الاتحاد

ثقافة

نيتشه.. «الدّاعشي الأعمق»

نيتشه أيد القوة والبطش واحتقر الضعفاء والعبيد والمرأة

نيتشه أيد القوة والبطش واحتقر الضعفاء والعبيد والمرأة

محمد سبيلا

كان نيتشه يقول عن نفسه إنه أشبه ما يكون بديناميت وأنه سيقسم تاريخ العالم إلى قسمين.
فعلا يمكن اعتبار فكر نيتشه - ربما بجانب ماركس - من أكثر الأفكار فعلا وتأثيرا. فمثلا قسم ماركس العالم إلى معسكرين أحدهما مدين له والآخر مناهض له، كذلك، تعرض فكر نيتشه لتأويلات وفهوم متباينة بل متعارضة قسمت الفلاسفة بين أهل الولاء وأهل البراء.
لقد أُول فكر نيتشه تأويلا بيولوجيا يمجد الحياة والحيوية وتأويلا حربيا يدعو إلى تمجيد القوة والحرب مثلما أُول فكره باعتباره فكرا مجنونا بالألوهة والتعالي في الوقت الذي يستعمل فيه مطرقته الهدامة لكل اليقينيات والبداهات وعلى رأسها بديهية التعالي التي أعلن جهارا عن موتها.
لم يسلم من تأثير نيتشه أي من الفلاسفة الذين جاؤوا بعده، فقد أصبحت النيتشويّة بمثابة شرط فكري لا محيد عنه، في كل من ألمانيا وفرنسا. بل إن الفلسفة الفرنسية المعاصرة هي فلسفة نيتشويّة بدرجة ما: دولوز - فوكو - دريدا إلى حد ما، ميشال أونفري وآخرون...
هذه الأصداء لم يفلت منها الفكر العربي الذي تعرف باكرا على فكر نيتشه عبر كتابات سلامة موسى، ثم عبر فؤاد زكريا وقبله عبد الرحمن بدوي ثم عبر لبنانيين وسوريين وتوانسة وجزائريين ومغاربة فيما بعد.

اهتمام مغاربي
في العقود الأخيرة أظهر الفكر المغاربي اهتماما متميزا بفكر نيتشه، ولعل ما ميز الاهتمام المغاربي هو الخروج من حدود النيتشوية الجامعية أو الأكاديمية، كما سبق في الشرق، إلى نيتشوية تضمن المعطى الأكاديمي وتتجاوزه قليلا نحو الانتحاء ونحو استعماله أو توظيف مقولات نيتشوية في التحليل الفلسفي أو السوسيولوجي.
من أبرز الكتابات المغربية حول فكر نيتشه دراسة قدمها الأستاذ محمد أندلسي حول «نيتشه وسياسة الفلسفة» (الدار البيضاء 2006)، وهي دراسة أكاديمية دقيقة تبدي من خلال بعض ملامحها تعاطف صاحبها مع بعض مقولات نيتشه الفلسفية. وكذا دراسة قدمها الأستاذ محمد الشيخ تحت عنوان «نقد الحداثة في فكر نيتشه» بيروت 2008. والدراستان في الأصل رسائل جامعية. وقد طبع الشيخ النصوص والاستشهادات التي ترجمها لنيتشه بنكهة عربية كلاسيكية ذات إشراقات شعرية جميلة. هاتان الدراستان تجمعان بين الهم المنهجي والأكاديمي القوي لكنهما تشيان بأريج متفاوت من التعاطف. وهو نفس الشيء الذي نجده لدى بعض الفلاسفة التونسيين الذين اشتغلوا على نيتشه ومنهم على الأقل ثلاثة أسماء: فتحي المسكيني في ترجمته «لجينالوجيا الأخلاق» وتقديمه له، ونور الدين الشابي في دراسة له تحت عنوان «نيتشه ونقد الحداثة»، وبحث جامعي لفوزية ضيف الله تحت عنوان «كلمات نيتشه الأساسية ضمن القراءة الهيدغرية» (منشورات ضفاف 2015) وهو يشي بنفحات نيتشوية لا تخفي ذاتها.

مسلخة نيتشويَّة
وأخيرا نذكر الكتاب القنبلة، للباحث التونسي محمد المزوغي (الدار البيضاء 2018) تحت عنوان: «التخلص من نيتشه» وهو كتاب عاصف يقصف فيه صاحبه الفيلسوف نيتشه على مدى 384 صفحة من دون شفقة ولا رحمة، عائبا على كل المتفلسفة العرب، وبالخصوص على المغاربيين، كونهم مجّدوا نيتشه وتغافلوا عن عنفه ودعوته للقسوة وساديته وتفاهاته، وجنونه وذمه للحداثة، وشتمه للديمقراطية ولحقوق الإنسان، وانتقاده للعلم والتقنية، واستهجانه للاشتراكية ولأخلاق الرحمة والشفقة وكراهيته للمرأة، واعتداده الشرس بذاته وبنفسه، وبكونه لا يرى إلا نفسه ولا يسمع إلا صوته، وبكونه محدث الشرخ الأكبر في تاريخ البشرية، لأنه هو الممتلك النادر لأكبر قدر من الحكمة والحصافة والذكاء، إلى غير ذلك من أشكال التمجيد الذاتي التي لم يعرفها تاريخ البشرية من قبل.
مقابل هذه المدائح التي يكيلها نيتشه لنفسه بكرم نادر والتي يحصيها ويتابعها المزوغي بكثير من الحرص والدقة ينبري هذا الأخير لشحذ قلمه في توجيه ما يناقضها لصاحب التسميات الحسنى لنفسه.
فقد اعتبر المزوغي أن هواية ورياضة نيتشه المفضلة هي التحقير والسباب والشتم، وأن نموذجه المثالي هو «الإرهاب القتّال الوحشي»، وهو «الداعشي» الأعمق والوهابي الأصدق وصحفي «الجزيرة» الأحمق.
يساق «النيتشويّون» المغاربيون واحداً واحداً إلى هذه المسلخة النيتشويَّة التي هي أكثر حرارة من نار جهنَّم وأكثر انحدارا من كل أودية الجحيم.

- ما هي ذنوبهم الفلسفية؟
- التغاضي عن آثام نيتشه: ذم العبيد واحتقار المرأة، وهواية التعذيب واستِحْمار الجموع، والتشنيع بالديمقراطية وحقوق الإنسان، وتمجيد العنف والحرب والقوة الغاشمة، وسحق الضعفاء...
يحاسب المزوغي الفلاسفة المغاربيين لا فقط على تغاضياتهم وعماهم بل كذلك على تحفيزاتهم وحماستهم لنيتشه واعتبارهم لأفكاره فتوحات فلسفية نادرة بما فيها قدحه في بعض الفلاسفة وتسميتهم عناكب وجرذانا وحميرا، وإشارته إلى كانط بوصفه «ذلك الصيني الكبير من كونسغسبير»، أو ذلك الراهب في جبة فيلسوف.

ميراث غربي
«النيتشويّون» المغاربيون لم يبتدعوا هذه الغواية، بل انتقلت إليهم عبر الفلسفة الأوروبية الحديثة. فرغم العداء التاريخي والحربي الذي ربط بين فرنسا وألمانيا لعدة قرون ورغم عداءات الحرب الثانية فإن الفرنسيين افتتنوا بكل من نيتشه وهيدجر حيث أصبحوا يصنفون إلى نيتشويّين وهيدجريّين.
وعلى هذه القاعدة تواتر اهتمام الفرنسيين بالفكر الألماني اهتماما فلسفيا تمحور في معظمه حول مقولة «تجاوز الميتافيزيقا».
وقد ورث المغاربيون زاوية الرؤية الجامعية والأكاديمية - التي لا تخلو من حدود دنيا من التحيز - لكنها تظل منشدة إلى الإشكالية الفلسفية المحورية: مسألة الذات - مسألة الميتافيزيقا - مسألة الحداثة، مسألة القيم. فهي «قراءات» تقوم على استعمال شبكات منهجية ومفاهيمية وإشكالية يحكمها الهمّ المنهجي والأكاديمي بدرجات متفاوتة.
وهذه الشبكات المنهجية أو الرؤيوية ليست آلات فوتوغرافية بل هي أنشوطات تقوم على «صياغة» الإشكالية، وعلى الانتقاء والتدوير والتركيز والتحامل والاختزال...
فهيدغر الذي خصص لفكر نيتشه أعواما وفصولا دراسية عمد إلى اختزال فكر نيتشه في إشكالات فلسفية و(تاريخ - فكرية) مركزية وركز على مقولاتها الكبرى: إرادة الاقتدار - العود الأبدي - الإنسان الأعلى العدمية... مفترضا بل ومرجّحا أن نيتشه على الرغم من كل تطلعاته ومجاهداته ظل أسير الميتافيزيقا.
هذا هو الماء الحي الذي ارتمى فيه المتفلسفة المغاربيون بوعي ولامسوا أو عالجوا من خلاله القضايا الفكرية الكبرى المطروحة في ذرى الفكر الكوني الحديث: الذات - الحرية - الحداثة - تصور التاريخ بين الحتمية والغائية - الإنسان - الموت - القرار، وهم في ذلك على وعي تام بالتمييز بين العقل والجنون، بين العظمة والتفاهة، بين حرارة السؤال والجاهزية الأيديولوجية للأسئلة الكبرى التي تطرحها الإنسانية الحديثة ذاتها.
لقد وجد الباحثون المغاربيون «النيتشويّون» أنفسهم في وضعية جامعية لها مقاييسها المعيارية الضمنية فاشتغلوا على فكر نيتشه الذي كان نجم الستينات والسبعينات فما فوق في الفكر الفرنسي المنهك والمصدوم بأهوال الحرب الثانية. ولعل السؤال الذي راود الكثير من الجامعيين والمثقفين عامة هو: كيف انحدرت الحضارة الأوروبية الرائدة في العقلانية والتقنية والتساؤل الفلسفي النقدي، وكيف سقط معها العقل العمومي نحو هذه اللاعقلانية وهذا الدرك الأسفل من العنف وإبادة الحضارة؟. هل هي التقنية تفرض منطقها، هل هي السياسة وقد انحدرت إلى هاوية، هل هم الساسة وقد تحولوا إلى حيوانات شرسة، وفي هذا الإطار تميز فكر نيتشه بمطارقه وتساؤلاته الجذرية وتحذيراته من العقل.
كما أتاحت لهم كتابات نيتشه فرصة التساؤل عن الجذور الفكرية والميتافيزيقية العميقة للفكر الغربي الحديث.
وقد مهد لهم نيتشه التساؤلات الجذرية التي عمقها هيدغر. لذلك اتجه الباحثون المغاربيون رأسا إلى المادة الفلسفية (؟!) في كتابات نيتشه حول القيم، والقوة والمعنى والعدمية والعقل... وذلك بموازاة الباحثين الفرنسيين الذين انكبوا على دراسة النويّات الفلسفية لنيتشه والتي لخصها جيل دولوز في المعادلة التالية:
الكينونة = الحياة = إرادة الاقتدار = إرادة الإرادة... والتي ساهم هيدغر نفسه في بلورتها وبخاصة في ذراعها الأخير.
وهذا ما يجعل الحروب النيتشويّة المغاربيّة حروبا تشي بالرغبة في فهم أعماق الفكر الفلسفي الأوروبي مع تعرية بعض سياقاته، وذلك على الرغم من كل الانتقادات الحادة والقاسية التي صوبها لهم بعنف الصديق التونسي العزيز.

 

اقرأ أيضا