الاتحاد

منوعات

الجـناح السعودي.. استدعاء للثقافة التراثية

إقبال من مختلف الجنسيات على زيارة الجناح السعودي (تصوير حميد شاهول)

إقبال من مختلف الجنسيات على زيارة الجناح السعودي (تصوير حميد شاهول)

أشرف جمعة (أبوظبي)

ازدهى جناح المملكة العربية السعودية بالعديد من المنتجات التقليدية المصنوعة بطريقة يدوية، واستطاع أن يجذب الكثير من الزوار، خصوصاً أن المعروضات اكتست بالطابع الشعبي الأصيل، فالمملكة غنية بالحرف والصناعات التي تستحضر قدرة الحرفيين الفنية، فهي مظهر أصيل يبرز إبداعات تعبر عن نمط المعيشة، وقد برز الجناح السعودي ليرسخ حياة الماضي ويسهم في استدعاء الثقافة التراثية بمهرجان الشيخ زايد التراثي بمنطقة الوثبة في أبوظبي، الذي يقام برعاية كريمة من صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، وتوجيهات ودعم من صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، وبإشراف ومتابعة سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير شؤون الرئاسة.
عبر حركة نشطة ومحاولة تتسم بالجدية كانت مها الرويس مشرفة جناح المملكة العربية السعودية في المهرجان تتابع معروضات الدكاكين الشعبية، وتشارك في رسم لوحة لتتسق هذه الدكاكين في مظهرها المعبر، وعن ذلك تقول: للسنة الرابعة على التوالي يشارك جناح المملكة بإشراف الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني، متمثلةً في برنامج «بارع للحرف والصناعات اليدوية» في هذا المهرجان، الذي يعد أيقونة تراثية ورحلة إلى أزمان مضت تستعيد وجودها على أرض الحاضر، حيث يحتضن حضارات وثقافات من مختلف أنحاء الدنيا وهو يعمق روح الماضي، ويمنح الزوار فرصة للتزود الجمالي بإيقاع مختلف على أنغام الموروثات العالمية.

نماذج ملهمة
ولفتت الرويس إلى أن مشاركة المملكة عبر وجود عدد من المعلمين الحرفيين، تبرز الحرف والصناعات اليدوية، التي تعبر عن مناطق المملكة المختلفة، خصوصاً أن هناك نحو 44 حرفة مسجلة، وفي كل عام يتم اختيار بعض منها، لكي يتفاعل معها الزوار، حيث العودة إلى منبع الحضارات القديمة ومن ثم الاستفادة من النماذج الملهمة في الماضي والحاضر، والانطلاق نحو المستقبل، مشيرة إلى أن هذه الصناعات والحرف غنية في المملكة، وأن الاهتمام بها بهدف الحفاظ عليها أسهم في توفير فرص عمل، كون المعلمين يعملون على تدريب الشباب الذين فور إتقانهم لها يندمجون في مشروعات تسهم في إنعاش الحركة التجارية والسياحة ويزيد من مستوى الخبرات.
وتبين الرويس أنه من أبرز الحرف، التي يشارك بها الجناح هذا العام، الخوص وصناعة الأقفاص والكراسي الشعبية من جريد النخل والحرف والنجارة التقليدية المرتبطة بالنحت على الأخشاب والجبس عبر مجسمات تشع بالزخارف وصناعة الإكسسوارات التقليدية والحلي القديمة والخياطة والتطريز والثوب العسيري وهو زي خاص معروف في بعض مناطق المملكة، فضلاً عن منتجات أصيلة تتمثل في الدهن وماء الورد والعطور والبخور، بالإضافة إلى حرف أصيلة مثل السدو التقليدي والمبتكر، حيث جرت العادة مؤخراً على تقديم هدايا ودروع مصنوعة عبر السدو للضيوف في المناسبات، موضحة أن الحرف والصناعات اليدوية ازدهرت قبل ظهور الإسلام وبعده ومن ثم تتابعت جيلاً بعد جيل.

صناعة الخوص
في مدخل الجناح السعودي، كانت موزة أحمد جاسم المرزوقي تعمل بدقة فائقة على التشكيل بالخوص، فمنذ 40 عاماً، وهي تحافظ على الحرفة التي اكتسبتها من العائلة، ولم تزل تشارك بها في المهرجانات التراثية، ولفتت إلى أنها تستخدم أدوات تقليدية في أثناء صناعة الخوص، وتنتج العديد من القطع التي كانت ولا تزال تستخدم في البيوت مثل قرطلة التمر، الكبوس والمنسف والحصير، لذا علّمت نحو ثمانية من بناتها، وهي سعيدة بالمشاركة في المهرجان، خصوصاً أنها تعرض نماذج من الحرف اليدوية الأصيلة، عبر هذه المهنة التي تحتاج إلى صبر ومن ثم قدرة خاصة على التشكيل بالخوص.
وترى أن المهرجان يحظى بسمعة عالمية، وأنه بالفعل منارة لالتقاء الثقافات الشعبية، لذا تحرص على التفاعل مع الزوار، وتشرح لهم ما تيسر عن تاريخ هذه الحرفة التي لا تزال تحتفظ بوهجها في المملكة، نظراً للعناية الكبيرة بالموروث، فهي تنقل للأجيال الجديدة أسرار هذه الحرفة، خصوصاً أن منتجات الخوص شهيرة وتنتشر في الأسواق الشعبية، ولها أنواع وأحجام مثل سفرة الطعام والمكانس والقبعات وحصير الصلاة والزنابيل والمراوح وغيرها من «الخوصيات» الأخرى، وأن واحة الأحساء أشهر منطقة في المملكة في مجال صناعة الخوص، وأن هذه الصناعة تطورت في الحياة المعاصرة، فمنها تم إنتاج حقائب نسائية وأوعية للهدايا وتذكارات، بالإضافة إلى الأثاث والمظلات.
وأعربت عن شعورها بالسعادة الغامرة نظراً لإقبال الجمهور من مختلف الفئات على مثل هذه المنتجات التقليدية، خصوصاً أن هناك تقارباً في الموروث السعودي والإماراتي، لتشابه البيئة والعادات والتقاليد الأصيلة.

تفاصيل قديمة
ملابسها التراثية الإماراتية عبرت عن شغفها بالحياة القديمة وتفاصيلها الرحبة، وهو ما جعل الطفلة مريم مبارك المنصوري تدلف إلى دكان موزة جاسم صانعة الخوص في الجناح السعودي واصطحبت معها صديقتها موزة حمدان، واللافت أن الطفلتين جلستا بالقرب من أعمال الخوص وهما تتفحصان المنتجات التي تعبر عن جزء من الموروث.
وتشير مريم إلى أنها تحرص على حضور المهرجان مع أسرتها، وأنها لم تترك نفسها للعب في قرية الأطفال فحسب، لكنها أيضاً تعرفت إلى الثقافات الأخرى، وقد وجدت في الجناح السعودي منتجات كثيرة وحرفاً تتشابه مع الموروث الإماراتي، حيث كانت تمضي بين جنبات المهرجان مع رفيقتها موزة، ولفت نظرها الحرفية التي تصنع الخوص في الجناح السعودي، فأرادت أن تستمع إليها وتتعرف إلى طبيعة عملها، خصوصاً أنها محبة للتراث ومفرداته.

آلة تقليدية
جلسته أمام قطعة من الجريد وهو يسمك بيده آلة تقليدية تساعده على تقطيعه، جعلت محمد أحمد المرزوق في حالة تدعو للدهشة، فهو يعمل في حرفته هذه منذ أكثر من ثلاثين عاماً، ومن فرط حبه لهذه الصناعة يحاول إنجاز الكثير من أعماله، أهمها صناعة الكراسي التقليدية والعديد من قطع الأثاث للكبار والصغار وأقفاص الدجاج وأسرّة الأطفال والكبار وطاولات وجلسات كاملة، موضحاً أن هذه المنتجات تحتفظ بنسقها، خصوصاً إذا تم وضع الماء الممزوج بالملح عليها مرة واحدة فقط، وهو ما يسهم في عدم تلفها سريعاً.
ولفت إلى أنه قديماً كانت هذه الأشياء هي السائدة وأن الناس كانوا يستخدمونها، خصوصاً أنها تمتاز بأنها تحتوي على درجات تهوية، ويؤكد أنه سعيد لحضوره فعاليات المهرجانات، ومن ثم المشاركة في هذه الاحتفالية التراثية الضخمة، واللافت أنه في أثناء عمله أقبل عليه زوار إماراتيون وأثنوا على صناعته.

«كليجا» سعودية
حرصت نجلاء العتيبي على أن يكون دكانها مختلفاً، حيث اعتنت بنماذج من الحلوى الشعبية ورصتها بشكل لافت على إحدى الطاولات، وتشير إلى أن الحلوى الشعبية تنتشر في معظم مناطق المملكة مثل القصيم والمدينة المنورة والأحساء، وأن لكل منطقة طريقة خاصة في إضافة مذاقا خاصا بحسب توافر الخامات.
وأوضحت أنها تعرض «الكليجا» التي تتكون من الزيت والدقيق والسمسم والتمر ودبس الرمان وتطبخ في الأفران بحسب الطريقة التقليدية، وتقدم إلى جانب القهوة العربية على الطريقة السعودية، التي تتطلب تجفيفها وطحنها ومن ثم يضاف إليها الزعفران والهيل ليكون لها مذاقها ولونها الخاص، وتعرض للزوار أنواعاً مختلفة من أجود التمور، كونها تتوفر في مزارع المملكة ومنها إخلاص القصيم وشقراء والسكري والخضري والصقعي.

دهن وماء الورد
أمام دكان دهن وماء الورد وقف المدرب التراثي بجزيرة السمالية علي راشد يتأمل بعض المعروضات الموجودة في الجناح السعودي، حيث يشير صاحب الدكان راشد القرشي إلى أن استخلاص دهن وماء الورد يتركز في محافظة الطائف، التي نجحت فيها زراعة الجوري، وتعد الأكثر شهرة فضلاً عن تشابه الأساليب البدوية في استخلاص دهن الورد في جميع مناطق المملكة، التي تعتمد على أسلوب التقطير باستخدام أوعية وآلات مصنعة محلياً.


ولفت إلى أن عملية استخلاص دهن الورد تمر بمراحل، مثل قطف الورد في الصباح الباكر، نظراً لأن نسبة الزيوت التي تنبعث منها الرائحة تبدأ بالتناقص بعد طلوع الشمس، ثم يوضع الورد في أوعية الطبخ التي تحوي كمية من ماء الورد، الذي يغلي على درجة حرارة معينة ولمدة محددة، حسب الكمية، ثم يكثف الخليط حتى يطفو الدهن فوق سطح الماء، ثم يجمع الدهن في أوعية زجاجية بمعزل عن الماء.
وأوضح أن صناعة دهن وماء الورد اشتهرت بها بعض الأسر في الطائف، وانتشرت بفضل تميزها وجودتها.

حلي وإكسسوار
اختارت أسماء أبو العلا اسم «عقود ودخون»، حيث عرضت به العديد من الحلي والإكسسوارات وأشكال الخواتم والأقراط والقلائد والأساور، ولفتت إلى أنها تصنع مشغولات من الخزر، حيث تنتشر في الكثير من مناطق المملكة، وتتميز بحرفية تامة وطريقة تقليدية خالصة، وأنها لم تدخل أي آلة في تجميع هذه القطع.


وتبين أنها حريصة على أن تقدم صناعتها بطريقة يدوية تبرز جمال العمل بإتقان، حيث أتاح المهرجان لجميع الحرفيين أن يقدموا أعمالاً مميزة، وهو ما يؤدي إلى التنافس لجذب الزوار، بهدف ترسيخ العمل اليدوي والصناعات التقليدية، مشيرة إلى أنها سعيدة بعرض منتجاتها في المهرجان.

أقرأ أيضاً.. صناعات لها تاريخ في الجناح السعودي

اقرأ أيضا

تحويل قشور المانجو إلى قش