الاتحاد

ثقافة

برناردو برتولوتشي.. نحّات الضوء

برتولوتشي

برتولوتشي

إبراهيم الملا

رحل عن المشهد السينمائي العالمي قبل أيام المخرج الإيطالي الكبير برناردو برتولوتشي الذي قال ذات مرة: «هذا شيء طالما حلمت به: أن أعيش الأفلام، أن أصل لنقطة يكون فيها الفيلم بمثابة حياة مكتملة، أن أفكر سينمائيا، أن آكل سينمائيا، أن أنام سينمائيا».
إنه الجهد التخيلي أيضا، الذي بذله برتولوتشي قبل أن يبدأ الكتابة عبر الكاميرا، متأثرا بشعرية متحققة فيه، ومنحدرة من إرث عائلي منتم بقوة للفن والأدب حيث كان والده أتيليو برتولوتشي شاعرا وناقدا ومؤرخا فنيا ذائع الصيت، استلهم منه «برناردو» الصغير المولود في بارما الإيطالية عام 1941 ذلك الفائض الحسي الذي يمنحه الشعر للطبيعة، ولعلاقة الذات مع هذه الطبيعة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بحراك فكري يفسر العالم أنطولوجيا، ويقتحم الأسئلة الصعبة حول الحياة والموت وما بعد الموت، وحول الزمن وتأثيره، والمكان وتطوره، وغيرها من الأسئلة الطاحنة في مدارات الفلسفة، وعلم النفس، والميثولوجيا، والأديان، ومبعث النوازع الخيّرة والأخرى الشريرة لدى الإنسان.
كتب برتولوتشي الشعر مبكرا، واختبر الاستئناس بالعزلة، وقادته تأملاته الشخصية لمفارقة حياة المراهقين المنشغلة بقشور الحياة وترفها العابر، ورأى ما هو أبعد من الشعر عندما خرج من معطف والده، انحيازا لتمرده الخفيّ وغير المعلن تجاه السلطة الأبوية، والاجتماعية عموما، وتأكّد هذا التوجه لديه عندما تعرّف إلى المخرج السينمائي «بيار باولو بازوليني» الذي تحول لاحقا لواحد من أهم المخرجين الطليعيين في إيطاليا، وأكثر الأسماء الإشكالية في السينما لعالمية، مع بازوليني وجد برتولوتشي الشعر طازجا وحيا ومتحركا على الشاشة، ومندفعا عبر الصورة مثل رمح من الضوء، ومن هناك وفي تلك اللحظة الإشراقية قرر برتولوتشي أن يعيش السينما وأن يتنفسها حتى الرمق الأخير، وحتى وصوله للمشهد الختامي لسنواته السبع والسبعين والتي قضى جلها في الرضوخ لإغواء السينما، رضوخ هو أقرب للانجذاب والشغف منه إلى الواجب والإلزام، خصوصاً بالنسبة لشخص استشعر قيمة الثورة الأوروبية، والفرنسية تحديداً، وناضل طويلاً من أجل حرية التعبير الفني، وإطلاق الأفكار السجينة، ورفع الغطاء عن الأصوات المكبوتة، والإضاءة على الصراعات الطبقية في مواجهتها للسياسات النفعية الجشعة، وصولاً لتفكيك العلاقات الإنسانية، وإظهار اللحظات الصادمة في العلاقات الغرامية، عندما يتحول الحب إلى لعنة، ويصبح التقارب الجسدي أشبه بطعنة مسدّدة للروح، ففي المساحة الحائرة بين رحابة الشعر وعنفوانه، وبين التكوين السينمائي ومعماره الدقيق، كان على برتولوتشي أن يمارس دور الخيميائي الفطن لأسرار كلا الحقلين، وكيفية مزج المتآلف بينهما، وعدم حدوث خسارات ذهنية وبصرية عند التنازل عن الصورة في مقابل السرد الشعري، أو العكس.

مشهد من فيلم «شاي في الصحراء»

حاصد الأرواح
تعرّف برتولوشي إلى تقنيات السينما لأول مرة عندما استعان به بازوليني ليعمل مساعداً له في فيلم (أكاتونه) في العام 1961، أما فيلم برتولوتشي الأول فحمل عنوان «حاصد الأرواح» استوحاه من قصة قصيرة كتبها بازوليني أيضاً في العام 1962، تناول الفيلم عالم الجريمة استناداً لوجهات نظر متعددة يصدّرها المشتبهون في جريمة قتل مومس تعثر الشرطة على جثتها قرب نهر التيبر في روما، لتبدأ بعدها لعبة الكر والفر بين الشرطة والمذنب الحقيقي، وتتوزع خيوط السرد على وقائع صادمة وغير متخيلة، تعزف على أوتار سياسية حادة تتعلق بالفراغ الثوري، خصوصاً بالنسبة للشباب المناصرين للحركة البوليتارية والمترقبين بحذر لمآلات النظام الفاشي الصارم، وكيفية اختراقه.

التانغو الأخير في باريس
فيلم برتولوتشي التالي حمل عنوان «قبل الثورة» نفذه في العام 1964 ورصد فيه بدايات وشرارات الثورة ضد البورجوازية في مدينته الأثيرة بارما، خلق الفيلم رجّة قويّة في المشهد السينمائي الإيطالي حينها، ووضع اسم المخرج على الواجهة كإحدى المواهب الواعدة الممثلة للتوجهات المستقلة في السينما المعاصرة، رغم أن السنوات التالية في مهنته الجديدة كمخرج محترف كانت صعبة ومريرة بسبب الأزمة الاقتصادية التي أنهكت صناعة السينما في إيطاليا وفي معظم الدول الأوروبية، وتعافت منها بعد ثلاث سنوات عجاف، قدم بعدها برتولوتشي فيلمه المثير للجدل «التانغو الأخير في باريس» بمشاركة ممثلين رائعين هما المخضرم مارلون براندو، والشابة المتفجرة بالموهبة الأدائية ماريا شنايدر، تضمّن الفيلم حمولات فلسفية ونفسية ثقيلة ومتشعبة في آن واحد، وغلبت عليه المسحة الداكنة فيما يتعلق بطبيعة الشخصيات وصراعاتها الشرسة مع الذاكرة البعيدة، ومع الوقائع القريبة، والمعتمة في العمق، ويمكن وصف الفيلم بأنه سادي على نحو ما، وأنه تقصّد تعذيب الممثلين وإهانتهم ليخرجوا ما في دواخلهم من ردّات فعل صادقة وصادمة أيضا للمتفرج.
رسّخ الفيلم اسم برتولوتشي كمخرج مخلّص لرؤيته الفنية حتى النخاع، بغض النظر عن الأطروحات المناوئة لطريقة عمله، والآراء المتفاوتة حول ما يقدمه، فبين مؤشرات نجاح الفيلم فنياً، والاعتراض العام عليه وعلى طريقة طرحه، فرض «التانغو الأخير في باريس» حضوره في المهرجانات الدولية، وقدم وثيقة بصرية مهمة لمرحلة ما بعد الواقعية الجديدة، وصولا للواقعية الصادمة التي أسس لها برتولوتشي سعياً منه لمحاكمة التحولات الاجتماعية والسياسية العنيفة في فترة السبعينيات وما بعدها، غاص الفيلم نحو المناطق المحرمة، واخترق التابوهات السائدة، ولم تكن جرأة المشاهد الأيروتيكية في الفيلم سوى تعبير حسي فاضح عن المتاهة الوجودية والنفسية لبطل الفيلم «بول» الذي يكره الانتماء حتى لاسمه ولتاريخه الشخصي، ففي أحد الحوارات المؤثرة، تسأله عشيقته: «ما اسمك؟ أنا لم أتعرف على اسمك حتى الآن»، فيجيبها: «هذا لا يهم،، الجميع ينادوني بأسماء مختلفة، قد يكون لي ملايين الأسماء».
هذا التيه وهذا الذوبان الوجودي حدّ المحو والشتات والتنكّر للهوية، بدا واضحا في الأسلوب الإخراجي المتبع بالفيلم، حيث المناظر المهجورة، والأمكنة الفارغة والواسعة تتسيّد المشهد، وحيث العزلة المتضخمة تحيل الشخوص إلى كائنات محطمة وغير عابئة بمصيرها.

مشهد من فيلم «الإمبراطور الأخير»
«إنها قديمة قليلا، ولكنها مليئة بالذكريات» هكذا يصف مارلون براندو إحدى الشقق الباريسية التي يقتحمها وهو يطارد عشيقته التي تختار الانفصال عنه، وصف يمكن إحالته على الفيلم ذاته، لأنه مليء بذكريات برتولوتشي الشخصية، ذكريات يريد التخلّي عنها لأنها أصبحت عبئا على رغبته في التجديد والتنوع وتعرية العالم بما يتضمنه من بشاعات ومرارات لا يمكن معالجتها سوى بالصدمة والمكاشفة العلنية، بعيدا عن النتائج الصعبة المترتبة على هذا الاعتراف الصارخ وعلى هذا الكشف الفاقع.
في المشهد الختامي لفيلم«التانغو الأخير في باريس» يسقط البطل ميتا فوق شرفة تطل على أحياء باريس الخلفية حيث الفراغ والصمت يزيلان الصخب الأليف لموسيقا الميلونغا والفالس المحيطة براقصي التانغو، بينما رقصة الموت الأخيرة تتجلى في الهدوء المخادع لرجل غريب يفقد حياته فيزيائيا بعد أن فقدها افتراضيا بشكل أكثر قسوة وشراسة من الموت نفسه.

مشهد من فيلم «آخر تانغو في باريس»

بريق الإمبراطور الأخير
ازداد البريق السينمائي لبرتولوتشي عندما قدم في العام 1987 الفيلم الأبرز في مسيرته الفنية وهو فيلم «الإمبراطور الأخير» الذي استغرق تصويره ثلاث سنوات، وتناول فيه السيرة الحياتية المؤلمة لأخر الملوك الصينيين وهو«آيسين بويي»، والذي دق سقوطه الإسفين الأخير بين مرحلة النظام الإقطاعي والمرحلة الثورية الجديدة المتمثلة في النظام الشيوعي، وحاز هذا الشريط التاريخي الملحمي على تسع جوائز في الحفل الستين لجوائز الأوسكار منها جائزة أفضل فيلم، وأفضل مخرج، وأفضل سيناريو مقتبس، وأفضل تصوير، وهو الفيلم الأجنبي الوحيد الذي سمحت سلطات الصين الشعبية وقتها بتصويره في قلب الصين وتحديدا في المنطقة التي كان يطلق عليها المدينة المحرّمة منذ العام 1949.
وقبل إنجازه الأهم في فيلم «الإمبراطور الأخير» قدم برتولوتشي عددا من الأفلام المتفاوتة في مستواها ومناخاتها الفكرية وطريقة معالجتها، حيث قدم في العام 1976 فيلما بعنوان «1900» بمشاركة الممثل العتيد روبرت دي نيرو والممثل الفرنسي جيرارد ديبارديو، في شريط بصري يمتد لخمس ساعات ويستعرض صراع الطبقة الكادحة من المزارعين في مقاطعة «إيمليا رومانا» مع السلطة الإقطاعية، منذ بداية القرن العشرين وحتى بداية الحرب العالمية الثانية.
في فيلم «السماء الواقية» 1990 الذي حمل عنوانا بديلا هو «شاي في الصحراء» وبالتعاون مع الروائي الأميركي الشهير بول بولز، نرى بيرتولوتشي وهو يبحر في السديم الغامض للعلاقات العاطفية، متناولا قصة زوجين أمريكيين يقوم بدورهما الممثل جون مالكوفيتش والممثلة ديبرا وينغر، اللذان يجمع بينهما حبهما وممارستهما للفن، ويقرران السفر إلى الصحراء المغربية لخلق رابطة روحية جديدة بينهما، متأملين أن تفتح هذه الرحلة مساحة جمالية خصبة في حياتها، ولكن الذي يحدث هو العكس تماما، حيث تتأزم العلاقة العاطفية بينهما، ويكشف كل منهما حقيقته للآخر وسط صحراء عارية تعرض أكثر مما تضمر، وتظهر بواطن النفس الإنسانية من جانبها الأكثر قبحا، والمتمثلة في الخيانة، والأنانية، والجنوح نحو الفردانية في حدودها القصوى.
ومن أعمال برتولوتشي الأخرى فيلم: «بوذا الصغير» و«خدعة العنكبوت» و«الجمال المنهوب» و«القرين» و«الحالمون» و«أنا وأنت» وهو آخر أفلامه التي أشرف عليها وهو على كرسيه المتحرك في العام 2013، وقبل رحيله بأشهر وتحديدا في أبريل الماضي عبّر برتولوتشي عن رغبته في التصدي لفيلم جديد يتناول موضوعة الحب، من حيث ارتباطه بمفهوم التواصل، وبمفهوم فقدان التواصل في ذات الوقت، وقال إن هذا التضاد في المفاهيم داخل عنوان مشترك، كان من المواضيع المفضلة للمخرج الإيطالي مايكل أنجلو أنطونيوني وأنه أراد نقل هذه الفكرة المبهمة إلى الشاشة الكبيرة في عالم بات مختلفا، ويتوفر على أذواق ومرجعيات متمايزة، مقارنة بنوعية الجماهير التي كانت تستقطبها السينما في الستينيات من القرن الماضي.
رحل برتولوتشي قبل أن ينفّذ فيلمه الجديد، ولكنه طبع اسمه في السجل الذهبي للمخرجين الإيطاليين الكبار أمثال فريدريكو فيلليني، ولوتشينو فيسكونتي، ومايكل أنجلو أنطونيوني، وروبرتو روسيليني، وبازوليني، وفيتوريو دي سيكا، وغيرهم من المخرجين الذي صنعوا نكهة أسلوبية خاصة للسينما الإيطالية عززت من خلالها الابتكارات الذاتية لسينما المؤلف والتي لم تنفصل عن نبض الشارع وتغيرات المجتمع، وعالجتها بأسلوب يجمع بين النقد والتهكم، وبين المواجهة المقصودة مع الأزمات السياسية والاقتصادية، وتلك المواجهة غير المباشرة من خلال لعبة التخييل، وخلق المفارقة المشهدية واللجوء للفنتازيا، والأنماط الرمزية في التعاطي مع الشخصيات والوقائع الحياتية، انتصارا للمثالية الحرجة التي تطرحها هذه السينما ومن دون أن تفرضها على المشاهد، إيمانا منها بتطور الرؤى الفنية مع اختلاف الزمن، وتعدد المناخات الفنية، واستقلالية الأجيال اللاحقة.
ومن هنا أيضا فإن تنوع التجربة السينمائية لبرتولوتشي كان نتاجا لتطور نظرته ونضج معرفته بقيمة وتأثير السينما بعد خفوت الثورات الأيديولوجية الكبرى، ودخول العالم في مرحلة تمزّق للوعي بين المثاليات المفرطة في الوهم، وبين واقع تنهشه الهويات المتنازعة، لن يشهد برتولوتشي بعد رحيله نتائج هذا الصراع والتمزّق في الواقع العالمي الجديد، ولكن تصوراته الفلسفية التي لوّنت أفلامه وأضاءت نظرته للتاريخ القديم والحديث سوف تكون حاضرة وملهمة بلا شك للمخرجين السينمائيين الجدد في إيطاليا وخارجها.

 

 

اقرأ أيضا