الاتحاد

ثقافة

أحبت خليل حاوي و«شوهت» رسائله إليها

ديزي الأمير

ديزي الأمير

عبده وازن

لم يكن يُهيّأ للكاتبة العراقية ديزي الأمير أنها سترحل عن هذا العالم بعيدة كل البعد عن وطنها الأول العراق، ووطنها الثاني لبنان الذي كان وطن أمها. كان العراق هو وطن إقامتها الدائمة مهما ابتعدت عنه واغتربت، وطنها بالروح والذاكرة. لكن قدرها جعلها تتوفى في المنفى مثل الكثيرين من الأدباء العراقيين. توفيت في هيوستن، مأواها الأميركي بعدما قررت عدم العودة إلى العراق الذي لم تطأ ترابه بعد المأساة التي حلت به، والتي تابعت بحزن فصولها عبر الشاشة الصغيرة مثلها مثل الملايين في العالم.
رحلت ديزي الأمير عن ثلاثة وثمانين عاماً وسبع مجموعات قصصية عطفاً على كتاب «خليل حاوي: رسائل الحب والحياة»، ومقالات كثيرة كتبتها في صحف عراقية ولبنانية، ومنها مقال جميل عن بدر شاكر السياب. درست ديزي في بغداد والتحقت بدار المعلمين العليا الشهيرة في جامعة بغداد طالبة في فرع اللغة العربية، ورافقت عن كثب جيل الحداثة الشعرية العراقية، ومنه بدر شاكر السياب الذي كتب لها قصيدة غزل، ونازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي وسواهم، ونظراً إلى كونها تصغرهم سناً في دار المعلمين نفسها، فهي ظلت شاهدة على ثورتهم وقارئة لهم. لكنها ما لبثت أن صادقتهم، متابعة حلقاتهم وجلساتهم الشعرية والنقدية. غير أن نجم ديزي الأمير لم يلمع إلا في بيروت التي انتقلت إليها وعاشت فيها سنوات بدءاً من الستينيات حتى مطلع الثمانينيات ولم تغادرها إلا غداة الاجتياح الإسرائيلي في العام 1982. كانت بيروت حينذاك مختبر الثقافة العربية الحديثة والأدب الحديث، وعاصمة الحرية والتحرر، ومدينة الثورات الفكرية والأدبية والفنية المعاصرة، وكانت مجلة «شعر» ومجلة «الآداب» وسواهما تستقطبان الشعراء والروائيين والقاصين الجدد. في مثل هذه الأجواء اللبنانية الإبداعية التي كانت تضم خيرة الأسماء العربية من نزار قباني إلى محمود درويش وغسان كنفاني وغادة السمان ومحمد الماغوط وسواهم، باشرت ديزي الأمير نشر قصصها، وسرعان ما برزت في المعترك الأدبي النسائي الذي ضم أسماء عدة مثل ليلى بعلبكي وليلى عسيران، حنان الشيخ.. وتعترف ديزي في شهادة لها نشرتها مجلة «الآداب» قائلة: «كتبت أول قصة في لبنان عام 1962، قبل هذه القصة لم أحاول أن أكتب».


لم تكن ديزي تشعر بغربة في بيروت أو لبنان، فأمها وداد تبشراني لبنانية تنتمي إلى عائلة معروفة من قرية ضهور الشوير، في أعالي المتن الشمالي، وهي بلدة الشاعر خليل حاوي الذي لم تلبث أن جمعته علاقة عاطفية بالقاصة الشابة الجميلة ذات اللهجة العراقية الفريدة ما لبثت أن انتهت إلى الخطوبة، لكن الخطيبة الرقيقة ورومنطيقية الطابع لم تتمكن من البقاء مع خطيبها، الشاعر المتمرد والناقم على الوجود والمتوتر، صاحب المزاج السوداوي، فسرعان ما انفكت الخطوبة، وانقطعت العلاقة على رغم الحب القوي الذي جمع بينهما. وعندما سافر خليل حاوي إلى كمبردج ليواصل دراسته الجامعية، ويحصل على شهادة الدكتوراه كتب لها رسائل بديعة في لغتها الأدبية ومضمونها العاطفي، لكنها أخفتها طوال سنوات إلى أن قررت في العام 1987 إصدار مختارات من هذه الرسائل بعدما عمدت إلى حذف جمل ومقاطع منها، ويبدو أنها كانت من التغزل الإباحي. وأثار فعل الحذف هذا حفيظة النقاد والصحافيين وانتقدوها بشدة. حتى شقيق الشاعر الناقد إيليا حاوي كتب ضدها وهددها بنشر رسائلها إلى صاحب «نهر الرماد» فاعتذرت. كانت ديزي امرأة محافظة وخفرة لا تهوى الفضائح ولا إحداث الضجيج، حتى أنها لم تشأ أن تكتب عن خليل حاوي نفسه الذي كانت تملك الكثير من أسراره، وعن شخصيته الفذة والغريبة وعن مأساته الوجودية وأنفته العالية التي دفعته إلى الانتحار عشية الاجتياح الإسرائيلي لمدينة بيروت العام 1982. في السبعينيات، تزوجت ديزي من الكاتب اللبناني الشيوعي حبيب صادق، ولم يدم زواجهما سوى سنتين.
كتبت ديزي الأمير قصصاً قصيرة توزعت على سبع مجموعات، صدر معظمها في بيروت، وهي: «البلد البعيد الذي تحب» (1964)، «ثم تعود الموجة» (1969)، «البيت العربي السعيد» (1975)، «في دوامة الحب والكراهية» (1979)، «وعود للبيع» (1981)، «على لائحة الانتظار» (1988) «جراحة لتجميل الزمن»(1996). بعد هذا العام، توقفت الأمير عن الكتابة وإصدار الكتب، وكانت بلغت من العمر الحادية والستين، وهذا تاريخ باكر للتوقف عن الكتابة، لكنها عندما شعرت أنها لم يعد لديها ما تكتبه، قررت التوقف وعدم تكرار نفسها وموضوعاتها، واستعادة النماذج النسائية التي شكلت بطلات قصصها. ولئن كانت قصص الأمير تميل إلى الأدب النسائي، فهي لم تكن نسوية بتاتاً ولا مناضلة في هذا التيار. كتبت عن الهموم اليومية للمرأة العربية، عن معاناتها في الأسرة وفي البيت وفي المجتمع أياً كانت صفته. كتبت أيضاً عن الهموم العاطفية النسائية، عن الحب والخيبة في الحب، عن العزلة والذات المجروحة، لكنها في الحين نفسه لجأت إلى السخرية من المرأة التي تأسرها المظاهر والأمور السطحية والتي تستعرض جمالها الجسدي والخارجي، مهملة غناها الروحي والفكري. لم تختر ديزي الصوت النسائي الصارخ والعالي، بل فضلت الصوت الخفيض والحميم، ولكن الحقيقي والعميق. قصصها تبتعد عن الشكلانية والغرائبية والمواقف المفتعلة، وهي تنتمي بمعظمها إلى التيار الواقعي المشبع بالرومنطيقية والطبيعية. أما لغتها، فكانت بسيطة وبعيدة عن التقعير والاصطناع، وعن الركاكة والإطناب، عذبة في شعريتها وانسيابيتها. ويقول الناقد عفيف فراج في كتابه عن القصة العربية النسائية: «إن الرائع في قصص ديزي الأمير يبرز برائحة فنية في رسم عالم الأحاسيس الداخلية للشخصية، وحساسية شديدة الرقة، تلتقط أبسط موجات الشعور المضطرب، وتلتقط الجرس الخافت لحزن لا يعلن عن نفسه إلاّ للأذن التي تألف الهمس».

اقرأ أيضا