الاتحاد

ثقافة

جماليات البيئة.. عودة الروح

الجمال يتبدى في كل العوالم الموجودة حولنا في البيئة

الجمال يتبدى في كل العوالم الموجودة حولنا في البيئة

د. سعيد توفيق

تتجه الفلسفة الراهنة - منذ بضعة عقود- نحو الاهتمام بقضايا الحياة المعيشة وعالم التجربة، ونحن نرى ذلك في مجالات فلسفية عديدة، ومنها: فلسفة الحياة اليومية، والأخلاق التطبيقية (بفروعها العديدة)، وفلسفة البيئة، سواء ما يتعلق منها بأخلاقيات البيئة أو بجماليات البيئة. وسأحاول هنا أن ألقي بعض الإضاءات على موضوع «جماليات البيئة»، باعتباره مجالاً من الدراسات البينية التي تتداخل فيها مقاربات شتى من ظواهر الجمال البيئي. وسوف أكتفي هنا بإلقاء الضوء على هذا المجال من خلال تناول المسألتين التاليتين: معنى الجمال البيئي والخبرة بالجمال البيئي.

معنى الجمال البيئي
المراد هنا فهم الظواهر التي تدخل في نطاق الجمال البيئي، فالجمال البيئي لا يشتمل فحسب على الجمال الطبيعي المحض، وإنما يشتمل أيضاً الجمال شبه الطبيعي وتصميم المعمار والتخطيط العمراني. ويقتضي هذا إعادة النظر في اقتصار علم الجمال على موضوع الجميل في الفن، والبحث فيما هنالك من صلات بين مفهوم الجمال الفني ومفهوم الجمال البيئي.
والواقع أن الجمال الطبيعي يشكل موضوعاً أساسياً من البحث في جماليات البيئة. ويمكن القول إن هذا الجمال الطبيعي قد ظُلِم في تاريخ علم الجمال الحديث، حينما طغى عليه البحث في الجميل في الفن وهمشه؛ إذا أصبح- منذ النصف الثاني من القرن الثامن عشر- يتوارى بالتدريج، ولا تتم مناقشته إلا على سبيل التمييز بينه وبين الجميل في الفن. ولكن شيئاً فشيئاً أُعيد الاعتبار لجماليات المشهد البيئي، وأصبح يحتل الصدارة في مجال الدراسات في علم الجمال البيئي منذ أواخر القرن العشرين. ولن نجانب الصواب إذا قلنا أن الكتابات في مجال علم الجمال البيئي- جنباً إلى جنب مع الدراسات في مجال الفلسفة التطبيقية عموماً- قد أصبحت تشكل الآن القدر الأكبر من الدراسات الفلسفية المعاصرة. وربما يرجع السبب في ذلك إلى أن الوعي الإنساني المعاصر قد فطن إلى أزمته الحقيقة التي تمثلت في فصل الوعي الإنساني (أو الروح الإنساني) عن عالمه المعيش، باسم العلم أو باسم النزعة العلمية التي تريد أن تدرس الإنسان نفسه بمعزل عن عالمه، وهو ما نبهنا إليه وحذرنا منه الفيلسوف العظيم إدموند هوسرل في كتابه الشهير «أزمة العلوم الأوروبية».
ولا شك في أن جماليات المشهد الطبيعي تشمل البيئة الطبيعية التي تتمثل في جماليات البرية المتنوعة، وفي ما تنطوي عليه من بحار وشواطئ وأنهار وجداول وغابات وجبال وصخور وعالم حيواني ومنتزهات طبيعية. كل هذه الثروة جزء من خلق الطبيعة؛ ومن ثم يجب الحفاظ عليها والتفاعل معها باعتبارها جزءاً أساسيّاً مهماً من عالمنا المعاش. والحفاظ عليها لا يعني فحسب عدم الجور عليها بتقليص مساحتها بفعل المجتمع الصناعي المتمدن الذي يُقلِّص باستمرار من وجودها وحضورها في عالمنا؛ وإنما يعني أيضاً عدم تشويه ما تبقى منها، من خلال التغيير الجائر لطبيعتها الفطرية بزرع كتل أسمنتية وسطها، أو أبراج شاهقة تُشرِف على مشهدها وكأنها تقوم بتسييجه، فتفسد مشهده وتعزلنا عنه. وربما لهذا السبب أدرك الإنسان المعاصر خطيئته حينما عزل نفسه عن الطبيعة، فأنشأ لذلك المحميات الطبيعية، وهو أمر يُقَاس به الآن مسلك الشعوب المتحضرة.

جمال لا تخطئة العين
ولا شك في أن الجمال الطبيعي لا يُشَاهد فحسب في صوره التقليدية، مثل: الجمال البشري، وجمال كثير من الحيوانات والطيور والأسماك، والمروج والجداول والأنهار والبحار والجبال والصخور؛ بل إنه يُشاهد أيضاً في عظائم الطبيعة وصغائرها: فهو يُشاهد في التكوينات الكونية للأجرام السماوية بتشكيلاتها اللونية المذهلة التي نراها من خلال الصور التي التقطتها الأجهزة التلسكوبية العملاقة الدقيقة، مثلما يُشاهد في التكوينات الدقيقة متناهية الصغر التي التقطتها كاميرات خاصة قادرة على تصوير ما لا يُرى بالعين المجردة. وأذكر في هذا الصدد أن عالماً يُدعى بنتلي قد أنفق خمسين سنة من عمره في تصوير الأشكال الرائعة المتقنة المتفردة في الندف الثلجية، حتى إنه جمع منها آلاف الصور التي ظلت مرجعاً ومصدراً خصباً يستلهمه فنانو الزخرفة وصانعو المفروشات والسجاد. والملاحظ هنا أن هذا الجمال الطبيعي هو من الكثرة والتنوع بحيث لا تبرره الصدفة، كما أنه ليس جمالاً وظيفيّاً من أجل غرض ما، بحيث تبرره الضرورة: فلم يكن الجمال الفائق في الصوت البشري لمطرب أو مطربة أمراً ضروريّاً، لكي يكون صاحب هذا الصوت موجوداً بشريّاً كامل الأهلية وقادراً على التواصل بلغة الكلام. ولم تكن الألوان التشكيلية الرائعة على ريش بعض الطيور ضرورية للتدفئة وتحقيق وظيفة الطيران، ولا حتى للقيام بوظيفة التناسل ذاتها؛ لأن أكثر الكائنات الحية دمامة تمارس وظيفة التناسل على أفضل نحو بمقتضى الغريزة. فهذا الجمال المتنوع الهائل في الطبيعة - في مقابل القبح فيها- إنما يحمل توقيع الله الذي لا شبهة فيه.
هذا الجمال الطبيعي- على كثرته وتنوعه- يكون مقصوداً لكي نتعلم منه ونقدره. حقاً إن الفنان عندما يصور الجمال الطبيعي، لا ينقله كما هو إلى نسيج لوحته، ولكنه يحذف منها ما هو غير ضروري بالنسبة إليه، ويضيف إليه بأن يصوره من خلال منظوره الفني في الرؤية التي ربما يستدعي تغيير زاوية الرؤية والإضاءة ومنظور الأشكال الطبيعية ذاتها. ولكن هذا لا ينبغي أن يُنسينا الحقيقة الأهم، وهي أن الطبيعة هنا تظل هي المصدر الأساسي الملهم والمعلم الأول للفنان، وأن قيمتها العظمى تتمثل في أنها تظل بمثابة الأصل والحقيقة الحية التي تكتنفنا من خلال خبرة حياتية معيشة نتفاعل معها بشكل مباشر في الحياة اليومية.
غير أن الجمال الطبيعي ليس هو الموضوع الوحيد للجمال البيئي؛ إذ يدخل هنا أيضاً جمال البيئات المشيَّدة كعنصر أساسي، وهو يشمل كل الأمكنة التي نتعامل معها بشكل مباشر في حياتنا اليومية، من قبيل: بيئة الحياة اليومية والاعتيادية كما تتمثل في العمل والمنزل، وفي كل الأماكن التي يتحرك ويعيش فيها الإنسان. وهنا على وجه التحديد تبرز أهمية فن المعمار وهندسة التخطيط العمراني؛ إذ بات لزاماً على هذا الفن أن يضع في اعتباره - في المقام الأول - كيف يكون المعمار متصلاً بعالم الطبيعة؛ ومن ثم بانفتاح الداخل على الخارج. بل بات لزاماً على فن الديكور والتصميم الداخلي للمنازل في العوالم المتقدمة أن تراعي ألا يكون المنزل محبساً أو سجناً يقبع المرء بين جدرانه: فليس من المعقول- على سبيل المثال- أن يوضع المكتب الذي يجلس إليه المرء لصياغة أفكاره أو تصوراته، في مواجهة حائط أو جدار يحول بينه وبين الانفتاح على عالم الطبيعة الرحب، ولو في أقل صوره، وفي لمحة من لمحاته؛ لأن هذا يحول دون انفتاح الرؤية على العالم وعلى الخيال الرحب الفسيح الذي يحفزه الانفتاح على العالم الخارجي.

زهرات عباد الشمس للفنان الفرنسي غوغان

الخبرة بالجمال البيئي
البداهة تقتضي أن فهم الخبرة يتأسس على فهم طبيعة موضوعها. ومعنى هذا أن فهم معنى الجمال البيئي هو الذي يوجهنا إلى فهم طبيعة الخبرة به: ماذا تكون؟ ومن ثم، على أي نحو ينبغي أن تكون؟ وسوف نكتشف هنا أن الظواهر الجمالية البيئية لا تتجلى في خبرتنا- أو لا ينبغي أن تتجلى- باعتبارها مجرد جماليات المشهد الطبيعي الذي يشبعنا على المستوى البيولوجي أو يمتعنا على المستوى الحسي المحض، وإنما هي تتجلى في خبرتنا باعتبارها خبرة يتضافر فيها المحسوس مع الشعور العاطفي مع فهم الرمزي والمتخيل. ذلك أن ظواهر الجمال في مجال البيئة- مثلما هي في مجال الفن- تنطوي على طبقات تشكل بنية مركبة، وتفترض وجود الوعي الإنساني القادر على التفاعل معها سواء من خلال عملية التلقي أو حتى من خلال الإبداع للبيئات المشيَّدة. ولهذا فإن الخبرة الجمالية هنا تفترض معرفة مسبقة تقوم على الفهم، وهي معرفة تستلزم القراءة والدراسة والتدريب، وغير ذلك مما يساعد على فهم الجمال البيئي وتقديره.
إن المشهد الطبيعي الجمالي الذي يحدث في خبرتنا، تتبدى جمالياته حينما نفهمه باعتباره مشهدًا ديناميًّا: فحركة الرياح والضوء، ومشهد الغيوم، وتغير الفصول، والتحرك داخل منحنيات دروبه، كل ذلك يجعل جماليات المشهد تتبدى في حالة متغيرة باستمرار. فالجميل في الفن يتبدى لنا أيضاً في حالة حركة دائمة: فالرواية تتغير مسالك أبطالها ومصائرهم في بناء العمل، على نحو يخلق الجاذبية والتشويق والعمق الدرامي. والموسيقى هي دائماً حركة متذبذبة صعوداً وهبوطاً في السلم الموسيقي، واللحن ينحني ويتشعب في مسارات عديدة قبل أن يعود إلى القرار. وهذا يحدث أيضا في فن التصوير، رغم أنه قد شاع القول بأن التصوير يثَّبت اللحظة في المكان على نسيج اللوحة، ومن ثم يثبت الزمان والحركة؛ ولكن هذا الفهم سيكون منقوصاً، إذا غفلنا عن أن اللوحة ذاتها تظل عامرة بالحركة والدينامية في الشخوص وفي الطبيعة المصوَّرة ذاتها، وإن كانت اللوحة ذاتها ثابتة في مكانها بلا حراك. غير أننا يمكن أن نجد تلك الصلة الوثيقة بين جماليات الفن وجماليات البيئة، واضحة بقوة في فن المعمار. وهنا نستطيع أن نجد صلة ما بين الخبرة بالجمال الطبيعي والخبرة بالجمال في فن المعمار: فالعمل الفني المعماري يتبدى لنا شيئًا من جمالياته بفعل توزيع الضوء داخله، ويختلف تأثيره الجمالي بفعل خلفية الضوء التي تتبدل بالليل والنهار وبحسب الفصول المناخية وحركة الرياح، وبفعل مشهد السماء الذي يكتنفه ذلك كله. ولذلك فإن الجمال في البيئات المشيدة (ومنها المعمار) ينبغي أن يراعي معايير الإبداع الفني، وأن يستلهم في الوقت ذاته الطابع الدينامي في جماليات الطبيعة ذاتها؛ فليس المعمار مجرد بنايات من كتل خرسانية مصمتة، مهما طال ارتفاعها حتى بلغت عنان السماء أو لامست سحبها. الجبال الشاهقة التي ترتفع فوق سطح البحر لتلامس السحب، هي فقط التي يمكن أن تعبر عن جماليات المشهد الطبيعي الذي يتناغم فيه الجبل مع البحر، فيبرز له مرتفعًا كي يحد من عنفوانه في المواضع الجغرافية العتيقة التي نشأت بفعل الانكسارات الأرضية الهائلة. خلاصة مقصودي هنا هو أن البيئات المشيدة، خاصةً في فن المعمار، يجب أن تراعي الجغرافيا والتاريخ وشخصية المكان، بحيث تبدو في النهاية منسجمة مع الجمال الطبيعي، وبحيث تبدو كما لو كانت امتداداً له.
ما الذي يمكن أن يُستفاد من هذا كله؟ المستفاد هو أن نتعلم كيف يمكن أن نستفيد من فهم خبراتنا بالأعمال الفنية في فهم خبرتنا بالجمال البيئي، وربما كان العكس صحيح أيضاً، بمعنى أننا يمكننا أن نستفيد من خبرتنا بالجمال الطبيعي في فهم خبرتنا العميقة بالأعمال الفنية! وهذه الصلة العميقة هي ما يمكن أن يساعدنا على فهم البيئات المشيدة وفلسفة إنشائها! وبهذا المعنى يمكننا إزالة الحدود الصارمة التي اصطنعناها بين جماليات الفن وجماليات البيئة على اتساعها. ذلك أن عصرنا الراهن قد نضج بما يكفي، بحيث لم يعد يعتد كثيراً بصرامة الحدود المصطنعة التي وضعناها بأنفسنا؛ فلو أننا فتشنا عن حقيقة معاني الأشياء في مجال الجماليات، سنجدها في حالة من السيولة التي تنداح فيها المعاني بعضها إلى بعض.

تسييج الجمال
الحفاظ على جمال الطبيعة لا يعني فحسب عدم الجور عليها بتقليص مساحتها بفعل المجتمع الصناعي المتمدن الذي يُقلِّص باستمرار من وجودها وحضورها في عالمنا؛ وإنما يعني أيضاً عدم تشويه ما تبقى منها، من خلال التغيير الجائر لطبيعتها الفطرية بزرع كتل إسمنتية وسطها، أو أبراج شاهقة تُشرِف على مشهدها وكأنها تقوم بتسييجه، فتفسد مشهده وتعزلنا عنه.

اقرأ أيضا