صحيفة الاتحاد

عربي ودولي

دراسة: «التنظيم» منذ التأسيس الأب الروحي للجماعات الإرهابية

أحمد مراد (القاهرة)

كشفت دراسة أعدها الباحث علي بن يعقوب الحافظ، باحث في الدراسات الإسلامية، ونشرها مركز «سمت» للدراسات، عن جذور العلاقة بين جماعة الإخوان منذ تأسيسها عام 1928 وبين التنظيمات السرية والإرهابية.
وأوضحت الدراسة التي حملت عنوان «جماعة الإخوان.. الأب الروحي للإرهاب والتنظيمات السرية»، أن الإخوان اتخذوا من العمل السري والتنظيمات السرية، مبدأ تقوم على أساسه دعوتهم، وشابهوا في ذلك تلك التنظيمات السرية للحركات الشيوعية والماسونية والمافوية التي تقوم على مبدأ الغموض والسرية والولاء المطلق للجماعة.
وفي هذا الشأن يقول علي عشماوي، أحد قادة التنظيم السري والمساعد الشخصي لسيد قطب، والذي انشق عن الإخوان فيما بعد: لقد درس الإخوان جميع التنظيمات العالمية حين حاولوا بناء النظام الخاص، وقد تأثروا جداً بالفكر الباطني في التاريخ الإسلامي، حيث كانت التنظيمات العباسية والعلوية والشيعية وما صاحبها من فرق سرية، مصدراً أساسياً تم الرجوع إليه ودراسته والاستنارة بالأفكار الحركية في كل تنظيم على حدة، وأخيراً التنظيمات الصهيونية العالمية بما لها من قوة انضباط واتصالات بجميع القوى السياسية، ومعرفة إخضاع الخصوم والسيطرة عليهم وتصفيتهم.
وفندت الدراسة الادعاء بأن الإخوان اضطروا إلى اعتماد العمل السري، نظراً للتضييق الذي مورس عليهم، وحملات الملاحقة الشرسة التي مارستها الحكومات المصرية المتعاقبة على الجماعة، مؤكدة أن هذا الادعاء ليس صحيحاً، وذلك لسببين:
الأول: أن هذا التضييق والملاحقات، لم تأت مباشرة بمجرد إنشاء جماعة الإخوان، بل كانت الساحة المصرية في ذلك الوقت، حبلى بالعديد من الجماعات والأحزاب والفرق، وجماعة الإخوان كانت إحدى هذه الجماعات، فقد كانت تمارس ما تدعو إليه ظاهراً بكل أريحية، فقد كانت تقيم المؤتمرات والندوات والجمعيات، وسمح لها بإنشاء صحيفة وتوزيعها، وغير ذلك من الأمور التي كانت تشاركها فيها بقية الأحزاب، إلا أن عدم حظر كل هذه الجماعات باستثناء جماعة الإخوان فيما بعد، يطرح أكثر من علامة استفهام على منهج هذه الجماعة، وهو ما يسقط الزعم بأن اعتماد العمل السري، إنما كان بسبب التضييق على الجماعة.
الثاني: لو سلمنا جدلاً بأن الإخوان فعلاً قد ضُيق عليهم في مصر، ولذلك لجؤوا إلى العمل السري، فلماذا لم يقتصر عملهم السري داخل مصر؟ بل مارسوا ذات السرية في دول مُكن لهم فيها، وتمت معاملتهم فيها أحسن معاملة. ونقلت الدراسة شهادة الأمير نايف بن عبدالعزيز آل سعود التي تؤكد أن الإخوان مارسوا العمل السري حتى في البلدان التي أُكرموا فيها، حيث قال الأمير نايف في مقابلة صحفية: أقول بحكم مسؤوليتي إن الإخوان لما اشتدت عليهم الأمور، وعلقت لهم المشانق في دولهم، لجؤوا إلى المملكة، وتحملتهم وصانتهم، وحفظت كرامتهم، وجعلتهم آمنين، وبعد بقائهم لسنوات بين ظهرانينا، وجدنا أنهم يطلبون العمل، فأوجدنا لهم السبل، ففيهم مدرسون وعمداء، فتحنا أمامهم أبواب المدارس وفتحنا لهم الجامعات، ولكن للأسف لم ينسوا ارتباطاتهم السابقة، فأخذوا يجندون الناس، وينشئون التيارات، وأصبحوا ضد المملكة.
الأمر نفسه أكده علي عشماوي، قائلاً: الإخوان يجيدون إيذاء كل من وقف معهم فترة من الزمن إذا حدث واختلف معهم مرة، فقد ساعدتهم الكثير من الدول العربية، فما كان منهم إلا أن أساؤوا إليها وطعنوها وانقلبوا عليها كما كانوا يفعلون مع الأحزاب التي كانوا يتحالفون معها، فعلوا كذلك مع الدول التي آوتهم وأحسنت وفادتهم.
وفيما يتعلق بمسألة حيازة وصنع الأسلحة والمتفجرات والتدرب عليها، أوضحت الدراسة أن جماعة الإخوان كانت تحوز الأسلحة والمتفجرات وتعمل على تدريب أفرادها على استخدامها تحت دعوى الجهاد، وليتهم اقتصروا فعلاً على جهاد العدو كما يزعمون، بل وجهوا أسلحتهم إلى نحور إخوانهم المسلمين، وعاثوا بالبلاد الإسلامية فساداً وتفجيراً.
وذكرت الدراسة بعض من شهادات الإخوان على حيازة الأسلحة والمتفجرات والتدرب عليها، أبرزها شهادة سيد قطب الذي يقول فيها: وأما السلاح فكان موضوعه له جانبان، الأول: أنهم أخبروني أنه نظراً لصعوبة الحصول على ما يلزم منه حتى للتدريب، فقد أخذوا في محاولات لصنع بعض المتفجرات محلياً، وأن التجارب نجحت وصنعت بعض القنابل فعلاً، ولكنها في حاجة إلى التحسين والتجارب مستمرة، الثاني: أن علي عشماوي زارني على غير ميعاد، وأخبرني أنه كان منذ حوالي سنتين قبل التقائنا، قد طلب من أخ في دولة عربية قطعاً من الأسلحة، وحددها له في كشف، ثم ترك الموضوع من وقتها، والآن جاءه خبر منه أن هذه الأسلحة سترسل - وهي كميات كبيرة حوالي سيارة نقل - في خلال شهرين، وتقرر تكليف علي بوقف إرسال الأسلحة من هناك، حتى يتم الاستعلام من مصدرها عن مصدر النقود التي اشتريت بها، فإن كان من غير الإخوان ترفض، والاستفهام كذلك عن طريق شرائها دفعة واحدة أو مجزأة وطريقة إرسالها وضمانات أنها مكشوفة أم لا؟ وبعد ذلك يقال للأخ المرسل ألا يرسلها حتى يخطره بإرسالها، ومضى أكثر من شهر حتى وصل للأخ علي رد مضمونه الباقي في ذاكرتي: أن هذه الأسلحة بأموال إخوانية من خاصة مالهم، وأنهم دفعوا فيها ما هم في حاجة إليه لحياتهم تلبية للرغبة التي سبق إبداؤها من هنا وأنها اشتريت وشحنت بوسائل مأمونة.
وخصصت الدراسة محوراً يتعلق بجرائم الاغتيالات التي نفذتها جماعة الإخوان، موضحة أن تاريخ الإخوان يزخر بعمليات الاغتيال التي قامت بها الجماعة، أو ممن ينتسب إليها، وهذه العمليات يتم تصويرها على أنها أعمال ما فعلت إلا من أجل الجهاد في سبيل الله، وأشهر هذه الاغتيالات هي:
أولاً: اغتيال القاضي أحمد الخازندار: قام التنظيم السري للإخوان بقيادة عبدالرحمن السندي باغتيال القاضي أحمد الخازندار، حيث باشر العضوان حسن عبدالحافظ ومحمود زينهم، إطلاق الرصاص على المستشار الخازندار عند خروجه من منزله في طريق ذهابه إلى مقر عمله.
ثانياً: اغتيال النقراشي باشا: لقد قام عبدالمجيد أحمد حسن، أحد أعضاء جماعة الإخوان باغتيال النقراشي بعد أن تنكر بزي ضابط شرطة وأفرغ عدداً من الرصاصات في جسد النقراشي، وهو يهم بدخول المصعد للتوجه إلى مكتبه في وزارة الداخلية.
ثالثاً: اغتيال المهندس سيد فايز: لم تكتف جماعة الإخوان بتصفية خصومها، بل تجاوزت في التساهل في الدماء إلى اغتيال بعض الشخصيات المنتمية لها، أحد هؤلاء هو المهندس سيد فايز أحد كبار المسؤولين في التنظيم الخاص، وجاءت تلك الجريمة نظراً لوقوف المهندس سيد فايز مع المرشد الهضيبي في قرار فصل عبدالرحمن السندي، رئيس التنظيم الخاص.
وكشفت الدراسة عن قيام الإخوان بتفجير بعض الأماكن العامة والممتلكات الخاصة، مؤكدة أن تاريخ جماعة الإخوان يحفل بالعديد من السوابق الإجرامية، ولعل من هذه السوابق ابتكار الأحزمة الناسفة، والسيارات المفخخة، إذ حاز الإخوان قصب السبق في ابتكار هذه الوسائل التخريبية، موضحة أن الحزام الناسف ابتكره الإخوان عام 1954 لقتل عبدالناصر، وكان أول من تطوع لاستعماله هو الأخ نصير، وهذا الأسلوب هو الذي تطور بعد ذلك ليصبح القنابل البشرية، والمنتحرين والأجسام المفخخة. أما الأسلوب الآخر، فهو السيارات المفخخة التي تستعمل حتى الآن لإرهاب الناس وقتلهم رجالاً ونساء وأطفالاً، وقد ابتكره أحد أقسام الإخوان، وهو قسم الوحدات الذي كان يشرف عليه صلاح شادي، فقام بتفجير عربة محملة بالمتفجرات في حارة اليهود بالقاهرة في 5 يونيو 1948، ثم أتبعها بتفجير عربة يد أخرى في المكان نفسه، وهو حارة اليهود في 19 يوليو من العام نفسه، وقد كان هذا في شهر رمضان، وقد قُتل في هذا الحادث مفجر العربة وعدد من المارة الذين لا حول لهم ولا قوة.
كما خصصت الدراسة محوراً عن تاريخ الإخوان في التخطيط لقلب أنظمة الحكم، والخروج على الملوك والرؤساء، وإضمار العداء لهم، مع إعلان الولاء والمداهنة حال ضعف الجماعة، والمجاهرة بها حال حدوث ما ينبئ بقرب زوال الحاكم أو ضعفه، ومن نماذج انقلابات الإخوان على الملوك، الانقلاب على الملك فاروق، حيث خطط الإخوان للخروج عليه، إذ أظهر له حسن البنا الطاعة، وأسبغ عليه من ألقاب الثناء والتقدير، ومن خلفه كان يحوك المؤامرات والخطط لإزاحته عن الحكم.
كما خطط الإخوان للانقلاب على الإمام يحيى في اليمن واغتياله، حيث لم تكتف جماعة الإخوان بالعمل الإرهابي في مصر، بل امتد ذلك ليصل إلى عدد من الدول الإسلامية والعربية، ومن ضمن هذه الدول اليمن، إذ تم التخطيط والتنفيذ لاغتيال الإمام يحيى، ويقول علي عشماوي حاكياً هذه الحادثة: لقد تآمر الإخوان في اليمن، وعلى رأسهم عبدالله بن الوزير لمحاولة الانقلاب في اليمن، حيث اتفقوا مع حسن البنا في مصر وشكلوا معه الوزراء بأسمائهم، واتفقوا على انتظار الإمام يحيى حتى يموت موتاً طبيعياً، فقد كان طاعناً في السن، وأُعلنت وفاته واندفع قادة الإخوان في مصر لنشر النبأ في جريدتهم، مع ذكر أسماء الوزراء القادمين، معتبرين ذلك سبقاً صحفياً، لكن الإمام يحيى كان لا يزال على قيد الحياة، وهو ما فضح نوايا الإخوان الذين عاجلوا باغتياله على يد «جميل» أحد حراسه، الضباط بحركة رشيد عالي الكيلاني في العراق الذي لجأ إلى اليمن بعد فشل الحركة في العراق، حيث أفرغ في جسد الإمام ما يقرب من ثمانين مقذوفاً، وبالفعل، تشكلت الوزارة التي نشر الإخوان أسماء وزرائها من قبل.
وعن علاقة الإخوان بما يسمى بثورات الربيع العربي، أوضحت الدراسة أن الإخوان كانوا محرضين على الفوضى التي أعقبت هذه الثورات داعمين لها، ونظراً لرغبتهم الشديدة في السلطة، مارسوا التحريض والتسويق لهذه الثورات، وأسبغوا عليها من عبارات الثناء والتمجيد، ووصفوها بالجهاد، فكانت النتيجة كما نرى ونشاهد، ولأن لغة الأرقام دقيقة لا تكذب، فإن أرقام هذا الخريف العربي جاءت مرعبة، إذ جاء في تقرير المنتدى الاستراتيجي العربي عام 2015 أن عدد ضحايا الربيع العربي بلغ 1.34 مليون، وعدد اللاجئين من جراء الربيع العربي بلغ 14.389 مليون، وخسائر البنية التحتية بلغت 461 مليار دولار وإجمالي الخسائر المالية بلغ 833.7 مليار دولار. علماً بأن هذا التقرير قد نشر قبل سنتين من الآن، فإلى كم وصلت هذه الأرقام اليوم؟!
وأكدت الدراسة أن جماعة الإخوان خرج من تحت عباءتها العديد من الجماعات الإرهابية، ورموز الفكر المتطرف، مثل:
أولاً تنظيم القاعدة: لقد تتلمذ أسامة بن لادن زعيم القاعدة في كنف جماعة الإخوان، وتربى منذ نعومة أظفاره على كتب منظريها، ويشهد بذلك نائبه في تنظيم القاعدة أيمن الظواهري، إذ يقول في تسجيل مصور: كان الشيخ أسامة بن لادن يقول: أنا مطرود من التنظيم، أنا أصلاً كنت في تنظيم الإخوان مطروداً. ثم يضيف الظواهري: الشيخ أسامة كان في جماعة الإخوان، لما قام الغزو الروسي لأفغانستان الشيخ نفر فوراً إلى أفغانستان، فكانت توجيهات التنظيم له، لا تتخطَ لاهور.
وليس لأحد أن يقول إن الجماعة بريئة من أسامة بدلالة أنها طردته، وذلك لأن الظواهري في ذات الشهادة يقول: الشيخ مصطفى مشهور -المرشد الخامس لجماعة الإخوان- طلب من بن لادن بعد أن ارتفع اسمه بأن يعود إلى الجماعة.
ثانيا: تنظيم داعش: كان خليفة داعش المزعوم أبوبكر البغدادي، أحد أعضاء جماعة الإخوان بشهادة كبير منظري الإخوان يوسف القرضاوي، إذ يقول في لقاء مصور: ومن ضمن هؤلاء جماعة داعش، الدولة الإسلامية في العراق والشام، وقالوا إن هذا الشاب كان من الإخوة من الإخوان ـ يقصد أبوبكر البغدادي، ولكنه كان يميل إلى القيادة وإلى كذا وأغراه هؤلاء بعد أن ظل سنوات عدة مسجوناً خرج وانضم إلى هؤلاء.
ثالثاً أبو محمد المقدسي: يعد أبو محمد المقدسي من رؤوس الخوارج القعدية، ومن أبرز المنظرين للتيارات الإرهابية، وهذا الرجل ألف كتاباً يكفر فيه الدولة السعودية، وكان يوزع على الذاهبين إلى معسكرات التدريب في أفغانستان، ولا يختلف شأن هذا الرجل عن غيره من هؤلاء الإرهابيين الذين تأثروا بفكر الإخوان بعامة، وبفكر سيد قطب على حد سواء، يقول أبو محمد المقدسي حاكياً عن نفسه: أمضيت عمراً في رافد تصحيحي من روافد الإخوان الذين أرضعونا «الظلال» و«المعالم» وغيرهما من كتب سيد قطب والمودودي، رضاعة في طور الحضانة أعني بداية الهداية.
رابعاً عبدالله عزام: جاء في تعريف عبدالله عزام على الموقع الرسمي لجماعة الإخوان بأنه: شخصية إسلامية يوصف بأنه رائد الجهاد الأفغاني، كان منتمياً لجماعة الإخوان، وكان شخصية محورية في تطوير الحركات الإسلامية المسلحة، وأسس عبدالله عزام مدرسة فكرية وبنية تحتية شبه عسكرية كانت تركز على الصراعات الوطنية الثورية والتحررية المنفصلة.
ويقول عبدالله عزام في مقالة له بعنوان «سيد قطب.. عشرون عاماً على الشهادة»: والذين يتابعون تغير المجتمعات وطبيعة التفكير لدى الجيل المسلم، يدركون أكثر من غيرهم البصمات الواضحة التي تركتها كتابة سيد قطب وقلمه المبارك في تفكيرهم.