الاتحاد

دنيا

مـاذا نأكــل؟

تحقيق- خورشيد حرفوش:
هل يأكل الانسان ليعيش ؟ أم يعيش لكي يأكل؟
هذا التساؤل الأزلي يذكرنا دائما بجدلية 'الدجاجة من البيضة، أم البيضة من الدجاجة'؟
الأمهات، وربات البيوت يشكون دائما من حيرتهن بسبب اختيار وتحديد أصناف وأنواع الوجبات الغذائية اليومية الرئيسية للأسرة، وانهن يقضين وقتا طويلا في التفكيرأكثرمما يقضين وقتهن في الاعداد بسبب التكرار، وعدم التجديد، ورغبات أفراد الأسرة وميل كل فرد منها الى صنف غذائي معين، أو عدم اقبال البعض على أصناف أو أكلات معينة، أو وجود موانع صحية لأكلات معينة· لكن هذه الحيرة، ليست هي المشكلة الوحيدة التي تقف حجرعثرة أمام التساؤل الدائم 'ماذا نأكل ؟ '، وانما هناك كثير من المخاوف والمحاذير بل والمخاطر التي تحيط بنوعية الغذاء الذي نتناوله في ضوء متغيرات عديدة، في مقدمتها الاعتماد على الوجبات السريعة الجاهزة، لأسباب كثيرة، والتقدم الهائل على صعيد الهندسة الوراثية وانتشار الأغذية النباتية والحيوانية المعدلة وراثيا لأسباب اقتصادية بالضرورة، ومواجهة الحاجة المتزايدة الى الغذاء في ظل المتغيرات الاقتصادية العالمية، وعولمة الاقتصاد والتجارة والسوق، وأصبح أمر الحصول على غذاء طبيعي خال من التدخلات الوراثية أو الهرمونية أو الكيماوية أمرا صعب المنال، وبات الخوف والشك والرعب يخيم على مائدة الطعام اثر ما نسمعه يوميا من تلك التأثيرات الصحية السلبية لهذا الغذاء أوذاك· الهندسة الوراثية، التدخلات الهرمونية، مكافحة الآفات، المعالجات الكيمائية، التلوث، المواد الحافظة، الألوان، الأمراض الوراثية، جنون البقر، انفلونزا الدجاج، جنون الاسماك·· مفردات يومية تطل بمخاطرها، وتجعلنا نتوقف كثيرا عندما نفكر ' ماذا نأكل ؟ '، ولكن في النهاية، لابد أن نأكل لنعيش، ولكن ماذا نأكل في النهاية ؟
لقد استعملت الاضافات الغذائية منذ قرون، واستخدم أسلافنا الملح لحفظ اللحوم والأسماك، وأضافوا الأعشاب والتوابل لتحسين نكهة الأغذية، وحفظوا الفواكه بالسكر وبالتجفيف، وبعض الخضروات بالتخليل، لكن المواد الكيماوية الصناعية باتت تدخل في تركيبة المنكهات والألوان والمواد الحافظة، فتتراكم في أجسادنا وتظهر مخاطرها السرطانية مع مرور الوقت، وكذلك تستعمل هورمونات النمو لتعجيل نمو المواشي والدجاج ولزيادة انتاج اللحم والحليب والبيض، وتحسين كفاءة الأعلاف هرمونيا لتكسبها وزنا وحجما بسرعة أكبر وفي مدة زمنية أقل، في الوقت الذي تزايد فيه الاعتماد على المضادات الحيوية المقاومة لأمراض المواشي، وأحيانا بصورة غيرمشروعة، مما يزيد من تواجد الجراثيم المقاومة لهذه المضادات، والمستهلكون هم الذين يصابون بهذه الجراثيم في النهاية وقد لا يتمكنون من الشفاء بسرعة، وربما أبدا، لازدياد مناعة الجسم للمضادات الحيوية·
وحلت من جانب آخر المبيدات الكيمائية للقضاء على الآفات، وتزايد الاعتماد على الأسمدة العضوية في الزراعة، الى جانب الصوب الغذائية لاكثار المحاصيل لمواجهة احتياجات المستهلكين طيلة أيام السنة، وانتاج أصناف غذائية في غير موعدها بالاعتماد على الهندسة الوراثية·
تزايدت المخاوف حول الطعام وتأثيره في الفترة الأخيرة بسبب هذه العوامل الى جانب انتشارمرض جنون البقر، وجنون الأسماك، وانفلونزا الدجاج والطيور، وهذا كله نتيجة طبيعية للتصنيع الزراعي الذي أدى الى خفض الأسعار، مما شجع المزارعين على اطعام أبقارهم أعلافا تحتوي على منتجات حيوانية من بنات جنسها دون ابلاغ المستهلكين عن مكامن الخطر المحتمل، كما يلجأ أصحاب مزارع الأسماك الى الاعتماد على خليط من الأسماك غيرصالحة للاستهلاك في شكل مسحوق مخلوط بدماء الماشية والأعلاف والهرمونات، في تغذية مزارعهم السمكية، والأمر نفسه بالنسبة لمزارع الدواجن·
التسمم الغذائي
مخاوف المستهلكين من أثر الطعام الشائع على صحتهم، وعلى البيئة، يزيد مبيعات المنتجات العضوية الخالية، من المبيدات والأسمدة الكيميائية والهرومونات· فثمة خطرسرطاني من بقايا المبيدات في الأغذية التي نشتريها ونستهلكها، ومهما غسلنا بعض أنواع الخضر والفواكه فلن نتخلص من كل كمية المبيدات التي رشت بها، و'الفراولة' مثل صارخ على هذه المشكلة المتعاظمة·
في الولايات المتحدة يموت نحو 5000 شخص سنويا من التسمم الغذائي· وقد شكلت سلامة الغذاء قضية ساخنة منذ تسعينات القرن العشرين، حين تناقلت وسائل الاعلام حوادث تسمم متكررة، مثل وفاة أربعة أطفال أميركيين عام 1993 بعد ان تناولوا ' سندويشات همبرجر' ملوثة·
ولا تخلو المياه العذبة من مواد سامة، ناشئة عن التلوث العضوي أو الكيميائي، تؤدي الى وفيات وأمراض بين الناس ونفوق مواش واحياء برية وحيوانات منزلية· ويشرب ملايين الناس، حتى في البلدان المتقدمة، مياه حنفيات ملوثة بمنتجات ثانوية كيميائية· فالكلور الذي يستخدم لتعقيم مياه الشرب، عندما يضاف الى مياه محتوية على مواد عضوية مثل الملوثات التي تحملها السيول في المزارع والحقول، يمكن ان يكون مركبات مثل الكلوروفورم قد تزيد احتمالات الاصابة باضطرابات صحية مثل الاجهاض والعيوب الجنينية·
معظم الدواجن في البلدان المتقدمة مصابة ببكتيريا السلمونيلا السامة· ففي أوروبا، 75% من الدجاج الذي يباع مصاب بهذه البكتيريا، والنسبة 60% في الولايات المتحدة حيث يقدر حدوث نحو مليوني اصابة بداء السلمونيات سنويا تكلف 2,54 بليون دولار· لكن الوضع ليس على هذه الحال في السويد، مثلا، حيث عمدت السلطات خلال 20 سنة الى قتل اي طيور مصابة بالسلمونيلا، حتى بلغت نسبة الدواجن الخالية من المرض 99%· وارتفعت كلفتها نتيجة لذلك، لكن السلطات والمستهلكين يرون ان هذا العمل يستحق التضحية بالمال·
المواد المضافة
يقول الدكتور عباس السادات استشاري الأمراض الباطنية والكبد بمستشفى السلامة في أبوظبي:
المواد المضافة هي مواد غير موجودة طبيعيا في الغذاء وانما تضاف اليه بواسطة الانسان· والغرض من اضافة هذه المواد هو تحسين النكهة، أو الحفاظ على صفات الجودة، أواعطاء المنتج الغذائي لونا ومظهرا أفضل، أو قد تستخدم لتسهيل عمليات تصنيعية تالية· وتضاف هذه المواد احيانا لغرض غذائي مثل مد بعض الاطعمة كأنواع الزبد النباتي، بفيتامين (أ) و (د)، أو كبديل رخيص لعنصر غذائي مثل مواد التحلية الصناعية·
وقد تزايدت التحذيرات من استخدام هذه المواد المضافة المصنعة، وتواترت نتائج البحوث والدراسات عن مضارها· وبعد مرور نحو قرن من الزمن على استخدام المواد المضافة على نطاق واسع، بدأ عدد من الدول في التراجع عن استخدامها ووضع القوانين التي تحدد انواعها وكمياتها المسموح بها· ومع انه لا يوجد دليل قاطع بشأنها، الا ان الكثير منها قد يكون مسببا للأمراض السرطانية· وأهم هذه الاضافات مواد التحلية، والمواد الملونة، ومكسبات الطعم والرائحة 'النكهة'، والزيوت المعدنية·
مواد التحلية
يطلق هذا اللفظ على مجموعة من المواد الكيميائية ذات المذاق الحلو، وقد انتشرت هذه المواد الكيميائية واستخدمت كمواد تحلية تضاف الى الغذاء أو الشراب لمرضى السكر، أو للاشخاص الذين يرغبون في المحافظة على اوزانهم أو انقاصها· والمواد ذات المذاق الحلو تختلف في تركيبها الكيميائي، ولذلك فان كل مادة منها تنتج في الجسم مركبات كيميائية مختلفة ايضا في خواصها الفسيولوجية والبيولوجية· والمادة منخفضة السعرات هي تلك المادة التي ينتج عنها ثلث السعرات التي تنتج عن مثيلتها الطبيعية، وفي نفس الوقت لا تغير من القيمة الغذائية للطعام المضافة إليه·
المواد الملونة
أما الدكتور السيد أبو الفتوح ناصر أخصائى وخبير لأغذية والصناعات الدوائية فيقول:
من المعروف تماما ان الاقبال على الطعام لا يحدده فقط تركيبه الكميائي أو قيمته الغذائية، وانما ينجذب الانسان للعطام ايضا بتأثير مظهره ورائحته وطعمه، ويساعد ذلك على تنشيط افراز العصائر اللازمة لعملية الهضم·
وخلال المئة عام الأخيرة تم تخليق مواد ملونة صناعية، استخدمت اساسا في صباغة الاقمشة، ولكنها استخدمت ايضا في تلوين الاغذية بنسب متفاوتة· وقد اثبتت التجارب والبحوث العلمية الحديثة ان الكثير من هذه الصبغات سام على المدى الطويل رغم استخدامه بتركيزات منخفضة، إذ قد يتسبب في ظهور الاورام السرطانية· ولهذا فإنه من الاهمية بمكان ان يخلو طعامنا من اي اثر لهذه المواد·
وقد وضعت الدول المتقدمة تشريعات تحظر اضافة مثل هذه المواد الى الغذاء، وتسمح فقط بالانواع غير الضارة منها· ففي بريطانيا مثلا يسمح باستخدام المواد الملونة الطبيعية وبعض الصبغات غير العضوية المأمونة، وكذلك 25 نوعا من الصبغات الصناعية التي يظن انها غير ضارة بالصحة· ولا يجوز اضافة هذه المواد الملونة الى اللحوم أو الدواجن أو الاسماك أو الفواكه أو الخضراوات في حالتها النيئة أو غير المصنعة· كما لا يسمح باضافتها الى الشاي أو القهوة أو الخبز أو القشدة أو الالبان·
وتختلف المواد الملونة المصرح بها من بلد لآخر، وان كانت جميعها تخضع للرقابة الصارمة والابحاث المستمرة لضمان سلامة الانسان وصحته·
مكسبات الطعم والرائحة
لطعم الغذاء ونكهته أو رائحته أثر كبير في مدى اقبال المستهلكين على تناوله· ومنذ زمن بعيد عرف الانسان مكسبات الطعم والرائحة، واضافها للطعام حتى يصبح اكثر جاذبية· وكانت تستخدم في الماضي مواد طبيعية نباتية الاصل، وكذلك التوابل مثل الفلفل والقرنفل والزنجبيل والقرفة والكمون وغيرها· وقد انتشر استخدام هذه المواد لما تضفيه على الغذاء من طعم متميز ورائحة مرغوبة ومذاق أكثر استساغة·
وحتى وقتنا هذا، لا تزال الاعشاب والتوابل تستخدم بكثرة في الطهي، وتلقى قبولا واستحسانا لما تضفيه من نكهات مرغوبة للطعام· ويوجد في الاسواق الكثير من مكسبات الطعم والرائحة في صورة مركزة لاستعمالها في المنازل، وكذلك على نطاق اوسع في صناعات الخبائز والحلوى والمشروبات والمعلبات والشوربة المجففة والمربات والجيلي وغيرها· وكثيرا ما تستخرج هذه المواد من الفواكه أو المنتجات الطبيعية، وكذلك يمكن تخليقها صناعيا· وفي هذه الحالة الأخيرة قد تكون هذه المواد نسخة مطابقة للنكهة الطبيعية، أو قد تكون نكهة بديلة، أي مادة كيميائية لها نكهة شبيهة بالمادة الطبيعية، وهي عادة أرخص سعرا بكثير من مكسبات النكهة الطبيعية·
ومن النكهات الشائع تخليقها صناعيا يطلق عليها اسم 'الأسانس' للتفاح والموز، والفراولة والكمثرى، والخوخ والاناناس والتوت وغيرها· وقد أمكن التوصل الى طريقة علمية حديثة متطورة تعرف 'بالتحليل الكروماتوجرافي للأبخرة'، وتتميز بحساسيتها الفائقة للفصل الكيميائي للمركبات المكونة من مواد طيارة الى عناصرها الاساسية· وأتاح هذا التطور العلمي تصنيع مركبات مماثلة تماما للمركبات الطبيعية من حيث النكهة والتركيب، وذلك بعد تحليلها·
الزيوت المعدنية
وأكثرها استخداما وشيوعا هو زيت البارافين والشمع· وتضاف هذه المواد للاغذية لعدة اسباب منها الحفاظ عليها من التلف، فتستخدم مثلا كبديل للزيون الطبيعية التي تفقدها ثمار الموالح من قشرتها خلال عمليات الغسيل والتنظيف التي تسبق التعبئة· كما تضاف خلال عمليات تجفيف الفاكهة لصنع الزبيب والقراصيا، حتى لا تلتصق الثمار ببعضها اثناء التخزين· لذلك ينصح دائما بغسل الثمار المجففة قبل تناولها لازالة هذه الطبقة الزيتية· ومن الشائع تغطية بعض أنواع الجبن بطبقة شمعية كما هو الحال في الجبن الجوده والفلامنك· وهذه الطبقة الشمعية تزال قبل الأكل فلا ضرر منها·
ويسمح باضافة الزيوت المعدنية بنسب تحددها قوانين الاغذية في حالات معينة منها:الفواكه المجففة وثمار الموالح وصناعة الحلوى وصناعة اللبان وصناعة انواع معينة من الجبن وحفظ البيض·
ان مكسبات الطعم والالوان الصناعية التي تضاف الى المواد الغذائية ما هي الا سموم تصيب جسد الانسان بالامراض لما لها من اثار تراكمية وان النمط الاستهلاكي قد زاد تجاه استخدام الاغذية المصنعة مثل مكعبات الدجاج واللحوم المحفوظة والهامبورجر مثلا فمشكلة مرقة الدجاج الرئيسية تتمثل في المادة المكتسبة للطعم حيث توجد بكميات كبيرة والخطر تتمثل في توليفة المواد المضيفة اليها حيث تضاف مكسبات الطعم واللون والنكهة وهو ما ثبت ضرره على صحة الانسان ودوره وفي الاصابة بالامراض الخبيثة كالاورام السرطانية·
الغذاء والسرطان
ويعود الدكتور عباس السادات ليضيف : قد تحتوي اغذية الانسان على مواد تعتبر مسرطنة ولكنها تكون غالبا بمقادير غاية في ضآلة التركيز· ولكنه قد اتضح خطر هذه المواد عندما زيد تركيزها في غذاء حيوان التجاري الى مستوى معين· ومع ذلك بقي كثير من الباحثين متفائلا بعدم قدرتها على احداث السرطنة في الشروط الطبيعية في البيئة، الى ان كشفت ظاهرة التراكم في الخلايا الحية فكان ذلك ايذانا بالخطر· وادى الى صرخة عامة في العالم ضد هذه المواد، حتى ولو كانت على شكل ملوثات في الغذاء أو كمواد مضافة، وكان ذلك سببا في الحملة ضد بعض المبيدات كا 'د·د·ت'الذي اعتبر من اخطرها، وكذلك بالنسبة لمركبات 'افلاتوكسين والنتروزامين' والافلاتوكسين يفرزه الفطر 'العفن' الذي ينمو على الحبوب وغيرها، عندما لا تكون شروط التخزين مناسبة، وتشير الابحاث الى ان هذه المواد مسؤولة بالدرجة الاولى عن سرطانات الكبد المنتشرة في افريقيا والمناطق ذات المناخ الحار الرطب في آسيا· اما 'النتروزامين والنتروزاميد' ومشتقاتها فهي مواد تضاف للغذاء لاغراض معينة، وتسبب تكوين مركبات النتريت والامين والامين التي تنتشر في الاغذية النيتروجينية خاصة، ويشتد فعلها في الوسط الحامضي كما في المعدة· وتشير الدراسات الى ان مثل هذه التفاعلات يمكن الحد منها بواسطة مضادات التأكسد مثل فيتامين "C" وان مركبات 'النتروزامين' تنتج في القناة الهضمية من انواع من الجراثيم التي تدخل مع الغذاء عند اصابة الانسان بسوء الهضم·
وان سرطان المعدة عند الانسان، ينتج عن عملية تشكل هذه المادة في المعدة، من مواد مجهولة تدخل مع الغداء ثم تبين انها ومركبات 'النتريت' تستخدم عادة في معالجة اللحوم والاسماك المحفوظة بمختلف انواعها، وخاصة في صناعة المعلبات·

اقرأ أيضا