الاتحاد

عربي ودولي

"مدفوعات سرية" بالملايين لعملاء قطر في أميركا !

جانب من التقرير

جانب من التقرير

دينا محمود (لندن)

كشفت مصادر إعلامية أميركية النقاب عن أن حجم الأموال التي بددتها قطر في الساحة الداخلية بالولايات المتحدة، منذ مقاطعة الدول الأربع (السعودية والإمارات والبحرين ومصر) في يونيو 2017، تفوق ما كان معلناً بكثير، وذلك بعدما أجبر عدد من أبرز عملاء «نظام الحمدين» في أميركا على الإفصاح عن المبالغ الهائلة التي تلقوها من الدوحة على مدار الشهور الـ 18 الماضية. وقالت مجلة «تابلت» إن تلك المعلومات تثبت أن مؤامرة قطر لتبييض سجلها الأسود في أروقة دوائر صنع القرار كانت أوسع نطاقاً وأكثر تعقيداً مما كان يعتقد من قبل.
وأوضح تقرير أعده الصحفي أرمين روسن، أن المعلومات التي كشفت حديثاً عن حملات الدعاية القطرية المشبوهة مستقاة من أوراق رسمية قدمت لوزارة العدل الأميركية من جانب اثنين من كبار عملاء الدوحة في واشنطن، هما نيكولاس ميوزِن وجوزيف اللحام اللذين عملا لصالح النظام القطري منذ الأسابيع الأولى لفرض المقاطعة العام الماضي. وأشار إلى أن الوثائق المؤرخة بتاريخ 26 أكتوبر الماضي، تظهر أن ميوزِن (ناشط يهودي متشدد ومساعد سابق لعضوي مجلس الشيوخ الأميركي تيد كروز وتيم سكوت)، اعترف بموجب قانون الوكلاء الأجانب الساري في الولايات المتحدة منذ عام 1938، بأنه حصل من قطر على مدفوعات إضافية تقدر بـ 3.9 مليون دولار مرتبطة بجهوده الدعائية المثيرة للجدل لصالح هذا البلد وحملاته لحشد الدعم لتوجهاته بين الشخصيات المرموقة على الساحتين السياسية والاقتصادية في أميركا. والمعروف أن ميوزِن كان ارتبط بتعاقد مع النظام القطري اعتباراً من صيف 2017، عبر شركة «ستونينجتون ستراتيجيز» المملوكة له مقابل تقاضي 50 ألف دولار شهرياً، تمت زيادتها إلى 300 ألف اعتباراً من نوفمبر من العام نفسه، ودفع نحو 150 ألفاً منها لمتعاقدين من الباطن. لكن «تابلت» أشارت في تقريرها إلى أن المدفوعات الجديدة سجلت لحساب شركة أخرى يملكها الناشط الأميركي اليهودي الذي يرتبط بعلاقات وثيقة مع غلاة الشخصيات الأميركية المؤيدة لإسرائيل. وتحمل الشركة الأخرى اسم «بلو فورت بابليك ريلاشينز»، وتكشف أوراق تأسيسها عن أنها شركة خاصة دشنت في قطر ولها مكاتب في واشنطن ولندن.
ويتمثل الهدف الظاهري للشركة، حسبما قالت المجلة في تقريرها، في تعزيز فرص الشركات الخاصة والمستثمرين القطريين في الحصول على فرص تجارية واستثمارية في الولايات المتحدة، لإخفاء أغراضها الحقيقية المتمثلة في تحسين صورة قطر أمام الرأي العام الأميركي. وكشف التقرير عن أن هذه الشركة المشبوهة حولت أموالاً إلى جوزيف اللحام، وهو رجل أعمال من أصل سوري عمل سراً لحشد الدعم لـ«نظام الحمدين» خلال الشهور الماضية دون استيفاء الإجراءات القانونية اللازمة للعمل بهذه الصفة داخل الولايات المتحدة، قبل أن يضطر إلى تسجيل نفسه لدى وزارة العدل الأميركية كـ «عميل أجنبي ممثل لقطر» بأثر رجعي، بعدما افتضح أمر تقاضيه أكثر من ثلاثة ملايين دولار من نظام تميم بن حمد على مدار 10 شهور.
وبالإضافة إلى هذه المبالغ التي كانت معروفةً من قبل، قالت «تابلت» إن اللحام حصل من الشركة المملوكة لميوزِن على 2.3 مليون دولار تم تحويلها لحساب شركته التي تحمل اسم «ليكسنجتون ستراتيجيز»، خلال شهري سبتمبر وأكتوبر من العام الماضي. وأشار تقرير المجلة المرموقة إلى أن اللحام لم يقر في الوثائق التي قدمها للسلطات الأميركية في يونيو الماضي سوى بتقاضيه 1.45 مليون دولار من الدوحة مقابل المشاركة في حملة الدعاية السوداء الخاصة بها.
وأبرز التقرير وجود الكثير من الشبهات والثغرات في الوثائق التي تلقتها السلطات الأميركية حول أنشطة ميوزِن واللحام لصالح قطر، ومن بينها أن الموقع الإلكتروني الخاص بـ «بلو فورت بابليك ريلاشينز» لا يتضمن سوى معلومات محدودة للغاية عن الشركة وعملائها ومديريها وأنشطتها ولا يذكر أرقاماً لهواتفها. وبجانب ذلك، فإن المقر الخاص بتلك الشركة في واشنطن لا يمثل سوى ما يمكن تسميته «مكتباً افتراضياً» يمكن استئجاره بمبلغٍ مبدئيٍ لا يتجاوز 80 دولاراً في الشهر، أما العنوان الخاص بمكتب لندن فعبارة عن مقر تشغله شركات أخرى أيضاً، وتعلن عن تقديم خدمات توفير «مكاتب افتراضية» للشركات التي تحتاج إلى ذلك.
وأضافت المجلة أن مكتب شركة ميوزِن في الدوحة ما هو إلا مقرٌ مشترك مع شركة هندسية سبق أن حصلت على عقود خاصة بتنظيم بطولة كأس العالم لكرة القدم المقرر إقامتها في قطر 2022. وخلصت «تابلت» للقول إن الوثائق التي قُدِمَتْ لوزارة العدل الأميركية قبل شهرين، تؤكد أن الأموال التي أغدقها «نظام الحمدين» على هذيْن الرجلين كانت أكبر كثيراً مما كان معروفاً لدى المسؤولين في واشنطن. وأشارت إلى أن هذه الأوراق تكشف النقاب كذلك عن «الحجم الحقيقي للعمل الذي أداه ميوزِن واللحام لصالح قطر. فلم يقتصر ما ورد في الوثائق الرسمية، بحسب المجلة، على ما دفع لهما من أموالٍ، وإنما شمل كذلك قوائم تتضمن أسماء شخصيات بارزة في قطاعات التمويل والعقارات والطاقة في الولايات المتحدة. ومن بين هذه الأسماء مارتِن أولينر رئيس منظمة «الصهاينة المتدينون في أميركا «وهو كذلك مديرٌ تنفيذي لشركة «فيرست لنكِن هولدينجز»، والذي رتِبَتْ له زيارةٌ إلى الدوحة في مطلع العام الجاري.
وأكدت «تابلت» في تقريرها أن لميوزِن واللحام تاريخاً معقداً مع قطر، في ضوء أن سلطات هذا البلد المنبوذ استعانت في البداية بأولهما لترتيب اجتماعاتٍ بين تميم بن حمد وقادة اللوبي الصهيوني في أميركا على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة العام الماضي في نيويورك. وأشارت إلى أن ميوزِن واجه صعوبات في هذا الصدد، ولكنه نجح بعد ذلك في ترتيب زيارات لمجموعة من القيادات اليهودية الأميركية إلى الدوحة بدعوة من القصر الأميري. ومن أشهر الأسماء التي شملتها تلك الزيارات التي تحملت تكاليفها بالكامل السلطات الحاكمة في قطر كل من المحامي البارز في مدينة نيويورك آلان إم. دورشويتز، ومورتون كلاين رئيس المنظمة الصهيونية لأميركا، بجانب مايك هاكابي الحاكم السابق لولاية أركنساس، والذي يُعرف بأنه من أشد أنصار الأنشطة الاستيطانية الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة، كما كان كذلك أحد المتنافسين على نيل بطاقة ترشيح الحزب الجمهوري في انتخابات الرئاسة التي أُجريت في الولايات المتحدة لعام 2008.
كما شارك ميوزِن في حملة الضغوط التي مورست على النظام القطري لإجباره على عدم بث فيلمٍ وثائقيٍ أعدته قناة «الجزيرة» عن عددٍ من التنظيمات اليهودية التي تتخذ من واشنطن مقراً لها، عبر زرع صحفي متخفٍ عَمِل في هذه المنظمات لعدة شهور، مما مَكَّنَهُ من تصوير بعض العاملين فيها، والاطلاع على ملفاتٍ خاصة بها. وكشفت «تابلت» عن أن الضغوط التي تعرض لها نظام تميم في هذا الصدد شملت تهديدات من جانب أعضاء في الكونجرس بفتح تحقيقٍ حول أنشطة القناة القطرية الموصومة بدعم الإرهاب وترويج الأكاذيب، وكذلك بحث إمكانية إجبارها على أن تُوضع في إطار وسائل الإعلام المُدارة من جانب حكومة أجنبية، والتي تخضع لقانون الوكلاء الأجانب في أميركا. وكان من شأن اتخاذ هذه الخطوة فرض قيودٍ على قدرة «الجزيرة» على الوصول إلى مسؤولين أميركيين ومنشآت في داخل البلاد، مما سيفضي إلى تقييد أنشطتها في الولايات المتحدة في نهاية المطاف.

اقرأ أيضا