الاتحاد

دنيا

هاملت والزير سالم في مسرحية واحدة


دمشق ـ فاطمة شعبان:
هناك الكثير من التقاطعات بين شخصية الزير سالم والأمير هاملت رغم أنهما يأتيان من ثقافتين مختلفتين، الأول يأتي من عمق التراث العربي عبر السيرة الشعبية الشهيرة التي تحمل اسمه، والثاني يأتي من الدانمارك أقصى شمال الغرب مكتوباً مسرحياً بريشة الإنجليزي شكسبير· ورغم هذا الفارق الجغرافي بين الاثنين الزير الآتي من عمق الصحراء ولهيبها، والآخر الآتي من صقيع وثلج الشمال وبرده القارس، فهناك ما يجمع تجربة الشخصيتين، ليس الخيانة وطلب الانتقام كل حسب طريقته وثقافته فحسب، بل وبكونهما شخصيتين قلقتين·
في التقاطعات التي تجمع بين الشخصيتين ما يغري بجمعهما من خلال عمل واحد أدبي أو مسرحي، وهذه التقاطعات هي ما جعل المخرج السوري رمزي شقير يقدم عرضه الذي حمل اسم 'الزير سالم والأمير هاملت'، بالتعاون بين مسرح جان فيلار الفرنسي وزارة الثقافة السورية، وبدعم من معهد العالم العربي في باريس والمركز الثقافي الفرنسي في دمشق· هذا العرض الذي قدم على مسرح الدراما في 'دار الأسد للثقافة والفنون' على نسختين واحدة فرنسية قدمها الممثلان نيكولا هوكنغهيم 'الزير سالم' وفيرجيل كوانيار 'هاملت'، وأخرى عربية قدمها الممثلان سهيل الجباعي 'الزير سالم' ورافي وهبة 'هاملت'، بمشاركة غناء الفنانة رشا رزق، وموسيقا الفنان أسامة البني·
شخصيتان وثقافتان
يجمع العرض بين الشخصيتين من خلال تجربتهما دون التغيير في العملين، ولكنه يختار من كل سيرة شخصية لبطلي العمل أجزاء متناثرة، معتمداً بشكل رئيسي على افتراض أن الجمهور يعرف السيرة الشخصية لبطلي العمل كاملة·
يُفتتح العرض بدخول الأميرين إلى المسرح يحمل كل منهما رأس حصان يحمله كل أمير على صدره، ويرافقهما على المسرح عزف التشيلو، ومغنية الأوبرا التي تتغير أدوارها مرة جليلة ومرة الساحرة في سيرة الزير سالم، ومرة أخرى أوفيليا عشيقة هاملت· ويقدمان بعضهما على المسرح، وما يجمعهما 'الشعر ومن يحب الشعر' الأول للزير والثاني لهاملت، الزير يطالب بالانتقام والقتل من أجل عودة أخيه كليب إلى الحياة، وهاملت يقول للزير 'تحت عرشي بقعة دم اغسلها بماء رائق' ليدل على تلوث العرش الذي يتحدث عنه الزير·
يروي الزير سالم ملخص سيرته من خلال الاستعانة بنماذج تسبه مسرح العرائس، واحدة له وأخرى لأخيه كليب وواحدة لزوجة أخيه جليلة وواحدة لجساس وأخرى لحسان ملك العرب الذي يقتلونه انتقاماً ومن أجل الحصول على عرشه، ويذهب العرش إلى كليب الذي كما يروي الزير ما قالته جليلة لزوجها: 'كليب ستحكم وليس على سيفك نقطة دم واحدة' يزال مسرح العرائس عن المسرح، ليعود هاملت إلى مأساته وليلوم نفسه: 'أي جبان أنا··· أنا ابن الملك المقتول'· وبعد فترة من التأمل يعود إلى القول: 'المسرحية هي الشيء الذي سأقبض فيه على ضمير الملك'، وهي الوسيلة التي يستخدمها هاملت في العمل الأصلي ليكشف الخيانة التي أخبره إياها شبح أبيه·
يتبارز كل من الزير سالم وهاملت بسيفين يعود نموذج كل منهما إلى المكان الذي ينتمي إليه، ولكنهما يتباريان للتمرين وهما يتحاوران، الزير 'عندي وفاء وحش للدم' من أجل ذلك يريد الانتقام وقتل الجميع· ويسأل الزير هاملت: 'هل تصمد أمام المحنة؟'· يجيب هاملت: 'امتحني'· عندها تظهر أوفيليا على المسرح، ليتغير هاملت رأساً على عقب وليقول لها: 'كنت أحبك، وكان عليك أن لا تصدقيني'، وهي تستمر طوال المشهد تغني غناء أوبرالي وليسألها: 'ما الذي يتوجب علي فعله حتى أزحف بين السماء والأرض!؟'·
تقاطع الخيانة
يعود الزير ليروي جزء الخيانة من سيرته، وبعد أن يقول: 'أعشق المرأة والسيف والكأس'، يتحدث عند دخوله منزل أخيه بعد لعبة ربط العيون التي تربطها له إحدى النساء لمعرفة قدرته على اتباع حسه، يجد نفسه داخل منزل أخيه كليب ممسكاً بجليلة زوجة أخيه، مما يغضب كليب الذي يقول له: 'اذهب إلى الصحراء منفياً معذباً'، ويقضي في الصحراء عاماً كاملاً أثناءها يقتل أخيه كليب· عرافة تقرأ الطالع تأتي إلى منزل كليب حيث يكون جساس، تسأله هل أنت الملك؟ يقول لها لا· فتقول له أريد الملك لأخبره النبوءة، فيصر على إخباره النبوءة بوصفه كليب، تخبره مع معرفتها أنه جساس: أن مقتل حسان كان بسيف جساس، وأن مقتل كليب سيكون على يد جساس، وجساس يقتل كليب تحت تأثير النبوءة· الزير يروي والصوت الأوبرالي يغني: 'لا تصالح·· لا تصالح'·
من خيانه جساس كما يرويها الزير إلى خيانة الملك في هاملت التي يكشفها مشهد الشبح وهو المشهد الشهير في مسرحية 'هاملت'، وهو المشهد الوحيد الذي يمثل في العرض· يقلب الزير لباسه ليمثل دور الملك والد هاملت، ويخبره أنه قتل وليس للأفعى أي ذنب في موته ويخبره 'ملزم أنت بالانتقام'، ويوصيه أن يترك أمه لانتقام السماء·
أسئلة الوجود
يعود هاملت إلى سؤال التأكد من أخبار الشبح: 'أنا الذي قُتل أبي ولوثت أمي··· سأقبض على ضمير الملك'· يطلب من الزير أن يساعده في مسرحيته، ولكن هذه المرة عبر العرائس، يرفض الزير تمثيل دور القاتل فيلعب دور هاملت ويلعب هاملت دور القاتل ودمية كليب المقتول تلعب دور جثة الملك الدانماركي المقتول· في تبادل للأدوار يحاول أن يصور مدى التقاطع في السير الذاتية لكل من الشخصيتين·
ومع الاقتراب من نهاية العرض، تتحول الدراما في العرض إلى نوع من التبادل الخطابي سواء في التقاطعات بين الشخصيتين أو بالاختلاف، فعندما يقول هاملت جملته الأشهر 'نكون أو لا نكون ذلك هو السؤال' تظهر معزولة عن سياقها وتفقد دلالاتها، وليرد عليه الزير سالم بشيء شبيه ولكنه ضعيف ورديء، عندما يسأل الزير نفسه 'ماذا نريد؟'، فيجيب: 'لا خير في شيء إلا أن يكون ما أريد'· وهو الفرق بين سؤال الوجود الذي يسأله هاملت، والجواب الأناني الذي يظهر على لسان الزير· ويعود هاملت ليقول: 'ألا هكذا يجعلنا التأمل جميعاً جبناء'، ليذهب الزير لينام في ما يشبه الصحراء في نهاية المسرح، وليأت هاملت لينام في بركة من الماء موجودة في مقدمة المسرح· ولتحمل الممثلة التاج الذي تنقل من رأس إلى رأس، وتعلق العرائس في منتصف المسرح بحبال ترفعها إلى منتصف المسافة بين أرضه وسقفه لتسبح العرائس في الهواء، ولتضع في النهاية التاج على رأس هاملت·
تقع العروض التي تحاول معالجة شخصيات كثيراً ما عولجت مثل شخصية هاملت، أو شخصيات لها وقع الأسطرة مثل الزير سالم، دائماً في فخ المقارنة مع عروض قوية واستثنائية، أو صورة قوية بقيت في رأس المشاهد من الأسطورة، خاصة وأن الشخصيات القلقة تحتاج إلى ممثلين استثنائيين· لكن المعالجة في تقاطع شخصيتين من هذا الوزن تستحق المحاولة·

اقرأ أيضا