«النزعة النقدية criticisme هي سوء إدراك: إذ إن علينا أن نقرأ، لا لكي نفهم الآخرين، بل لكي نفهم أنفسنا». شيوران *** ليس النقد وجهاً من وجوه الفكر أو مرحلة من مراحله، إنه جوهره وروحه. منذ الثورات الإبيستمولوجية المختلفة غدا الفكر نقداً، لنقل بالأحرى إنه لم يعد إلا نقدا وانفصالا وتقويضا وحفراً وتفكيكاً. *** النقد الأيديولوجي يتجاوز بكثير سيكولوجيا المعرفة ومناهج العلوم، بل وحتى «نظرية المصالح». الأيديولوجية تقوم على افتراض ضلال كوني، وعلى انغراس الإبداع البشري في الجذور التاريخية. يرفع هذا عن المبدع قسطاً كبيراً من «المسؤولية» ليجعله هو نفسه مفعولاً أكثر منه فاعلاً. *** النقد الأيديولوجي هو دوما نقد كليّ يحشر المبدع ضمن رؤية وتيار و«نظرة إلى العالم» تضمّ المؤلفات والمؤلفين وتفكر بهم وتذيبهم في نسيجها. *** ليس الناقد صيْرفيّاً يزن العمل بمعيار الصواب والخطأ، وهو ليس قاضياً يدافع عن الحقيقة «كل الحقيقة»، فينزل بضرباته العنيفة على كل من سوّلت له نفسه الزيغ عن «الطريق»، والحيد عن الصّواب لسبب أو لآخر. *** لا يقابل النقد حقيقة بحقيقة، وإنما يحفر النصّ، لا ليحاسب فاعلا هو المسؤول عنه، وإنما ليجعل النصّ في «بعد عن ذاته»، ويكشف فراغاته، ويحلل لاشعوره، ويفضح لا مفكره، كي يكشف عن فعل التاريخ فيه. *** ليس الإبداع فحسب مهارات فردية تتحدد بنوايا أصحابها وقدراتهم النفسية، وحنكتهم وتمكّنهم من المعرفة، وقدرتهم على الإطّلاع، وتطويعهم للكتابة، وصدقهم الأخلاقي، ونزاهتهم العلمية، وإتقانهم للتأليف. *** في مجال الفكر، لا قيمة كبرى لأسماء الأعلام، ولا معنى محددا للملكية. «يد ثانية» تظل ثاوية دوماً خلف كل إبداع. وعَى المؤلف اليوم، على الأقل حياده، إن لم نقل موته. إنه أول من غدا يشعر بقصور فعله وحدود عمله، بل بقصوره هو وحدوده هو أمام عملـ«ه». *** قوانين الفكر، بما هي قوانين الجدل، هي قوانين الوجود. تاريخ الوجود يرقى إلى اللغة في ما يقوله المفكرون وما يرسمه المبدعون. ليست أفكار المفكر إلا صدى لذلك التاريخ. الفكر مجهول الاسم، فاعله مبني للمجهول. يُفَكَّر في الوجود. *** ليس الفكر قدرة على استحضار المعاني وتمثلها المباشر، وليس الضلال والخطأ عثرات فكر فردي بإمكان منهج سليم أن يجنّبه إياها. *** كل حقيقة هي دوماً ما كان ينبغي أن نعتقده، وليس ما ينبغي علينا اعتقاده. بلوغ حقيقة لا بدّ وأن يصاحبه نوع من «النّدم الفكري» على حدّ قول باشلار. *** فعل الكتابة هو دوما فعل مبنيّ للمجهول، وتوقيع النص هو دوما باسم مستعار. *** ليس هناك نصّ أصل، ونصوص شارحة أو معلقة. وإنما هناك تعليق (ça commente)، أو ربما ليس هناك إلا التعليق. *** كتب بورخيس: «كل مرة أقرأ فيها مقالاً ينتقدني أكون متفقا مع صاحبه، بل إنني أعتقد أنه كان بإمكاني أن أكتب أنا أحسن من ذلك المقال بنفسي. ولربما كان علي أن أنصح أعدائي المزعومين بأن يبعثوا إلي بانتقاداتهم، قبل نشرها، ضامنا لهم عوني ومساعدتي، وكم وددت أن أكتب باسم مستعار مقالا قاسيا عن نفسي». *** الإبداع «نشأة مستأنفة»، نشأة تستعين بأياد متعددة متباينة لنسج نصّ لا يفتأ يكتب ويستنسخ ويتناسخ. *** كل كتابة هي كتابة فوق كتابة، كل كتابة طرس شفاف. كأن النصوص تكتب ذاتها. *** أجناس الخطاب وأنواعه هي التي تملي على الكاتب «قواعد» التأليف ونماذجه وصوره. الناقد والمؤلف مفعولان لشيء يتجاوزهما، يكتب بهما قد يكون هو الجنس الأدبي، بل قد يكون اللغة ذاتها. *** كتب ر. بارث: «أن أكتب معناه أن أبلغ عن طريق محو أولي لشخصي، تلك النقطة التي لا تعمل فيها إلا اللغة، وليس «أنا»». *** لا تفتأ المعاني تجيء صوبنا في الوضوح الغامض لما سبق أن قيل، فتجعل كل بداية تكرارا لما لا يفتأ يجيء دون أن يحضر قط، ويجعل كل من يتناول الكلام ليس «ذلك الشخص الذي يأتي منه الخطاب»، وإنما مجرد «فجوة رهيفة في مجراه العرضي» (فوكو).