مواجهة التغير المناخي ستدفع دول العالم طوعاً أو كرها نحو الاستدامة، التي لم تعد الآن رفاهية، بل اتجاه حتمي للحفاظ على الموارد المتاحة وتقليل عبء فاتورة الطاقة من جهة وحماية كوكب الأرض من جهة أخرى. أهداف محلية تصب في هدف عالمي " />مواجهة التغير المناخي ستدفع دول العالم طوعاً أو كرها نحو الاستدامة، التي لم تعد الآن رفاهية، بل اتجاه حتمي للحفاظ على الموارد المتاحة وتقليل عبء فاتورة الطاقة من جهة وحماية كوكب الأرض من جهة أخرى. أهداف محلية تصب في هدف عالمي " />مواجهة التغير المناخي ستدفع دول العالم طوعاً أو كرها نحو الاستدامة، التي لم تعد الآن رفاهية، بل اتجاه حتمي للحفاظ على الموارد المتاحة وتقليل عبء فاتورة الطاقة من جهة وحماية كوكب الأرض من جهة أخرى. أهداف محلية تصب في هدف عالمي " />
صحيفة الاتحاد

الإمارات

المدن المستدامة.. سباق تنموي لإنقاذ الكوكب

مواجهة التغير المناخي ستدفع دول العالم طوعاً أو كرها نحو الاستدامة، التي لم تعد الآن رفاهية، بل اتجاه حتمي للحفاظ على الموارد المتاحة وتقليل عبء فاتورة الطاقة من جهة وحماية كوكب الأرض من جهة أخرى. أهداف محلية تصب في هدف عالمي يتوحد حوله سكان الكوكب هذه المرة خوفاً من تغير مناخي يربك حسابات الحكومات ويفرز تحديات جديدة.



جملة من الإجراءات والقرارات اتخذتها وتعهدت بها 194 دولة وقعت على اتفاق «باريس للمناخ 2015»، أهمها وقف ارتفاع درجة حرارة الأرض، وإبقاء الارتفاع إلى ما «دون درجتين مئويتين»، قياساً بعصر ما قبل الثورة الصناعية، وبـ «متابعة الجهود لوقف ارتفاع الحرارة عند 1,5 درجة مئوية، وهذا يفرض تقليصاً شديداً لانبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري من خلال الحد من استهلاك الطاقة والاستثمار في الطاقات البديلة وإعادة تشجير الغابات. مخاطر عدة يحملها التغير المناخي خاصة للدول المطلة على البحار، وأيضاً الجزر، ناهيك عن تداعيات ذوبان ثلوج القطبين. الاتفاق يتضمن آلية مراجعة كل خمس سنوات للتعهدات الوطنية التي تبقى اختيارية. وستجري أول مراجعة إجبارية في 2025. وخلال العام المقبل 2018 ستقوم الدول الموقعة على اتفاق باريس بإجراء أول تقييم لأنشطتها في هذا المجال، ومراجعة ما تم من مساهمات عام 2020. تدشين المدن المستدامة، القائمة على العمارة الخضراد، الأقل استهلاكاً للطاقة والمياه والقادرة على تدوير نفاياتها خطوة مهمة لمكافحة التغير المناخي، من خلال ضرب عصفورين بحجر واحد: تحقيق تنمية مستدامة كمطلب محلي Act Locally ، والنجاح في هذا المسعى يضمن تحقيق هدف عالمي كبير هو حماية الكوكب من تداعيات التغير المناخي ، Think Globally.   



ظهر مفهوم الاستدامة للمرة الأولى مرتبطاً بحماية الغابات، أملاً في تحقيق التوازن بين ما يتم قطعة من أشجار وبين التنوع البيولوجي الذي ينبغي الحفاظ عليه، وتبلور المفهوم ليشير إلى حماية حق الأجيال المقبلة في التنمية. وظهر المفهوم بوضوح في قمة ريو دي جانيرو عام 1992، حيث تضمن المبدأ 3 في إعلان «ريو» عبارة مفادها أن الحق في التنمية ضرورة ينبغي تحقيقها بحيث تلبي المتطلبات التنموية والبيئية للأجيال الحاضرة والقادمة بشكل منصف». مفهوم التنمية المستدامة ظهر للمرة الأولى عام 1987 في تقريرٍ صادر عن المفوضية العالمية للبيئة والتنمية بعنوان «عالمنا المشترك». وفي كتابهما المعنون بـ«بيان للمدن المستدامة»، يتبنى «جيرمي جينز» الناقد الألماني المتخصص في الهندسة المعمارية والصحفي النمساوي ستيفان جاغر، مقولة مفادها أن «التصرف محلياً بطريقة مستدامة يتضمن بالتأكيد التفكير وفق إطار عالمي طالما أن الهدف من الاستدامة هو تطبيقها على كوكب الأرض بأكمله»، وهما بذلك يربطان تخطيط المدن المستدامة بالتخطيط العمراني السليم وأيضاً بمسائل أخرى أوسع نطاقاً مقابل التغير المناخي، وما يتطلبه من تخفيض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون وتقليل هدر الطعام وتوفير المياه النظيفة، والحديث عن الاستدامة في المدن يرتبط وفق هذا المنظور بالتخطيط العمراني.

وفي أواخر التسعينيات، اقترح ديفيد ساتيرثويت، وهو زميل رئيسي بالمعهد الدولي للبيئة والتنمية في لندن مقالاً في أكتوبر 1997 بعنوان «المدن المستدامة والمدن التي تساهم في التنمية المستدامة»، وتطرق خلاله لسمات المدينة الناجحة، وهي من وجهة نظره، تلك المدينة التي تكفل حياة صحية وبيئات للعمل، وتوفر بنية تحتية للخدمات الأساسية، مثل المياه النظيفة والصرف الصحي وإدارة النفايات، وأن تكون في حالة توازن مع النظم البيئية، على سبيل المثال من خلال ضمان توازن منسوبات المياه الجوفية والحد من التلوث البيئي. التعريف تطور ليركز على جعل الاستدامة تتمحور على استخدام الموارد في الوقت الحاضر دون المساس بتوافرها في المستقبل.

وفي 25 سبتمبر 2015 اعتمدت 193 دولة في الجمعية العامة للأمم المتحدة أجندة التنمية المستدامة 2030، والتي تضمنت حزمة من الأهداف العالمية الجريئة الجديدة، اعتبرها الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك بان كي مون رؤية شاملة ومتكاملة وتحويلية من أجل عالم أفضل. ومن بين الأهداف السبعة عشر التي تضمنتها الأجندة يأتي الهدف رقم 11 المتمثل في بناء مدن ومجتمعات محلية مستدامة.

وخلال الاجتماعات التحضيرية لمؤتمر URBAN21 (يوليو 2000) وهو أحد المؤتمرات العالمية الأُوَل المخصصة للقضايا الحضرية  تم تعريف الاستدامة الحضرية بأنها تحسين نوعية الحياة في المدينة، بما في ذلك الجوانب البيئية والثقافية والسياسية والمؤسسية والاجتماعية والاقتصادية، دون أن تترك عبئًا على الأجيال المقبلة، وبعدها بشهور، وفي قمة الأمم المتحدة المنعقدة في سبتمبر 2000 تم إقرار 8 أهداف إنمائية للألفية يفترض أن يكون قد تم تحقيقها بحلول عام 2015، وتتضمن: القضاء على الفقر المدقع والجوع، وتحقيق تعميم التعليم الابتدائي، وتعزيز المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة، وتقليل وفيات الأطفال، وتحسين صحة المرأة، ومكافحة الإيدز والملاريا وغيرهما من الأمراض، وكفالة الاستدامة البيئية، إقامة شراكة عالمية من أجل التنمية.

نمو متصاعد للمدن

يعيش اليوم أكثر من نصف سكان العالم في المناطق الحضرية..هذا ما أفصحت عنه شبعة الإسكان التابعة لإدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية في الأمم المتحدة، التي تتوقع أنه بحلول عام 2050، سيرتفع هذا الرقم إلى 6.5 مليار فرد، أي نحو ثلثي البشرية جمعاء. وحسب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لا يمكن تحقيق التنمية المستدامة دون إحداث تغيير كبير في طريقة بناء وإدارة فضاءاتنا الحضرية. وفي عام 1990، كانت هناك عشر مدن كبرى تضم 10 ملايين نسمة أو أكثر، وارتفع العدد في عام 2014 إلى 28 مدينة كبرى، تسكنها نحو 453 مليون نسمة. وقد أدى النمو السريع للمدن في العالم النامي، إلى جانب ازدياد الهجرة من الريف إلى الحضر، إلى هذه الزيادة المطردة في أعداد المدن الكبرى. وتسجل المنطقة العربية - حسب بيانات «البرنامج الإنمائي» تحولاً حضرياً سريعاً، فهناك زيادة في النمو الحضري بمعدل 2.5 في المائة (وفق تقديرات عام 2015). واليوم يعيش أكثر من نصف السكان العرب (57 في المائة) في المناطق الحضرية في المتوسط، أي داخل المدن. ومع الاتجاه التصاعدي لسكان المدن، من المهم أن يتم توفير الغذاء لساكنيها، من منطقة قريبة، حفاظاً على الطاقة التي عادة ما يتم هدرها في نقل المنتجات الزراعية، وهذا المنطق يؤيده المعماري الألماني ألبرت سبير، مستنداً فيه لحكمة صينية، ففي

عام 250 قبل الميلاد أفصح حكيم صيني عن قناعته بأنه لا ينبغي السماح بقيام أي مدينة في الإمبراطورية الناشئة ما لم يكن حول هذه المدينة الناشئة أراض كافية تضمن إطعام سكانها، ووفق هذا التصور لا يمكن وجود مدينة مستدامة دون قاعدة زراعية، والتطوير الحضري المستدام لا يستمر من دون قاعدة زراعية.

الهدف رقم 11

في 1 يناير 2016، بدأ رسمياً العمل على تنفيذ الأهداف الـ17 لخطة التنمية المستدامة لعام 2030، التي اعتمدها قادة العالم في سبتمبر 2015 في قمة أممية تاريخية. وستعمل البلدان خلال السنوات الخمس عشرة المقبلة واضعة نصب أعينها هذه الأهداف الجديدة التي تنطبق عالمياً على الجميع  على حشد الجهود للقضاء على الفقر بجميع أشكاله ومكافحة عدم المساواة ومعالجة تغير المناخ. ومن بين الأهداف السبعة عشر يأتي الهدف رقم 11 متمثلاً في«مدن ومجتمعات محلية مستدامة».



أبوظبي..استدامة المؤسس

المفهوم الحقيقي للاستدامة تلخصه عبقرية البساطة التي اتسم بها زايد، بقوله رحمه الله: (إننا نولي بيئتنا جُل اهتمامنا لأنها جزء عضوي من بلادنا وتاريخنا وتراثنا.. لقد عاش آباؤنا وأجدادنا على هذه الأرض للمحافظة عليها، وأخذوا منها قدر احتياجاتهم فقط وتركوا ما تجدُ فيه الأجيال القادمة مصدراً ونبعاً للعطاء). هذا الوعي الفطري بأهمية الحفاظ على الموارد، المقولة الرائعة رأيتها في مركز الشيخ زايد لعلوم الصحراء بمدينة العين.



في مقابلة أجرتها معه «الاتحاد» قبل 6 سنوات، أشار المهندس عبدالرحمن مخلوف الذي تولى مهمة إنشاء دائرة لتخطيط المدن في أبوظبي والعين عام 1968 إلى التصور الذي تبناه المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد، لإنشاء مدينة أبوظبي، والذي كان مبنياً على مبادئ أبرزها إنشاء مساحات ضخمة من الحدائق العامة، وهي بمثابة عنصر ترويح وتجميل للمدن، وفي الوقت نفسه هي رصيد من الأرض ينفع الأجيال القادمة في تهيئة مواقع للخدمات والمرافق التي قد تستجد الحاجة إليها مستقبلاً، ثم المسافات بين واجهات المباني المتقابلة في الشوارع الرئيسية حيث لا تقل عن مائتي قدم، وهذا أتاح- حسب مخلوف- مرونة فائقة في تصميم شبكة الطرق الرئيسية بحيث أمكن تغيير قطاعاتها بتوسيع مسارات السيارات فيها، دون الحاجة إلى هدم أي بناية فيها. ولفت مخلوف الانتباه إلى استقامة مسارات الطرق الرئيسية ما لم تكن هناك ظروف طبيعية تملي انحناءاتها. وإنشاء «الدوارات» عند تقاطعات الطرق باعتبارها نظاماً ملائماً لتحقيق الأمن والانسيابية للمرور في إطار إمكانيات وظروف مرحلة التأسيس وباعتبارها عنصراً تجميلياً، وفي مراحل لاحقة تم استبدال بعضها بالإشارات الضوئية، كما تم إنشاء جسور في بعضها حيثما لزم الأمر. وتشجير جوانب الطرق الرئيسية والجزر الفاصلة بين اتجاهاتها والدوارات ما أضفى على مدينتي أبوظبي والعين طابعاً جمالياً مميزاً. وحفر قناة حول جزيرة أبوظبي لتيسير الملاحة حولها، وتعميق المياه الضحلة لتخفيف نسبة الرطوبة، واستخدام ناتج الحفر في كسب أراض عمرانية في جزيرة أبوظبي.

ويوضح مخلوف أن تلك هي الأهداف والمبادئ الرئيسية التي وجهت العمل العمراني في تخطيط المدن والقرى التي غرسها وراعاها وأنماها رائد نهضة البلاد، المغفور له بإذن الله الشيخ زايد، رحمه الله، ويضيف «كانت حصيلتها وثمار الالتزام بها ما نراه اليوم في مدن إمارة أبوظبي من نهضة عمرانية شاملة شهد العالم بما بلغته من شأنٍ متميز، حيث اختيرت من أجمل المدن العربية سنة 2005 وذلك من طرف مؤسسة جائزة المدن العربية.

مخلوف أشار إلى لقاء جمعه مع الشيخ زايد في قصر البحر عام 1974، وكان موضوع اللقاء تسمية الطرق الرئيسية في أبوظبي، واختار المغفور له الأسماء المعروفة الآن في أبوظبي التي تحمل في مجملها دلالات حكيمة، ومن المعاني الدالة على أهدافه نحو أبنائه ووطنه اختياره اسماً فريداً لأهم شوارع أبوظبي شارع «السعادة» وهذا ما قاله الفيلسوف أرسطو عن المدينة الفاضلة، كما تصورها بحيث تكون بجانب تأدية وظيفتها الأساسية (توفير المأوى والحماية لسكانها) مصدراً لسعادة الإنسان». وفكرة التنمية المستدامة وتفعيلها على أرض الواقع مترسخة لدى صناع القرار في إمارة أوبوظبي، وليس أدل على ذلك من "مدينة مصدر" كنموذج فعلي للاستثمار في الطاقة المتجددة وتشجيع العمارة الخضراء. وقد تلخص زيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة لإحدى المزارع العضوية الحضرية في طوكيو عام 2014، مدى اهتمام سموه وقناعته بالاستدامة في شتى المجالات.

خطة أبوظبي 2030

خطاب الاستدامة بمفرداته يظهر جلياً في خطة أبوظبي 2030، التي تُعرّف نفسها بأنها (تمثل انعكاساً لإرث المغفور له، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه، إذ تشكل مخططاً استراتيجياً تم تصميمه لتوجيه نمو وتنمية أبوظبي ولتحقيق رؤية إمارة أبوظبي المتمثلة في مواصلة العمل على إقامة مجتمع واثق، آمن، وبناء اقتصاد تنافسي مستدام، منفتح عالمياً). للخطة أهداف واضحة يمكن اعتبارها ترجمة لأسس التنمية المستدامة اجتماعياً واقتصادياً وبيئياً وثقافياً، كونها تتضمن استراتيجيات لتحقيق أمن غذائي وقطاع زراعي مستدام وقطاع مياه وكهرباء وصرف صحي مستدام يضمن الاستغلال الأمثل للموارد، وتدشين قطاعات حيوية تسهم في التنوع الاقتصادي، ونظام نقل فعّال يفي باحتياجات المجتمع وجودة الحياة، وقطاع خاص فعّال وفرص استثمارية رائدة.

مبادرة «استدامة»

وضوح الرؤية لدى القيادة الإماراتية ومواكبتها للمستجدات العالمية في التخطيط العمراني يتجسد في مبادرة «استدامة» التي أطلقها مجلس أبوظبي للتخطيط العمراني في مايو 2008 بصفته الجهة المسؤولة عن مستقبل البيئة العمرانية لإمارة أبوظبي، وهي تهدف إلى تحقيق توازن مناسب بين الضرورات البيئية والاقتصادية والاجتماعية للارتقاء بنوعية الحياة، وتجدر الإشارة إلى أن المبادرة ترتكز على أربعة محاور للاستدامة: البيئية والاجتماعية والاقتصاد والمجتمع والثقافة، والهدف المباشر منها يتمثل في اتخاذ خطوات ملموسة للتأثير على جميع المشاريع قيد التصميم والتطوير والإنشاء في إمارة أبوظبي. ومن المهم التطرق لنظام درجات اللؤلؤ الذي بدأ تطبيقه في الإمارة منذ عام 2010 لإلزام المقاولين وفرق التصميم بأساليب تحقق تطلعات مبادرة «استدامة» في التخطيط والتصميم. وتجدر الإشارة إلى وجود معايير عالمية لتقييم المباني بدأها المجلس العالمي للمباني الخضراء، وطورت بعض الدول معايير خاصة بها فهناك معايير بريطانية وإسبانية وفرنسية وأسترالية. وضمن هذا الإطار، يوجد نظام BREAM من أقدم أنظمة تقييم أداء المباني الذي ظهر عام 1990، ويتضمن النظام بنوداً إلزامية وأخرى مرنة، ويتم التقييم من خلال النجوم، 6 نجوم لأفضل أداء، يليها 5 و4 نجوم ويركز على ترشيد الطاقة، والحد من ثاني أكسيد الكربون وترشيد استهلاك وتدوير النفايات، والحد من التلوث واستخدام الموارد والمياه. كما يوجد نظام LEED (الريادة في تصميمات الطاقة والبيئة) الذي طوره المجلس الأميركي للأبنية الخضراء عام 1998، ويتضمن درجات أعلاها التصنيف البلاتيني لمن يحقق 90? من بنود المقياس، وتصنيف ذهبي للمبنى الذي يحقق ما بين 75 ألى 89 % من البنود، والفضي للمبنى الذي يلتزم بـ60 إلى 74? من المعايير، ويتم منح شهادة LEED في حدها الأدنى لمن يحقق 45 إلى 59 % من بنود المقياس.

أول معيار عربي لقياس استدامة المباني

ولدى أبوظبي «درجات اللؤلؤ» كأول معيار عربي لقياس استدامة المباني، ويحاكي LEED، لكنه عُدّل ليوائم ثقافة مدينة أبوظبي. المعيار تم الإعلان عنه عام 2008 من قبل مجلس أبوظبي للتخطيط العمراني (أصبح أسمه الآن دائرة التخطيط العمراني والبلديات)، ونص قرار المجلس التنفيذي لإمارة أبوظبي الصادر عام 2010 على أنه يجب أن تستوفي المباني الجيدة كلها المعايير الخاصة بالحصول على التقييم بدرجة لؤلؤة واحدة على الأقل، وأن تلتزم المباني الحكومية بدرجة «لؤلؤتين»، وتم دمج معايير نظام «درجات اللؤلؤ» مع كود أبوظبي الدولي للبناء. النظام يتكون من 7نقاط إلزامية وأخرى اختيارية. وتتكون النقاط الإلزامية من عملية التنمية المتكاملة وتشكل 13 نقطة وما نسبته 7? من البنود الأساسية، وحماية البيئات الطبيعية واستعادتها وتشكل 7 % من البنود الإلزامية بواقع 12 نقطة، وأن تكون الأبنية مناسبة للحياة داخلياً وخارجياً يحصل المبنى على 37 نقطة وهذا يشكل 21? من النقاط الإلزامية، والحد من الطلب على المياه وتأمين مصادر مياه بديلة وتشجيع الاستخدام الفعال لمياه الشرب يمنح المبنى 43 نقطة أو ما نسبته 23 % من البنود الإلزامية، ويعطي التقييم بند خفض استهلاك الطاقة، والحفاظ عليها، واستخدام مصادر متجددة 44 نقطة أو 24? من البنود الإلزامية، وتأثير المواد المستخدمة في البناء على البيئة يشكل 28 نقطة أو 16? من البنود الإلزامية، ويضمن الابتكار في بناء المبنى 2? أو نقطتين. الحصول على لؤلؤة واحدة يتطلب تحقيق البنود الإلزامية فقط، والحصول على لؤلؤتين يتطلب الالتزام بالبنود الإلزامية إضافة إلى 60 بنداً اختيارياً، والثلاث لآلئ يتم الحصول عليها بتطبيق البنود الإلزامية إضافة إلى 85 بنداً اختيارياً، والأربعة تتطلب البنود الألزامية إضافة إلى 115 اختيارية، واللآلئ الخمس الحصول عليها مشروط بتحقق البنود الإلزامية إضافة إلى 140 بنداً اختيارياً. وعلى سبيل المثال من بين البنود الاختيارية: العناية بالبيئة خلال فترة الإنشاء، الالتزام بدقة التصميم، وتأهيل الموقع لاستضافة العمال، وتوفير مرافق للدراجات، وتوفير مساحة ملائمة لصف السيارات، مراقبة المياه والكشف عن التسرب وإدارة مياه الأمطار، استخدام مواد معاد تدويرها، استخدام أخشاب معروفة المصدر.



منظومة خماسية

ويقول محمد القفطنجي، الأستاذ المشارك في قسم الهندسة البيئية بجامعة أبوظبي، إن نظام «اللآليء» لتقييم المباني خطوة مهمة نحو نشر ثقافة العمارة الخضراء في أبوظبي. ويشير القفطنجي إلى أن تشجيع البناء الأخضر يتطلب وجود منظومة خماسية متناغمة تضم سياسات حكومية، ومطورين عقاريين وجهات تمويل وفنيين ومستهلكين. فالسياسات الحكومية التي تقوم على تحفيز البناء الأخضر، خاصة في ظل نظام تقييم جيد لتقييم المباني، وقد يكون التحفيز في دعم المطورين الذين يلتزمون بمعايير الاستدامة، وبمقدور جهات التمويل، تقديم تسهيلات للمطورين والأفراد الذين يقبلون على قروض عقارية «مستدامة». أما الفنيون، وهؤلاء هم المهندسون والمتخصصون في عمليات التشييد، فكلما زاد وعيهم بأهمية «المباني الخضراء» كلما ساهموا في تنفيذها وترويجها في المجتمع، والأمر نفسه ينطبق على المشترين، الذي ينبغي أن يزداد وعيهم بأهمية المباني الخضراء، التي قد ترتفع تكلفتها على المدى القصير، لكن على المدى الطويل تعد استثماراً، لأنها تنجح في تخفيض فواتير الطاقة وتقلل استهلاك المياه.



إعادة تأهيل المباني الحالية

«الاتحاد» استطلعت رأي خِيرة ثابت أول، أستاذة الهندسة المعمارية والمباني الخضراء بجامعة الإمارات العربية المتحدة في مدينة العين، التي رأت أن التحدي الأكبر بالنسبة للاستدامة المعمارية يكمن في ضرورة إعادة تأهيل المباني الموجودة حالياً خاصة ما يتعلق بتوفير استهلاكها للمياه والطاقة، على سبيل المثال كانت معظم البنايات لا تستخدم أنظمة عزل حراري في الحوائط والأسطح، لتفادي الحرارة العالية. فالطفرة العمرانية التي تم تدشينها خلال العقود الماضية لم تكن ترتكز على رؤية أو معايير خاصة بضمان الاستدامة وفق المفهوم والمعايير المطبقة حالياً، والتي تضمنتها مبادرة «استدامة» التي بدأ مجلس أبوظبي للتخطيط العمراني تطبيقها منذ عام 2010، أي نحن الآن أمام 30 عاماً من البناء لم يتم خلالها تطبيق معايير الاستدامة في القطاع العقاري. والمطلوب الآن - حسب الدكتورة خيّرة- معالجة المباني التي تم تدشينها بحيث يمكن تأهيلها لتواكب معايير الاستدامة. وأسس الاستدامة التي يتم تطبيقها الآن تتركز على ترشيد استهلاك الطاقة والمياه.

ولدى «خيرّة» قناعة بوجود أربع طرق لتفعيل معايير الاستدامة في المدن، أولها، تسعير الطاقة والمياه على أن يتضمن ذلك التحفيز بوضع فئات للاستهلاك، وكل مستهلك للمياه والكهرباء يُخفض معدلات استهلاكه ينبغي أن يحظى بشريحة أسعار أقل والعكس، وفي الولايات المتحدة، خاصة في نيفادا وفيلادفيا، يتم تخفيض الضرائب العقارية وغيرها من الضرائب الأخرى على المباني الخضراء، وذلك حسب درجة التزامها بمعايير البناء المستدام المطبقة هناك خاصة نظام «ليدز»، وثانياً: ضع سياسات واضحة ومعايير خضراء كتلك التي يتم تطبيقها حالياً في نظام «اللآلىء» ضمن دائرة التخطيط العمراني والبلديات في أبوظبي، أو السعفات في بلدية دبي، وثالثاً: تفعيل التقنية الحديثة من خلال استيراد أجهزة كهربائية موفرة للطاقة، ومجسات حرارية وأنظمة عزل وتقنيات إنارة حديثة، ورابعاً: نشر ثقافة الاستدامة، وتلك عملية تبدأ من المدارس. وتؤكد د.خيرة أن من سمات التخطيط العمراني الجيد توفير وسائل نقل عام تضمن تقليل الاعتماد على السيارات الخاصة للحد من الانبعاثات، وإيجاد أبنية متعددة الاستخدامات مثل مسجد، مطعم، متجر، مركز تجاري، أي تحقيق التنوع في وظائف المباني داخل الحي السكني من أجل تقليل عمليات الانتقال بالسيارات وتعزيز الترابط الاجتماعي داخل التجمعات السكنية.

مبادرة C40

وتلفت «د.خيرة» الانتباه إلى مبادرة C40 التي تعد ساحة لتبادل الخبرات داخل المدن، ومدينة دبي عضوة فيها. المبادرة هي شبكة عالمية رائدة تضم مجموعة من المدن الملتزمة بالتصدي لظاهرة التغير المناخي وحماية كوكب الأرض. وتأسست الشبكة في عام 2005، وضمت 75 مدينة من المدن الكبرى عملت على الحد من انبعاثات الغازات الدفيئة من خلال تبادل المعرفة وأفضل الممارسات فيما بينها. وترى د. خيرة أن المدينة المستدامة الموجودة في منطقة دبي لاند فكرة جيدة نحو تفعيل هذا النوع من المدن، لكن لابد من ربطها بمواصلات عامة كخطوط مترو وحافلات نقل عام، وهذا ينطبق على كل التجمعات السكنية، أي أنه لابد من ضمان ربط المنشآت الجديدة بخطوط النقل العام.. وبخصوص مقاييس استدامة المباني، تشير «خيّرة» إلى أن الوصول مثلاً إلى درجة 5 لآلي يتطلب الاعتماد على عدة تقنيات، وهذا يحتاج مجموعة من المهندسين في تخصصات متنوعة ولديهم هدف واحد، أي لابد من وجود تناغم بين المالك أو صاحب المشروع والمطورين والمهندسين وموردي مواد البناء..

وتؤكد «خيّرة» على أهمية احتواء المساقات الدراسية سواء في كليات الهندسة أو غيرها من التخصصات الأكاديمية على الاستدامة، فالأمر لا يقتصر على المدن والعمارة لكن له علاقة بالاقتصاد والاجتماع. والمسألة- من وجهة نظرها- تتطلب تنشئة جيل جامعي لديه وعي كبير وجاهزية لتطبيق معايير الاستدامة، وسوق العمل سيكون بحاجة في المستقبل لخبراء في مجالات الاستدامة، وفرص العمل في هذا المجال كثيرة، خاصة في الإمارات، لوجود رؤى واضحة وسياسات في الاستدامة يتم تطبيقها على أرض الواقع وفي كافة المجالات.



البعد الاجتماعي..أقل حظاً

لا يمكن اختزال فكرة المدينة المستدامة في البعد البيئي فقط المتمثل في تقليص انبعاثات ثاني أكسد الكربون وترشيد استهلاك المياه والطاقة أو حتى إنتاجهما بوسائل مستقلة، فالأمر يتعلق ببعد آخر مهم، هو البعد الاجتماعي، وضمن هذا الإطار، يرى الدكتور خالد جلال أحمد الأستاذ المشارك في قسم الهندسة المعمارية بكلية الهندسة في جامعة الإمارات العربية المتحدة، أن مفهوم الاستدامة لدى العامة وحتى المتخصصين لا يزال منقوصاً خاصة في جانبه الاجتماعي، وحتى أنظمة تقييم المباني والمجتمعات العمرانية تحتاج إلى الاهتمام بهذا الجانب كي يتحقق الهدف المنشور وهو الوصول إلى مدينة مستدامة بأبعادها الثلاثة البيئية، والاقتصادية، والاجتماعية. وفي الإمارات- يقول د.خالد- ألحظ وجود اهتمام بالجانب الثقافي من خلال استخدام تصاميم معمارية تراعي الأنماط التي كانت موجودة قديماً مثل «البراجيل» و«السكيك». وأشار د. خالد إلى أنه رغم تعدد تعريفات المدن المستدامة، إلا أن هناك إجماعاً على أنها المدن التي تحقق لسكانها مختلف أبعاد الاستدامة البيئية والاقتصادية والاجتماعية بشكل يتلائم مع خصوصية وتفرد كل مدينة، وقد حظي البعدان البيئي، والاقتصادي باهتمام عالمي، في حين أن البعد الاجتماعي في المدن المستدامة ظل هو الأقل حظاً من حيث البحث والاستقصاء والاهتمام.

«تخيل أبوظبي»..تفعيل المشاركة المجتمعية في تخطيط العاصمة

الاستدامة الاجتماعية حسب د. خالد جلال أحمد، الأستاذ المشارك، في كلية الهندسة بجامعة الإمارات العربية المتحدة، تتطلب مشاركة السكان في عملية التخطيط والتصميم للمدينة التي يعيشون فيها، وهو ما ينطبق، على مبادرة «تخيل أبوظبي» حملة اليوبيل الذهبي لحكومة أبوظبي، والتي استقبلت أفكاراً جديدة ومقترحات تطويرية لإمارة أبوظبي من كافة أفراد المجتمع لمدة خمسين يوماً. والدعوة للمشاركة في المبادرة تضمنت مشاريع عمرانية أو حملات ومبادرات اجتماعية أو اتجاهات لتطوير الخدمات الحكومية الحالية أو الاستثمار في الإمارة. ويلفت د.خالد الانتباه إلى استخدام تقنيات الواقع الافتراضي في طرح التصميم المعماري للمجاورات السكنية المزمع تدشينها على المواطنين، وهذا ما فعله برنامج الشيخ زايد للإسكان لدى مشاركته في معرض «سيتي سكيب» الأخير في دبي.    

معالجة «ثغرة الكثافة»

ويركز د. خالد علي عامل الكثافة السكانية، فعلى سبيل المثال، تطوير مجاورات سكنية بنظام الفيلا، يصعب من خلالها وجود أنشطة اجتماعية، أو تشغيل منشآت ذات طابع اجتماعي، لأن عدد المقيمين في المجاورة السكنية محدود، على سبيل المثال يصعب تشغيل مدرسة تضم أبناء المقيمين فيها، وأيضاً يصعب تأسيس متجر قابل للاستمرار، علماً بأن هذه المنشآت تلعب دوراً في التقاء السكان مع بعضهم بعضاً وتحقيق ما يسمى «رأس المال الاجتماعي». وحسب الدكتور جلال، ينبغي الاهتمام عند التخطيط للمجتمعات المستدامة بتوفير ما يُسمى اصطلاحياً بـ Social Hubs أو «أنوية» للأنشطة الاجتماعية كملاعب للأطفال ومراكز تنمية المرأة والمتاجر الصغيرة. وقد تكون قلة عدد السكان عائقاً لتفعيل هذه الأنشطة. ومن جانب آخر، فإنه من متطلبات تدشين مجمع عمراني مستدام من الناحية الاجتماعية عدم الاقتصار على نمط سكني واحد في المكان كالفيلات، وإنما يجب تنوع الأنماط السكنية لتشمل المباني السكنية متعددة الطوابق، مع تحقيق التنوع في الوحدات السكنية، بحيث تتوفر وحدات من غرفة واحدة ووحدات من غرفتين وأخرى من ثلاثة بهدف استيعاب طبقات متنوعة من عائلات كبيرة العدد وأخرى صغيرة، وتلبي أيضاً احتياجات المجتمع المختلفة. فهذا سيساعد على وجود درجة من الاختلاط المجتمعي لطبقات مختلفة من المجتمع الإماراتي، مما يؤدي إلى فكرة الاعتمادية الاجتماعية المتبادلة، ويثري في الوقت نفسه التنوع والاختلاف في المجتمع المحلي. وحول قابلية هذا السيناريو للتحقيق، يشير د.خالد إلى أن منطقة دبا الحصن في إمارة الشارقة يوجد بها إسكان حكومي من 9 طوابق، وهذا يضمن وجود أنشطة اجتماعية، كما يوجد مشروع «الغرفة» في الفجيرة للمواطنين مكون من مباني بـ9 طوابق برعاية برنامج «الشيخ زايد للإسكان». الشقة هناك مكونة من مستويين، وهي تحاكي تصميم الفيلا من حيث استقلاليتها وخصوصيتها. ويُعول د.خالد على هذا النوع من الأحياء كونه يتمتع بكثافة سكانية ملائمة تضمن وجود نشاط اجتماعي يتحقق خلاله التفاعل بين السكان والتعاون، ومن ثم الرجوع إلى منطق «الفريج» الذي نريد الحفاظ عليه كموروث اجتماعي ثقافي.

إحياء «الديوانيات»

وبصورة عملية، يضيف د. خالد أن نظام الفيلا المحاطة بالأسوار، قد لا يوفر فرصة سهلة للتعرف على الجيران، وربما تكون مساحتها لا تسمح بفعاليات اجتماعية جيدة، مما يضطر بعض المواطنين لإنشاء «الديوانيات» على المساحات المقابلة للأسوار الخارجية لفيلاتهم بشكل غير مدروس عمرانياً، وهذا لا بد أخذه في الاعتبار عند التصميم العمراني للفيلات بحيث تكون المساحة الخارجية المقابلة لسور الفيلا الأمامي مخصصة للتفاعل الاجتماعي بين سكان المجتمع المحلي ليس فقط من خلال السماح بإنشاء الديوانيات بها، ولكن أيضاً لعمل «أفنية خارجية» مزروعة توفر مساحة للجلوس والتفاعل الاجتماعي بين أهل البيت والجيران، كما كان يحدث قديماً في ما يسمى العامية «الفريج». كما أن هناك فكرة «الأحواش الأمامية» التي تتمثل في حديقة أمامية مكشوفة محاذية للسور الخارجي للمنزل، وهذه الحديقة تلعب دوراً اجتماعياً لأن رعايتها توفر فرصة لالتقاء الجيران والتأسيس لروابط اجتماعية داخل الحي السكني، على أن تحتوي هذه الأفنية على جلسات ومصاطب كي تخلق نوعاً من الرأسمال الاجتماعي.

ولدى د. خالد قناعة بضرورة وجود مساحات تراعي التواصل الاجتماعي بين السكان صيفاً وشتاء أي أن تكون مجهزة بمظلات للوقاية من الحرارة والمطر، ومن الضروري توفير أماكن للمشي مظللة ومبهجة ومتصلة بالخدمات ما يوفر فرصة للتواصل الاجتماعي داخل الحي السكني. وكل هذه التفاصيل ستساعد على تحقيق الاستدامة الاجتماعية من خلال توفير فرص للتواصل الاجتماعي عبر هذه المساحات العمرانية.

مجالس للمناطق

ومن المهم بالنسبة للدكتور خالد، توفير الفراغات العمرانية بشكل جذاب بحيث تكون مظللة ومضاءة، وأن يتولى السكان إدارة الأنشطة التي تُقام داخلها. ويؤكد أهمية أن يشارك السكان في تخطيط الأحياء السكنية وتصميمها وإدارتها. ويشير إلى ملمح إيجابي في أبوظبي والشارقة، يتمثل في وجود مجالس للمناطق مثل «مجلس البطين» ومجلس محمد خلف"، ويمكن تطويرها بحيث تتضمن أنشطة مثل الندوات ودورات تعليم اللغة والحاسب الآلي من أجل تطوير رأس المال الإنساني، على أن تمتد الأنشطة داخل هذه المجالس لتشمل التوعية الصحية والثقافية والدينية من خلال عمل تطوعي يدعم العلاقات الاجتماعية.، ويعزز الإحساس بالانتماء للمكان والمساهمة في تطويره.



الانتصار للمكون الاجتماعي

توفيق هيدموس، أستاذ الهندسة المعمارية المتخصص في الأبنية المستدامة، والحاصل على درجة الدكتوراه في علوم التصميم من جامعة IUAV of VENICE يلفت الانتباه إلى التخطيط العمراني، وما يتعلق به من خيارات هندسية، لابد وأن يراعي المكون الاجتماعي للبيئة التي يعمل فيها، فالمعيار البيئي ليس هو الوحيد في ضمان استدامة التخطيط العمراني، وهذا يحيلنا إلى العمارة التقليدية التي تتكون استجابةً لثقافة المجتمع بالأساس، وتتوفر مكوناتها بالقرب من موقع البناء الذي تحصل منه أيضاً على احتياجاتها من الموارد البشرية، وهذا في حد ذاته يحقق الاستدامة في بند النقل، ففي هذه الحالة لا نحتاج لهدر طاقة موارد في عملية النقل. ويسترشد هيدموس بتجربة المعماري المصري الشهير الدكتور حسن فتحي، الذي اعتمد في تدشين قرية القرنة بالبر الغربي لمدينة الأقصر، على مواد البناء وعلى العنصر البشري من البيئة المحلية. وأشار هيدموس إلى أن "بينالي التشييد العالمي" الذي يعقد كل عامين في مدينة البندقية، ركّز في نسخته الأخيرة على أهمية البعد الاجتماعي في المدن المستدامة، أو الأبنية الخضراء، وتجدر الإشارة إلى أن أبوظبي شاركت في "بينالي البندقية للتشييد"، وطرحت نموذجاً للبناء التقليدي من مدينة العين. ويؤكد "هيدموس" ضرورة مراعاة الموروث الثقافي، ومعرفة أنماط العمارة التي تم استخدامها في مراحل سابقة حتى عند التفكير في المدن المستدامة. وحسب هيدموس، فإن المعايير المتنوعة لقياس استدامة المباني ليست هي كل شيء في البناء الأخضر، فالأمر لا يتعلق فقط بمعايير تطبيقية وقانونية، بل ينبغي الأخذ في الاعتبار جماليات العمارة، خاصة في بعدها التراثي، وهي تختلف من مكان لآخر، حتى داخل البلد الواحد. ولدى هيدموس قناعة بعدم المبالغة في الالتزام بتصميمات البيوت المستدامة، وهذا المنطق تناوله الأستاذ الجامعي والمهندس المعماري الإيطالي "أندريا غياكتا"، في كتابة المعنون بـ"قفص المشروع البيئي" فهو ينصح بعدم المبالغة في الالتزام بتفاصيل البناء المستدام، شريطة احترام مكوناته الأساسية. "هيدموس" المتخصص في الـ Bio Mimetics وهو مساق حديث مرتبط بعلوم الاستدامة، ويهدف إلى الاستفادة من العلوم الطبيعية والحيوية عند تصميم الأبنية، أوضح هذا الفرع الجديد من العلوم يروم محاكاة آليات الطبيعة في الأبنية الخضراء، على سبيل المثال، بيت النمل الأحمر، الذي يعيش في المناطق الحارة تكون حرارته منخفضة بطريقة طبيعية، ويمكن الاستفادة من هذا النمط لتخفيض استهلاك الطاقة في التبريد ومن ثم توفير ملايين الدولارات التي يتم إنفاقها على إنتاج الطاقة. وينصح هيدموس بعدم الوقوع في فخ العولمة واحترام خصوصية الأماكن من الناحية الثقافية والتراثية والاجتماعية، فالتصميم المعماري أولاً وأخيراً يأتي استجابة لطريقة العيش والنمط الثقافي السائد في المجتمع.. وضرب هيدموس مثالاً بـ East Gate Center كنموذج للتصميم المستوحى من الواقع المحلي، والذي يعتمد على آليات طبيعية في التبريد والتهوية الطبيعية كتلك المستخدمة في بيوت النمل الأحمر، والمبنى مركز تجاري في هيراري عاصمة زيمبابوي.


يتبع..