الاتحاد

ألوان

الأبرار يطعمون الطعام.. ابتغاء وجه الله

أحمد محمد (القاهرة)

أجّر علي بن أبي طالب نوبة نفسه يسقي نخلاً بشيء من شعير، وقبض الشعير وطحن ثلثه، فجعلوا منه شيئاً ليأكلوه، يقال له: الخزيرة، فلما تم إنضاجه، أتى مسكين فأخرجوا إليه الطعام، ثم عمل الثلث الثاني، فلما تم إنضاجه أتى يتيم، فسأل فأطعموه، ثم عمل الثلث الباقي، فلما تم إنضاجه أتى أسير من المشركين، فأطعموه، وطووا يومهم ذلك، فأنزل الله تعالى: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً)، «سورة الإنسان: الآيات 8 - 10».
قال القاسمي، ويطعمون الطعام على حبه أي مع حب الطعام، أو على حب الله تعالى، لما سيأتي من قوله لوجه الله، مسكيناً ويتيماً وأسيراً، أي مأسوراً من حرب أو مصلحة، وإنما اقتصر على الثلاثة لأنهم من أهم من تجدر الصدقة عليهم، فإن المسكين عاجز عن الاكتساب لما يكفيه، واليتيم مات من يعوله ويكتسب له، مع نهاية عجزه بصغره، والأسير لا يملك لنفسه نصراً ولا حيلة.
وقال السعدي، ويطعمون الطعام وهم في حال يحبون فيها المال والطعام، لكنهم قدموا محبة الله على محبة نفوسهم، ويتحرون في إطعامهم أولى الناس وأحوجهم مسكيناً ويتيماً وأسيراً، ويقصدون بإنفاقهم وإطعامهم وجه الله تعالى، ويقولون بلسان الحال، إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكوراً، لا جزاءً مالياً ولا ثناءً قولياً.
إنا نخاف من ربنا يوماً عبوساً، شديد الجهمة والشر، قمطريراً ضنكاً ضيقاً، فوقاهم الله شر ذلك اليوم فلا يحزنهم الفزع الأكبر، وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون، أكرمهم وأعطاهم نضرة في وجوههم وسروراً في قلوبهم، فجمع لهم بين نعيم الظاهر والباطن وجزاهم بما صبروا على طاعته، فعملوا ما أمكنهم منها، وعن معاصي الله، فتركوها، وعلى أقداره المؤلمة، فلم يتسخطوها، جنة جامعة لكل نعيم، سالمة من كل مكدر ومنغص، وحريراً، ولعل الله إنما خص الحرير، لأنه لباسهم الظاهر، الدال على حال صاحبه.
متكئين فيها على الأرائك، في حال الطمأنينة والراحة والرفاهية، والأرائك هي السرر التي عليها اللباس المزين، لا يرون في الجنة شمساً يضرهم حرها ولا زمهريراً برداً شديداً، بل جميع أوقاتهم في ظل ظليل، لا حر ولا برد، بحيث تلتذ به الأجساد، ولا تتألم من حر ولا برد، ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلاً، قربت ثمراتها من مريدها تقريباً ينالها، وهو قائم، أو قاعد، أو مضطجع.
وقال ابن عطية: وصف الله تعالى حال الأبرار بأنهم كانوا يوفون بالنذر، أي بكل ما نذروه وأعطوا به عهداً، واليوم المشار إليه يوم القيامة، و«مستطيراً» متصلاً شائعاً كاستطارة الفجر والصدع في الزجاجة، وقوله تعالى: (... عَلَى حُبِّهِ...) يحتمل أن يعود الضمير على «الطعام»، أي وهو محبوب للفاقة والحاجة.
وقال الماوردي: ويطعمون الطعام على حبه، وعلى قلته، مسكيناً ويتيماً وأسيراً، وإنهم لم يقولوا ذلك، لكن علمه الله منهم فأثنى عليهم ليرغب في ذلك راغب، لا نريد منكم جزاءً ولا شكوراً، جزاءً بالفعال، وشكوراً بالمقال، وقيل إن هذه الآية نزلت فيمن تكفل بأسرى بدر، وهم سبعة من المهاجرين أبو بكر وعمر وعلي والزبير وعبدالرحمن بن عوف وسعيد وأبو عبيدة.

اقرأ أيضا