقة المنتجة ما يعادل 2000 ميجا واط ساعة سنوياً، الأمر الذي سيسهم في الحد من الانبعاثات الكربونية بواقع ألف طن سنويًا.

وعن مدى قدرة «المدينة المستدامة» على إنتاج الغذاء، وتوفير احتياجات قاطنيها من الخضراوات والفاكهة، يقول وسيم عدلوني، تبدي المدينة المستدامة اهتماماً عالياً إزاء المحافظة على المساحات الخضراء ورعاية مكوناتها بشكل مستمر، وتمثل هذه المسطحات 60% من المساحة الكلية للمدينة، بما في ذلك الحدائق والمزارع التي توفر المنتجات العضوية لتلبية الحد الأدنى من غذاء السكان.

ويحيط بالمدينة حزام أخضر يتكون من 100 ألف شجرة تتنوع بين الغاف والنخيل على طول 8 كيلومترات داخل، وفي محيط المدينة التي تستوعب أكثر من 500 عائلة.



تحتوي المدينة على مزرعة داخلية لزراعة الخضراوات والفواكه والأعشاب، مثل الحمضيات والمانجو والبابايا والرمّان والتين. كما تتضمن11 قبة بيولوجية مزودة بتهوية طبيعية بارتفاع 7 أمتار، تبلغ مساحة كل منها 300 متر مربع، وتستخدم لزراعة الأعشاب والخضار والفواكه، وتعطى أولوية الإنتاج لسكان المشروع، ويباع فائض الإنتاج في سوق داخل المشروع.

ويؤكد عدلوني أن هذا المشروع دليل على أن تكلفة بناء المشاريع المستدامة موازية لتكلفة البناء العادي، مع إضافة فرص التوفير على المدى البعيد، ما ينعكس أيضاً على أسعار الوحدات السكنية الأخرى، فالمشاريع المستدامة لا تشكل أي عبء مادي أو تكاليف إضافية على السكان، بل تحقق فرص توفير في مصاريف التشغيل والصيانة. يمكن تطبيق هذه الحلول المستدامة على أي مشروع أو مبنى من أي حجم، ونعمل حالياً على بناء مشروع جديد يوفر شققاً سكنية بأسعار معقولة وبمواصفات مماثلة للفلل الموجودة في المدينة المستدامة، كمصادر للطاقة المتجددة، وإعادة تدوير المياه والنفايات، ومحطات شحن السيارات الكهربائية وغيرها.

«الاتحاد» حاورت كرم حميدة، أحد سكان المدينة، وهو مدير عام شركة لمواد البناء، الذي رجح اختياره «المدينة المستدامة» لأسباب، أولهما، اقتصادي، حيث يستفيد من توفير تكلفة فاتورة الكهرباء والمياه، ذلك لأن فيلا بمساحة 3500 قدم مربع، تستهلك فاتورة طاقة أقل من ثلث استهلاك المساحة ذاتها في الفلل العادية، والسبب يعود لاستخدام الطاقة الشمسية، والاعتماد على أجهزة كهربائية تعد الأكثر توفيراً للطاقة، أو من فئة 5 نجوم، ويستطيع الساكن أيضاً توفير مصروفات الصيانة.

وثانيهما الشق الاجتماعي، والمتمثل في توافر مرافق رياضية وخدمية داخل المدينة، وناد للفروسية، ومن المقرر تشغيل مدرسة العام المقبل، وافتتاح فندق 5 نجوم، ناهيك عن وجود 9 مطاعم ومنافذ بيع بالتجزئة. كما أن أهم الأسباب تكمن في المساهمة في الحفاظ على البيئة، من خلال تدوير ما يتم استهلاكه من مياه داخل المدينة بنسبة 100 % والالتزام بفرز النفايات بشكل دقيق.

ولفت «حميدة» الانتباه إلى استخدام مضخة لماء الأوزون تم تشغيلها الصيف الماضي كي يستخدمها السكان في تنظيف الأدوات المنزلية دون استخدام منظفات كيمياوية، ما يحد من تلوث المياه، علماً بأن الأوزون المستخدم في هذه المياه يتحلل تلقائياً بعد قرابة ثلاث ساعات دون أي أضرار بيئية.


يتبع...