الخميس 19 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
ثقافة
أي دور لـ «القيّم الفني» في الساحة التشكيلية؟
أي دور لـ «القيّم الفني» في الساحة التشكيلية؟
18 أغسطس 2013 22:45

انفتح المشهد التشكيلي العربي في السنوات الأخيرة، وزادت وتيرة تفاعله مع المشاريع والتقاليد ونماذج أو طرائق العمل المتنوعة التي عرفتها ساحات فنية في أوروبا وأميركا وآسيا. كل ذلك كان يحصل منذ وقت ليس بالقصير خصوصاً على صعيد الممارسة الإبداعية للفنانين؛ فثمة العديد من مبدعينا تداخلوا مع سواهم من فناني العالم، وأفادوا منهم وأحدثوا بعض التجديدات على حلولهم وخياراتهم الفنية ورؤاهم. ولكن التبادلات، بين الـ (هنا) والـ (هناك)، على صعيد الممارسات والتقاليد المؤسساتية ظلت أقل تغيراً أو تطوراً، وصولاً إلى السنوات العشرين الأخيرة، حيث بتنا نشهد، بدفع من الحراك العولمي، تداخلات على كل الصعد تقريباً، وباتت المسافات بين أنحاء المعمورة أقصر من أي وقت مضى. ويلحظ المتابع للساحة الفنية العربية في الوقت الراهن، تزايداً لافتاً في عدد المهرجانات والتظاهرات، كما أن بمقدوره الانتباه إلى اهتمام متعاظم، سواء على الصعيد الرسمي أو الأهلي، بتنظيم المعارض وإقامة المتاحف وصالات العرض و«الغاليرهات». ينظر البعض إلى كل ذلك بوصفه نتيجة من نتائج التفاعل البنّاء مع الثقافة الغربية، فهي الرائدة في هذا المجال، فيما يقرأه البعض الآخر باعتباره «موضة» لن تصمد كثيراً في المشهد الثقافي المحلي، وثمة من يراه ثمرة لما راكمه الحراك الفني العربي منذ سنوات بداياته. إذاً، أغرى هذا الواقع الفني الجديد كليةً، العديد من المهتمين والمتابعين بمقاربته وقراءة قضاياه في منابر عدة؛ وفي هذا الإطار يأتي هذا التحقيق الذي استطلعت «الاتحاد» من خلاله آراء بعض المشتغلين في المجال الفني بالإمارات. السؤال هنا يتعلق بالدور الذي يلعبه «القيّم الفني».. هذا التوصيف الذي بتنا نطالعه أخيراً في مصادر شتى تخص المجال، ما دلالته؟ بعضهم يصفه «القيّم الفني» وثمة من يناديه «المشرف على المعرض» أو «المنسق»، «المدير». وفي كل حال يعني التوصيف ذلك الشخص الذي يتولى مهمة انتقاء مجموعة من الفنانين (أو اللوحات/ الأعمال) للمشاركة في معرض ما، وهو يعتمد أو يتوخى في انتقائيته تلك قيمة أو رؤية ما تعبر عنها أم تلهم بها أعمالهم. تحديات وقد قيل الكثير من الكلام حول هذا «القيّم» ودوره خصوصاً في المشهد الفني العربي الذي يبدو انه تعرّف عليه أخيراً جداً، على الأقل بحسب الإفادات هنا؛ فهو يلعب دوراً دقيقاً للغاية في ساحة فنية باتت أكثر حساسيّة تجاه مسائل وحسابات مثل «السلطة» و»الرواج أو الشيوع» و»الربح والخسارة». وتلك مسائل أو مخاطر من الصعب تفاديها بالنسبة لشخص مثل «القيمّ» إذ إن موقعه الذي يربط بين ثلاث حلقات تحكم الوسط الفني في العالم «الفنان ( دور العرض) والسوق أو المجال الفني العام» يضعه أمام تحديات ومسؤوليات لا حصر لها؛ فهو عرضة دائماً لأن يكون متهماً أما بالتحيز لتيار فني أو لجيل معين، حساسية إبداعية، أسماء معينة، أو مفتتن بأيديولوجيا.. إلخ؟ هذا ما يؤكده هشام المظلوم مدير إدارة الفنون بدائرة الثقافة والإعلام في الشارقة الذي يشدد في حديثه إلى «الاتحاد» على ضرورة وجود هذا القيّم في المجال التشكيلي العربي. ويقر المظلوم بوجود إشكاليات في حضور القيّم على مستوى المعارض العربية ولكنه يستطرد: «قياساً إلى النتائج الإيجابية التي يمكن الحصول عليها بالاعتماد على القيم فان السلبيات قليلة جداً». ويتابع: «كل عمل مشروط بظروفه. وفي تقديري أن من بين ما ينبغي أن نعتمده في مؤسساتنا هو أن نعطي القيّم الفني حرية كاملة في الاختيار وأن نساعده في ذلك، ولكن علينا ألا نتدخل في عمله طالما وثقنا في خبرته وتبصره الثقافي مهما كانت الاعتبارات». ويلفت المظلوم إلى تجربة «بينالي الشارقة»، ويذكر أن هذا البينالي الذي تأسس حديثا، قياسا إلى بينالهيات أخرى في المنطقة العربية، يحظى حالياً بسمعة عالمية، بفضل اعتماده على قيّمين متميزين وعلى درجة عالية من الكفاءة. في «بينالي الخط» الذي تنظمه إدارة الفنون بالدائرة وفي أنشطة عديدة أخرى، بحسب المظلوم، يتم اختيار لجنة لتقييم مستويات الأعمال وهي تتمتع بحرية كاملة في ما تختاره من دون تدخل من الإدارة. القيّم الفني والناقد يدرج بعض القيمين الفنيين رؤاه في مقدمات الـ «كاتولوجات» والـ«مطويات» الخاصة بالمعارض والمتاحف الفنية، ومنهم من يوازي القطع الفنية المعروضة بشروح وتوصيفات مكتوبة تتضمن تقييمات وتعبيرات يُختلف حولها كثيراً؛ فهل يقوم القيّم الفني بدور لا يخصه هنا.. أيمكن اعتباره متبنياً لدور الناقد؟ تجيب الفنانة الإماراتية فاطمة لوتاه: كيف لشخص لم يعش لحظه الخلق، كما عاشها الفنان أن يحكم عليه؟». وتضيف لوتاه: «قد تحكم على العمل بالتكنيك الجيد أو توازن الإنشاء ولكن العمل الفني هو لحظة يعيشها الفنان كي تعاش من قبل من يستطيع الإحساس بالحالة، المشاهد أقصد... فلا ناقد ولا القيم يستطيع، في تصوري، أن يكتب ما تراه الروح، لحظة اللقاء». من جانبه، يرى الفنان السوري إسماعيل الرفاعي أن من الصعب بالنسبة للقيّم الفني أن يقوم بدور الناقد: «دور الناقد يأتي تالياً لعمل القيّم». ويضيف الرفاعي الذي عمل لوقت ليس بالقصير في القسم الإعلامي لمؤسسة الشارقة للفنون المعنية بـ «بينالي الشارقة»: «من خبرتي الشخصية قلما يتوجه القيّم إلى التعليق على الأعمال الفنية سواء في الكتيبات المصاحبة أو الصحف ولكن إن وجد القيّم الذي يمتلك هذه القدرة فهذا يمثل إضافة إلى عمله». ويتفق المظلوم مع الرفاعي في هذا القول ويزيد: القيّم شأنه يخص المشاريع والفعاليات، وهو معني بتقديم الأطر والرؤى التي تخلص بتجربة معرض ما أو تظاهرة ما إلى المدى المأمول لها سواء على الصعيد الإعلامي أو الثقافي أو الاجتماعي.. أما الناقد فشغله يتعلق بقراءة الأعمال المعروضة وفرزها على أساس ما يتبناه أو يؤمن به من معايير جمالية ودلالية.. إلخ». لكن الناقد المصري محمد حميدة يرى أن دور القيم يتقاطع مع دور الناقد الفني ويوضح وجهة نظره قائلًا: لقد بات حضور القيّم الفني على المستوى العربي من المسلمات الراهنة ضمن الحراك التشكيلي عموماً، وخاصة فيما يتعلق بتلك النوعية من المعارض ذات التوجه المعاصر التي تحتضنها المؤسسات الرسمية أو صالات العرض الكبرى، حيث ترتكز تلك المعارض والملتقيات التشكيلية على نوع من الفلسفات والرؤى الفكرية التي تبلور حضور ومشاركة مجموعة من الفنانين في معرض ما أو بينالي يتم الإعداد له والتحضير لتنظيمه سلفاً طبقاً لقناعات القيّم وانتقاءاته، فهو الذي يخطط لطبيعة المعرض ويختار محاوره وتيمته الرئيسة ويعمل على اصطفاء الأسماء الفنية المشاركة بما يعضد رؤاه وتصوراته ذات الطبيعة التنظيرية التي ربما تسهم في طرح المعنى وتعضده بنصوص موازية ما يجعل القيّم في تلك الأثناء يتقاطع في قسم من عمله مع الناقد الفني المختص، ولكنه ها هنا لا يكون بديلاً عنه بشكل أو بآخر». خبرة.. متغيرة ويدعو المظلوم إلى إعطاء القيّم حرية الاختيار كونه يملك الخبرة أكثر من المؤسسة، بيد انه يلفت إلى ضرورة استبدال القيم بعد ثلاثة معارض أو تجارب كما يحصل في التجربة الغربية و يشرح قائلاً: «أياً كان القيّم فان اختياراته لا يمكن أن تكون معصومة ولا يصح اعتبارها نهاية كل شيء، ولكي نُكسب تجاربنا ما يلزمها من تجدد وتحديث لا بد أن نتنّقل بين الحساسيات والتيارات الفنية وألا نركن إلى مزاج فني واحد، وخصوصاً في الساحة التشكيلية». والرأي ذاته يعبر عنه حميدة: «النجاحات المأمولة للمعارض المعاصرة ترتهن في تحققها بالوقوف على خبرة ذلك القيّم ومدى إلمامه بمجريات ومقتضيات ضرورية يجب ألا تغيب حال طرح فكرة واختيار من يشتغل عليها من الفنانين ويصل بها إلى المبتغى والمراد، كما أن تنويع القيميين مهم جدا لمواكبة مستجدات الساحة والاستجابة لكل الأذواق». ويؤكد الرفاعي على أن عمل القيّم «يتأثر بالمؤسسة التي تستعين به سواء كانت تجارية ربحية أو مؤسسة ثقافية رسمية في هذا البلد أو ذاك، وهو لا شك يتناغم في اختياراته من الأعمال مع كل تلك التأثيرات إلى جانب خضوعه لمزاجه الشخصي أو ذاكرة مشاهداته وقراءاته». لكن، لماذا لا نشاهد القيّم الفني العربي في المعارض التي تنظم هنا وهناك؟ يجيب الرفاعي: هناك بعض الأسماء العربية وهي قليلة جداً بالطبع، ولكنني انظر إلى أصحاب الصالات بوصفهم مقيّمين أيضا وثمة المشرفين على «الغاليرهات».. هؤلاء يقومون بالدور ذاته الذي يقوم به القيّم ولكن في إطار محدود طبعاً». أما هشام المظلوم، فبالنسبة له «لا يمكن الفرز على أساس هويّاتي في ما تطرحه الساحة التشكيلية؛ فالتداخل والتفاعل بين الثقافات صار ملمحاً أساسياً الآن والدينامية التي نعرفها هنا أو هناك، في هذا البلد أو ذاك، مرجعها العالم كله».

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©