الجمعة 20 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
المسافة الفاصلة بين الإعلام والإعلان أبرز معايير المهنية
المسافة الفاصلة بين الإعلام والإعلان أبرز معايير المهنية
18 أغسطس 2013 21:46
انطلاقاً من اللفظ حيث الاختلاف يقتصر على حرف واحد بين المفردتين، ففي كثير من المواد والمحتويات الصحفية كان من الصعب الفصل بين الإعلان والإعلام، ويبدو أن هذه الصعوبة قد ازدادت مع الوقت وفي العقود الأخيرة ولاسيما مع تشابك مصادر المعلومات من جهة، وزيادة سطوة مصادر التمويل لوسائل الإعلام من جهة أخرى وتعدد أنشطتها العابرة ليس فقط للحدود، بل لمختلف المجالات. ولعل المثال الأكثر دلالة على ذلك ما يمكن أن يحصل في الأخبار العلمية التي تتلاقى أيضاً مع مصالح شركات ذات هدف تجاري في النهاية. أبوظبي (الاتحاد) - تداولت وكالات أنباء ومصادر عالمية مؤخراً خبراً يتعلق باكتشاف طرق جديدة تختصر بمقدار كبير الوقت اللازم لانتقال الأشخاص وشحن البضائع. ونُشر الخبر أيضاً في العديد من الصحف والمواقع العربية على اعتبار أنه خبر علمي؛ فقد جاء في «الخبر» أن الملياردير الأميركي إيلون ماسك كشف «عن رؤيته لنظام للنقل السريع، أطلق عليه اسم «هايبرلوب» يعمل بالطاقة الشمسية، وتستخدم فيه كبسولات آمنة يمكن أن ينقل الركاب بين سان فرانسيسكو ولوس أنجلوس في أقل من نصف ساعة»، ويعتبر ثورة في النقل بين المدن، وأضاف ماسك أن النظام مزيج من طائرة «الكونكورد» وبندقية تعمل بالكهرباء وطاولة هوكي الهواء، وسينقل الركاب والسيارات بسرعة تصل إلى نحو 1200 كيلومتر في الساعة، وأن كل كبسولة «هيبر لوب» يمكن أن تحمل 28 راكباً وتسير كبسولة الألومنيوم لهذا النظام فوق الأرض، وداخل أنابيب من الصلب بها ضغط منخفض». وقال ماسك وفقا للخبر المنقول إن «الخيار الوحيد للسفر فائق السرعة هو بناء أنبوب فوق الأرض أو تحتها تحوي بيئة خاصة». رصد الشبهات لكن الطابع العلمي لعنوان هذا الخبر سرعان ما يتلاشى خلف العديد من التساؤلات التي تنطوي عليها تفاصيل أخرى في الخبر، أولها سبب غياب المصدر العلمي للخبر، كأن يكون خبيراً أو المكتشف المفترض لمثل هذا «الاختراع» الذي لم يولد بعد. ثم إن ماسك ليس مجرد ملياردير، بل هو المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «تسلا موتورز»، المعنية بأنشطة المحركات والمركبات والنقل، كما إن تنفيذ ما وصفه بـ»الرؤية» تارة والخطة تارة أخرة دونه عقبات «منها قضايا متعلقة بالأمان والتمويل»، حيث إن المشروع يتكلف نحو ستة مليارات دولار، ويستغرق تنفيذه ما بين سبع وعشر سنوات، واللافت أكثر أن طرحه يأتي بديلا لمشروع القطارات الفائقة السرعة الذي يتكلف 68 مليار دولار، ويتبناه حاكم كاليفورنيا جيري براون. وبذلك تزداد الشبهات أمام الطبيعة العلمية للخبر وتجعله خبراً يدرج في باب أو قائمة أخبار أو تصريحات والبيانات الصحفية ضعيفة المصدر في أكثر المعايير الصحفية الموضوعية تساهلاً وتهاوناً. كما إن الخبر ليس بعيدا عن الانحياز لأنه تضمن نقداً لمشروع حكومي قائم من دون أن يذكر رداً أو توضيحاً من حاكم الولاية المذكور. قد يكون من السهل مرور هذا الخبر في العديد من الصحف ووسائل الإعلام العربية باعتباره اكتشافاً جديداً أو مشروعاً طموحاً، قد يمرّ ذلك من دون خلفيات تجارية من قبل القائمين على هذه الصحف أو الصفحات المتخصصة على الرغم من النفعية التجارية الواضحة لمصدر الخبر ولشركته ولطموحاته. ولكن إن غفلت هذه النفعية عن كثيرين من جمهور القراء، غير المعنيين أو النبيهين، فإنها يجب ألا تُخفى على العاملين الحرفيين في قطاعات الإعلام من مراقبين وخبراء ومتخصصين سوف يعتبرون ذلك مساً محققاً بصدقية هذه الصحيفة أو ما شابهها، وهذا المس إذا ما تكرر، سوف يراكم مع الوقت شهادات يصعب التنكر لها ويصعب بعدها بناء الثقة المهنية ويسهم في تصنيف أي وسيلة إخبارية بالنفعية. المعيار المهني هذا الانجراف وراء عدم الصدقية المهنية قد يحدث بتلقائية ونتيجة عدم خبرة، أي بدون أن تكون لدى سلسلة النشر أو النقل أو أي العاملين فيه مصلحة مالية-إعلانية في كل ذلك. أما ما هو أخطر من ذلك فيتأتى عندما تحوم شبهات هذه المصلحة، أي عندما ينطوي المحتوى الإخباري أو الصحفي عامة على تلميحات أو إشارات إعلانية فاضحة. قد يكون من حق أي فرد أو شركة أن تعلن عن أنشطتها ومنتجاتها وخدماتها عبر الإعلان التجاري الصريح الذي فيه من الإخراج والتمييز ما ينبئ القارئ من البداية بأنه إعلان صادر عن معلن يتحمل كامل المسؤولية عما جاء في إعلانه. وقد يكون من حق كل هؤلاء أن يصرحوا بما شاؤوا من معلومات وإحصائيات وحديث عن مشاريع إنما من دون «تدليس». فالمصادر أو الشركة التي تعلن مثلا عن إحصاءات خاصة أو عامة، ولا مفر أمام الصحف وباقي وسائل الإعلام من نشرها ونقلها للجمهور، يجب أن تشير لمصدر هذه الأرقام وما يثبت صدقيتها، وفي شتى الأحوال، وسواء فعلت ذلك أم لا، فإنه يقع على عاتق وسيلة النقل والنشر والإعلام أن تنبه القراء أو المشاهدين وبطريقتها وبمعاييرها التحريرية إلى أن هذه «المعلومات» هي على مسؤولية هذه الشركة أو ما شابهها من مصادر. أما المعيار المهني الأهم والإجراء الأفضل فيقتضي أن تقوم وسيلة الإعلام نفسها بالتدقيق والتحقق من هذه المعلومات عبر مصادر مختلفة أو إجراءات صحفية استقصائية، فتسجل بذلك صدقية مهنية مسؤولة وتعفي نفسها من الوقوع ضحية أي أخطاء أو أنباء خاطئة وتعفي القراء والمهتمين من شبهة التلاعب بميولهم أو اهتماماتهم. إعلان غير مباشر من نافل القول إن اللجوء لمعلومات «أصحاب المصالح» ولاسيما الشركات والمؤسسات التجارية قد يكون مشروعاً في الأعراف الصحفية، إلاّ أن صدقية وسائل الإعلام الخبرية تتطلب في هذه الحالات تجنب شبهة الانتفاع والترويج، سواء عبر التوازن بين المتنافسين، أو البحث عن مصادر بديلة لهذه المعلومات. أما في حالة ما يسمى الإعلان غير المباشر الذي يعني «دس» أسماء أصحاب المصالح في محتويات إعلامية حقيقية أو موضوعية فإن ذلك يحمل في طياته غاية استغلال واضحة وضرباً مؤذياً لصدقية المؤسسة الإعلامية. فشعور القارئ بأنه محط استغلال إعلامي لغايات إعلانية، تجارية أو سياسية أو حتى بهدف الشهرة، من شأنه أن يفقد ثقة هذا القارئ بالوسيلة الإعلامية عاجلاً أم آجلاً خاصة في عالم اليوم الذي توسعت فيه معرفة الجمهور بالإعلام واحتمالات تجييره لمصالح خاصة. ويرى مراقبون أن اللجوء إلى الإعلان غير المباشر قد ازداد بعد انكشاف عيوب الإعلان المباشر الذي يستقبله الجمهور بتوجس وحذر لانتفاء عنصر الحيادية فيه. لقد انكشفت تلك العيوب تدريجيا ولدرجة بات معه الكثيرون من خبراء ومحترفي الدعاية الترويجية والتجارية يتجهون نحو الاكتفاء بتعريف الجمهور بمحتويات الخدمات أو المنتجات التي يروّجون لها مراعاة لتراكم خبرة الجمهور المستهدف والتي كونت حوله مع الوقت جدارا من الحذر في تصديق الإعلان المباشر بأشكاله الأولية التي تصور المواد المراد ترويجها أو ما في حكمها بأنها الأفضل أو تعطي ضمانات مبالغ بها للمستهلكين أو عموم الجمهور المستهدف. فبعد انكشاف هذا الأسلوب ازداد اللجوء إلى الإعلان غير المباشر باعتباره «أفضل أشكال الإعلان» لأنه يجمع بين عنصر الترويج وبين كسر جدار الحذر لدى الجمهور المستهدف وهو يراهن على كشب ثقة هذا الجمهور أو شرائح منه على الأقل بأي طريقة وفي أي مقام ولاسيما عبر المنابر أو وسائل الإعلام التي تتمتع بمصداقية أو حيادية. ولا يقتصر الإعلان غير المباشر على تمرير اسم «المعلن عنه» في المحتويات الإعلامية الضرورية بل ثمة أشكال عديدة له، مثل الرعاية للأحداث والأنشطة ذات النفع العام، وهي واحدة من أكثر الأساليب تأثيراً وانتشاراً في بعض دولنا حاليا. ومن خلال هذه الطريقة يمكن الترويج لجهات وشركات راعية مثلا في كل خبر أو تغطية صحفية للحدث المعني. لقاء مصالح تمثل الرعاية نوعاً من لقاء المصالح بين الجهات المنظمة للأبحاث والتظاهرات على أشكالها وبين الجهات الراعية أو الداعمة لها وكذلك بين بعض الجهات والعناصر الإعلامية التي تشارك في تنظيم وتغطية هذه الأحداث في مؤسساتها أي أنها تقوم بدور مزدوج يمثل بالنسبة لها لقاء وتلاقي مصالح ولكن هذا اللقاء لا يكون دائما لصالح المؤسسة الإعلامية أو القارئ. ويمكن اختصار مشكلة هذا الازدواج بأن بعض الإعلاميين أو الصحفيين يمارسون مهنتهم كنوع من العلاقات العامة أكثر منها مهنة البحث عن الحقيقة والالتزام بالحيادية والحرص على الشفافية والموضوعية. ولدى بعض هؤلاء ما يحاجج به عادة من أن عمله الصحفي لا يوفر له عيشا كريماً. وقد يصح ذلك في غالب المؤسسات الصحفية العربية، لكن ما يصح أيضاً هو أن مثل هؤلاء لا يمارسون في المقابل الصحافة كمهنة تستدعي الاحترام وتحفظ الكرامة بل بابا للرزق ليس إلا، بما يعنيه ذلك من إلحاق الضرر بسمعتهم المهنية والأذى البالغة التي تتعرض لها المؤسسات التي يعملون فيها. أما الأسوأ من كل ذلك فهو تلك المؤسسات التي يغض مسؤولو التحرير فيها النظر عن مثل تلك الظروف، بما يعنيه ذلك تبرير الارتزاق المزدوج والتساهل في تحصين العاملين ماديا ومعنوياً. والنتيجة- مجددا- غالبا ما تكون هي هي، أي فقدان الصدقية، إن لم يكن تجاه القراء فعلى الأقل في أوساط المهنيين والخبراء والعارفين.
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©