الاتحاد

دنيا

فخرية الجارودي: أخطر أمراضنا تبدأ من النفس

دبي ـ خولة علي:
الصحة النفسية حالة من الاتزان النفسي تترك بصمة واضحة في حياة الفرد من حيث تكوين شخصيته ومقدرته على التخطيط لمستقبله، وحل مشكلاته النفسية والتكيف مع الواقع وما فيه من معايير اجتماعية ورغبة في الإسهام في بناء المجتمع وتقدمه·ولنشوء مجتمع مترابط متماسك وسليم لابد ان يتحلى أفراده بالصحة النفسية التي تتأثر بشكل أو بآخر بالبيئة المحيطة به وعلاقة الأفراد مع بعضهم البعض، والتي لابد ان تبدأ من نواة هذا المجتمع وهي الاسرة التي يقع على عاتقها الكثير، فالتربية مهمة في الصحة النفسية، فإذا نشأ الطفل بطريقة سليمة اكتسب شخصية طبيعية ولقد عرف منذ القدم ان العناية بالطفل ورعايته دون وجود مشاعر المحبة والعطف، ستثمر طفلا اعتمادياً وذا سلوك غير سوي· وحول هذا الموضوع كان لنا هذه الوقفة مع الاستاذة فخرية يوسف الجارودي -اخصائية نفسية- وحديثها حول كيفية تمتع النفس البشرية بالصحة والاستمتاع بها·
معايير الصحة النفسية
تقول الاستاذة فخرية يوسف الجارودي، ان للحالة النفسية دوراً قويا في التأثير على مجمل حياة الفرد، هذا التأثير الذي ينعكس على المحيطين به، ويتأثرون إما سلباً أو إيجاباً وفق ما يتعرض له من مواقف وأحداث، وتعد أغلب الأمراض الخطيرة التي تفتك بالانسان مصدرها الحالة النفسية السيئة التي يمر بها وعدم مواجهته للمواقف التي تصادفه بطريقة حوارية واكثر هدوءاً وبعيداً عن التوتر والقلق· وهناك معايير أساسية تنبثق منها الصحة النفسية والذي يتمحور حول رأي الفرد في طاقاته وإنجازاته أي هو ما يحتمل ان يوجد من تفاوت بين ما يستطيع الفرد القيام به وما يقوم به وينجزه فعلياً، فعدم تمكن الفرد من جعل طاقاته الجسدية والنفسية تعمل في كامل حدود ما تستطيعه، فهذه تعد إشارة واضحة بوجود اضطراب نفسي·
ومدى التكيف مع شروط الواقع أي مدى قدرة الفرد على فهم الواقع كما هو، وقبول صعوباته ومعرفة حدوده وعدم الهروب منها تجاه الأحلام والخيال، بالإضافة إلى عنصر الاتزان والوجداني وتعنى التوازن بين انفعالات الشخص والمؤثرات العاملة في ذلك، وذلك بالحفاظ على قدر مناسب من الحساسية الانفعالية أي مستوى الاتزان في الحياة الانفعالية عند الانسان، كأن لا تكون العاطفة جامحة ومسيطرة عليه، ولا تكون جامدة ومتبلدة ومتحجرة·
والمعيار الآخر هو صحة العمليات الأساسية، الفعلية ويشمل هذا العنصر عملية الإدراك، التفكير، التخيل، التطور والذاكرة وغيرها من الوظائف ومدى صحتها ودقتها وسيرها ضمن المبادئ الفعلية الأساسية· وأيضاً التكيف الاجتماعي، والمتمثل في توافق الفرد مع شروط حياة الجماعة وتفاعله معها، فالفرد الذي يتمتع بصحة نفسية سليمة، يستطيع العيش بسلام وصدامة مع الاخرين ضمن حدود الفرق أو التكتل الاجتماعي، فهو قادر على التعاون وراغب في التعامل على غيره على أساس علاقات اجتماعية قائمة على المسؤولية والاحترام المتبادل·
مظاهر الصحة النفسية
وتضيف الجارودي، قائلة: ومن المظاهر التي تعتبر أساسية في التعبير عن الصحة النفسية هي المحافظة على شخصية متكاملة بحيث تتوافق وتتناسق بين الاحتياجات الشخصية والسلوك المتجة نحو الهدف، بالإضافة إلى وجود توازن بين القوى النفسية والنظرة الموحدة للحياة ومواجهة أشكال الضغوط وشدتها، بالإضافة إلى المحافظة على الثبات النفسي وتشمل جانباً ماماً من جوانب الشخصية المتمثلة في عدم التردد المتكرر فيما يتصل بالاتجاهات، وأيضاً النمو العام للفرد أي ما يكسبه في حياته من معارف وخبرات وانفعالات وعلاقات اجتماعية، ومن خلال الدور الاجتماعي للفرد في المجتمع يتضح المكانة الاجتماعية للفرد والعمل الذي يجب ان يؤديه من أجل تقدم مجتمعه، فكل فرد عضو في جماعة وكل عضو يستطيع ان يعمل ويؤدي خدمات من أجل الجماعة، والصحة النفسية تتجلى في تعاون الفرد مع غيره ومن أجل مجتمعه وضمن شروط طاقاته وقدراته·
خصائص الشخصية
وهناك عدة خصائص تتحلى بها الشخصية المتمتعة بالصحة النفسية منها التوافق والمتمثل في التوافق الشخصي والرضا النفسي، بالإضافة إلى التوافق الاجتماعي·
الخاصية الاخرى وهو الشعور بالسعادة مع النفس ويظهر ذلك من خلال الشعور بالسعادة والراحة النفسية، ولما للفرد من ماضٍ سوي، وحاضر سعيد، ومستقبل مشرق واشباع الحاجات النفسية والأساسية والشعور بالأمان والطمأنينة والثقة، بالإضافة إلى وجود تسامح نحو الذات واحترام النفس وتقبلها، ولا ننسى أهمية السعادة مع الاخرين وكالحب والثقة فيهم واحترامهم، ووجود اتجاه متسامح نحو الاخرين والقدرة على إقامة علاقات اجتماعية سليمة ودائمة، والقدرة على التضحية وخدمة الاخرين وتحمل المسؤولية المجتمعية، وأخيراً المرونة في مواجهة مطالب الحياة من حيث النظرة السليمة والموضوعية للحياة ومطالبها ومشكلاتها اليومية والقدرة على مواجهة احباطات الحياة اليومية·
وتشير الجارودي انه إذا اخذنا الصحة النفسية واختلالها لوجدنا ان الأمر فيها نسبي لا يوجد حد فاصل بين الصحة النفسية والمرض النفسي، فالصحة النفسية شبيهة في ذلك بالصحة الجسمية، فالتوافق التام بين الوظائف الجسمية المختلفة لا يكاد يكون له وجود، ولكن درجة اختلال هذا التوازن هي التي تبين حالة المرض عن حالة الصحة، فكل هذه الأمور السابقة الذكر تشير إلى جوانب الصحة النفسية التي لابد ان تتواجد في باطن كل فرد، ليحي بطريقة صحية وسليمة فيؤثر إيجابياً على من حوله، وبما ان الأسرة هي نواة المجتمع والحضن الأول لنشوء الطفل، فتغرس أولى ملامح شخصية الطفل فيها، فيستمد الطفل كل أفكاره وسلوكياته من البيئة التي نشأ بها، وقد أشارت نتائج البحوث النفسية إلى ان هناك عدة جوانب تؤثر في حياة الطفل وصحته النفسية منها ان الفرد بطبيعته يكتسب الأساليب السوية للسلوك والتفكير من خلال تفاعله الاجتماعي مع الآخرين، وان الآباء هم الذين يقومون بعملية التطبيع الاجتماعي ويدربون الطفل على ما هو قائم في ثقافة الجماعة التي ينتمي إليها، وان الطفل يستجيب للأبوين عندما تكون العلاقات العاقلية سوية وفي أغلب الأحيان يكتسب الطفل الانماط السلوكية الشاذة من سلوك تصدره الأم، لذا فإن شخصية الابناء تتأثر إلى حد كبير بشخصية الآباء، وان هذا التأثير يكون على أشده في السنوات الأولى من عمر الطفل، والطفل بطبيعته يملك درجة عالية من الفضول والنزعة لمعرفة ما حوله، وهو مستعد لقبول الأوامر والنواهي من الراشدين لانه يرى فيهم القوة والقدرة على اشباع احتياجاته، كما ان معظم الاتجاهات النفسية والمهارات الاجتماعية تتشكل في هذه الفترة الحاسمة من حياة الطفل، وان تطور نمو الطفل من النواحي المعرفية والانفعالية والاجتماعية تعتمد أساساً على شخصية الوالدين لوكنهما الرجع الأساسي التي ينهل منهما أولى خطواته في الحياة، فيجب على الآباء ان يتجنبوا أساليب التربية السلبية كالتدليل الزائد، الإهمال أو القسوة، لما لها من نتائج سلبية خطيرة على سلوك الطفل·
أساليب التربية
من أساليب التربية السليمة التي لابد ان ينتهجها الآباء هو احترام شخصية الطفل ومنحه قدراً مناسباً من الاستقلالية وتدريبه على إتخاذ القرارات في المسائل التي تتعلق به والتي نعتقد انه قادر على إتخاذها، ومنحه قدراً مناسباً من الحب والتقدير في مجمل الأعمال الحسنة التي يقوم بها، ولابد ان يكون العقاب معتدلاً بحيث يتناسب مع الذنب الذي ارتكبه الطفل ويفضل استخدام العقاب النفسي بدلاً من العقاب البدني، مثل حرمان الطفل من الذهاب للتنزة وغيره·
وأخيراً ترى الجاردوي ان هناك عدة طرق مهمة لتعديل سلوك الفرد منها العلاج السلوكي المعرفي والذي يستند إلى مبادئ عامة وفي كيفية مواجهة الضغوط من خلال تطوير الوعي بأحداث البيئة، وان تكون ردود الفعل معرفية تستطيع مواجهة كل المواقف، بالإضافة إلى ذلك يمكن علاج السلوك عن طريق الاسترخاء بالتنفس العميق اليوغا وارخاء العضلات وأيضاً ممارسة نوع من النشاط البدني بشكل منتظم هو احد الطرق السهلة والاكثر فائدة للحصول على تغيرات إيجابية في حياة الفرد·

اقرأ أيضا