صحيفة الاتحاد

الإمارات

ليالي السَّعَدْ

يــالـيـالـي الــسَّــعَـدْ **** طـايـرْ الـشُّـوقْ غَــرَّدْ

والـهـوىَ الـحـلوْ كـلِّهْ **** عـنـدْ ظـبـيْ الـسِّليلْ

طَــعـمْ ريــقَـهْ شــهَـدْ **** مــنْ آذوقَــهْ آتـشَـهَّدْ

بــهْ شـفـا ألــفْ عـلِّهْ **** وأنـــا مــنـهْ الـعِـلـيلْ

مَــعْــهْ روحْ وجِــسَــدْ **** لـــوُ جِـرَحْـنـا مـجَـرَّدْ

مـــادرَىَ مــنْ يـسِـلِّهْ **** أيْ دَمٍّ يـــــســــيــــلْ

ظَـبـي بَـطْـشِهْ أسَــدْ **** فـــي بــعـادِهْ تِـعَـمَّدْ

ذابـــحــنِّــي بـــدلِّـــهْ **** وحــشْ وجـههْ جـميلْ

مــــا سـلـيـتِـهْ أبَــــدْ **** عَ غـــرامَــهْ مـــعــوَّدْ

فـــي فــوادي مـحَـلِّهْ **** بــيـنْ صـبـحْ ومـقـيلْ

بــالــجـمـالْ إنـــفــرَدْ **** كَــــنْ زيــنــهْ مـخَـلَّـدْ

فــــي دلالــــهْ ودِلِّـــهْ **** مــالــمــثـلـهْ مـــثــيــلْ

فَــــردْ يــسـوىَ بَــلَـدْ **** مـــنْ أشُــوفَـهْ آتـبَـلَّدْ

مُــورَدْ الـقـلبْ لأجْـلِهْ **** كـــوثَــرْ وسـلـسـبـيلْ

بــــــهْ دوىَ لــلــرِّمَــدْ **** ريقَهْ في طَرْفْ مروَدْ

الـشِّفا لـمنْ حصَلْ لهْ **** كِـــــلِّ عــلَّــهْ يــزيــلْ

كــنـتْ أظــنِّـهْ سَــنَـدْ **** لـــي عـلـيـهْ آتـسَـنَّـدْ

وثَــرهْ مــا يـسدِّ خـلِّهْ **** بــالـمـواصَـلْ بــخـيـلْ

نــاظــري مـــا رقَـــدْ **** ولــي بـشـوكٍ مـوَسَّدْ

والــمــنـامْ إســتِـخَـلِّـهْ **** ذاكْ لــيــلـهْ طـــويــلْ

أحــرسِـهْ م الـحـسَـدْ **** مثلِ ها الزِّينْ يِحْسَدْ

مـــنْ يـشـوفَـهْ يـجـلِّهْ **** وصــفْ زيـنـهْ جـلـيل

الـــثــنــايــا بَــــــــرَدْ **** والــشِّــفـايـا تـــوقَّــدْ

وبــالـرِّمـوشْ الـمـطـلِّهْ **** كـــمْ صـريـعْ وقـتـيلْ

طـــــالــــبــــنِّــــهْ ورَدْ **** بـالـمـعـاتـبْ وجَـــــدَّدْ

جـيـتْ شـافـي لَـعَـلِّهْ **** بــالــمـواصَـلْ يــنــيـلْ

مــثــلْ طــلـبَـةْ ولــــدْ **** لـوُ إنـعِطا شَـيِّ عَوَّدْ

والـطَّـلَـبْ مـــا يـمَـلِّـهْ **** لـــوُ عـطـوهْ الـجـزيلْ

مــــا وفــــا بـالـعَـهَـدْ **** قــالْ لــي يـا مـحمدْ

لــكْ أنــا الـعـمرِ كـلِّهْ **** الــــمــــوِدِّ الــخــلــيـلْ

عــافــنــي وإبــتــعَـدْ **** ولــعــذابـي تــقَـصَّـدْ

وأنــا روحـي فـداً لـهْ **** ومــالــحـبِّـهْ بـــديـــلْ

محمد بن راشد آل مكتوم

«ليالي السّعد» قصيدة موشّاة ببديع الصفات والعتاب تحمل دلالات صوفية روحانية فكرية وجدانية

محمد عبدالسميع (أبوظبي)

كم هو جميل عندما تصافح مسامعنا تلك الأشعار الجميلة التي يصعب كشف معانيها، والتي تحمل أكثر من رؤية ومعنى واستدلال وتفسير، فتثير أفكارنا. حقاً إن معنى الشعر بنوعيه الواضح ومتعدد الرؤى والتفسيرات، له حضور ودور مهم في حياة الفرد، ومسيرة المجتمع، ويستطيع أن يعبر به الشاعر عن مشاعره، وعاطفته، ووجدانه، فينتج في النهاية أجمل الكلمات التي ينمو بها الفكر والخيال، ويرهف بها الحس والذوق، ويسمو بها الوجدان. فليس الشعر فقط موسيقى تلمس الآذان فتطرب لها النفوس لتحقق متعة حسية، بل له هدفه النبيل وغاية تسمو عن الأهداف والمقاصد القريبة، فهو أداة بناء وتوجيه وتقويم، يصف مظاهر الحياة، وجوانب الخير فيها، في لوحة جميلة ورائعة بريشة فنية مبدعة، وأيضاً يتناول الشعر جوانب الشر والسوء، مبيناً أضرارها، وفي كل الأحوال، تبقى نكهة الشعر تدفعنا وتحفزنا وتؤهلنا إلى البحث عن سرّ المعنى.

قصيدة «ليالي السّعد» التي أبدعها صاحب السّمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، هي قصيدة موشّاة ببديع الصفات والعتاب، استهلّها سموّه بفرحة عارمة بذلك الطائر الذي غرّد، معدداً خصاله، تعداد محبٍّ عارف ومعايشٍ لهذه الخصال، ابتداءً من «طعم ريقه» وسيفه الذي يسلّه، وبطشه المحبب، وعناده الذي يزيد الشاعر به تعلقاً وولهاً على وله، فلم يكن ليُنسى لديه أو يهمله مع كلّ هذا التمنّع والعناد، والبخل الذي يبديه في الوصل مع حسن ظنّ الشاعر به، وخوفه عليه من الحسد، دون جدوى، إذ يظلّ بعيداً يتقصّد عذاب مُحبِّه وهجرانه، والآخر لا يملك إلا أن يصبر على ما ابتلي به من حبّ تزداد ضراوته بازدياد الهجر.

هذه فحوى القصيدة وهذا مضمونها، أما صورها الفنيّة التي عوّدنا عليها صاحب السّمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، فغاية في الإدهاش، وتستحقّ أن توضع جنباً إلى جنب مع كبريات القصائد في الشكوى والوصف والعتاب من واقع هذه الصفات، إن لم تكن تتفوق عليها، في اكتشاف «اللغز» وإشراك القارئ بفحواها، ذلك لأنّ تناقضات الظبي والأسد والوحش والجَمال، لا يقدر على التوليف بينها إلا شاعر مقتدر، ثمّ إنّ التعبير عما يشبه اللقاء بتغريد طائر الشوق، استهلال محبب جداً، وموفّق في الولوج إلى صور الريق الشهد الذي يتشهّد الشاعر حين يذوقه، ولنلاحظ ما بين الشهد والتشهّد من جناس لفظي مع قوة في تصوير الحالة، لأنّ «ظبي السليل» هذا الذي يشفي كل الموجوعين ولا ينال صاحبه منه ما يشفيه من علّته، وتلك صورة طريفة، حين يستلّ سيفه يكون لجرحه أثر ودماء تسيل، وهو ما يزيد من قوّة التأثير، في تشبيه الجمال بالسيف القاطع الذي يترك دماءً ربما لا تكون ماديّةً في حقيقتها لكنّها أبلغ من الدماء الحقيقيّة إذ هي دماء معنويّة تهتزّ لها كلّ حواس الشاعر المغرم الذي يرى في محبوبه «ظبي بطشه أسد»، و«وحش وجهه جميل»، وفي ذلك تكمن المفارقة لهذا الظبي الأسد والوحش الجميل الذي يتعمّد الهجران ويتقصّده، كما أنّه لا يزال يسكن فؤاده في الصبح وفي المقيل، وهذان «الوقتان» أو الفترتان، هما عيّنة على كلّ الأوقات التي يظلّ المحبوب فيها مالكاً على الشاعر مشاعره وإحساسه، بل هما أروع الأوقات وأبدعها بالنسبة لشاعر يقنص الفكرة ويصبر على دلال هذا الذي يسكنه، وله صفات أنّه «يداوي من الرمد» وأنّ «ريقه في طرف مرود»، و«الشفا لمن حصل له كلّ همّه يزيل»، لكنّه مع ذلك ليس سنداً للشاعر المحبّ يمكن أن يستند إليه، ذلك لأنّ من صفاته محلّ الصبر والعذاب أنّه «ما يسدّ خلّه بالمواصل بخيل»، ويستمر الشاعر في تكثيف الحب والصفات التي هي موضع الحسد الذي يتخوف منه عليه الشاعر، نظراً لما يشتمل عليه من بديع الصفات وجميل الدلال، فـ«الثنايا برد»، و«الشفايا توقّد»، ثمّ إنّه «قاتل» برموشه المطلّة التي هي أشبه بالسيوف، بل هي السيوف ذاتها، فكم قُتل على أشفارها من قتيلٍ أو صريع، وحين يطلبه الشاعر لا نجده يجيب الطلب إلا بتجديد الممانعة والعتاب، فهو شبيه جداً بـ«ولد» اعتاد أن تلبّى كلّ مطالبه، ومع ذلك هو يطلب المزيد، فلا يفي بالعهد، في حين أنّ صاحب السّمو- الشاعر- يذكّر بصريح الاسم أنّ عهداً قطعه ذلك الحبيب على نفسه بأن يكون «المودّ الخليل»، وهو ما أثبتت نهاية القصيدة أنّه إنّما كان عهداً مذيّلاً بالصدّ والهجران، وبإمضاء ذلك الصادّ الممتنع المبالغ في الهجران، والمتقصّد للعذاب، أمام كلّ هذا الدلال والمحبّة التي لن تستبدل لدى الشاعر كما قرر ذلك البيت الأخير.

لكن، مهلاً، هل يمكن أن تتوسع الدلالة لدى صاحب السّمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، خصوصاً وسموّه يترك لنا مفاتيح بعينها يمكن أن تسندنا لإدراك فهمه الواسع الممتد، فلعلّها «الفكرة الصوفية» ولعلّها «روحانيات ربانيّة» ولعلّها صورة محبّ مريد صوفي يتوق إلى مرحلة ما أو تراتبيّة ما، ولعلّها هدف سامٍ محل اقتناص، أو لعلّه الإلهام الذي ينتظره الشاعر، أو لعلّ «القلم» بما يحمله من فكرة يمكن أن يكون موضوعاً للقصيدة.. بل لعلهّا رؤية ما تتقطّع لها القلوب وتحتاج صبراً وشوكاً ومناماً لا يتمّ حتى يحصل اللقاء والإلهام.. لشاعر يصبر الصبر الطويل حتى يتحقق له ما يريد.. كلّ ذلك يمكن، وأكثر، فقصائد صاحب السّمو بعيدة المدى، وعلى قارئها أن يسير مع كلّ كلمة وحرف للوصول إلى ما يتوافر عليه الشاعر الكبير صاحب السّمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم.