الاتحاد

عربي ودولي

اليابـان وألمانيا دولتان ترثان المستقبل

أحمد خضر:
تشكل القضايا الكبرى منعطفات إنسانية مهمة لصياغة مفاهيم جديدة، واتفاقات ثنائية أو جماعية من شأنها أن تعيد التوازن النسبي للمجموعات البشرية كي تكون قادرة على التعايش والحياة مع بعضها البعض·
فمثلاً نرى أن اليابان التي تشكل القطب الاقتصادي القوي في جنوب شرق آسيا استطاعت في فترة وجيزة منذ انكسارها في الحرب العالمية الثانية عام 1945 أن تنهض من كبوتها بعد أن عرفت طريقها جيداً إلى النجاح وإثبات الذات، ولم تتعامل مع ذاتها أو مع غيرها من الشعوب من منطلق مشاعر الخيبة والإحباط إثر الهزيمة في الحرب، بل حملت لواء الصناعة التي غزت بها العالم، وصار لها عضلات اقتصادية ومالية مفتولة تنافس من خلالها أقوى الدول على المستويين الاقتصادي والسياسي·
وإن كان تأثيرها السياسي ما زال محدوداً مقارنة بحجمها الاقتصادي إلا أنه ليس غائباً تماماً، وهو مرشح لأن يلعب دوراً مهماً في المستقبل على الصعيد العالمي، وما مشاركة اليابان في بعض الحملات العسكرية الدولية في إطار الأمم المتحدة، أو إرسال قوة عسكرية للعراق إلا أكبر دليل على تحرر هذه الدولة من القيود التي فرضت عليها وهي الابتعاد عن الأعمال الحربية بعد إجهاض قدراتها العسكرية وتحجيمها، وتلقيها ضربتين نوويتين أدتا إلى استسلامها وهزيمتها في الحرب العالمية الثانية·
ألمانيا قهرت الهزيمة
كذلك بالنسبة لألمانيا التي رفضت بصورة واضحة التوجهات الأميركية لغزو العراق، وتتجه إليها الأنظار بما تملكه من طاقات صناعية ومالية عملاقة، حيث أضحت ألمانيا بعد إعادة توحيدها أكبر دولة أوروبية من حيث تعداد السكان وأكثر دولها غنى وقدرات صناعية وإنتاجية، وهذه الدولة التي كانت حتى الأمس القريب ممزقة ونهباً للسيطرة التي تقاسمتها دول الحلفاء والمحور صارت البلد الذي لعب دوراً محورياً في تشكيل تجمع اقتصادي ـ سياسي أوروبي موحد·
والأكثر من ذلك فإن الدول التي فرضت عليها السيطرة من خلال انتصارها في الحرب مثل بريطانيا ظلت مترددة حتى آخر لحظة في التوقيع على بروتوكول الوحدة الأوروبية خوفاً من ألمانيا وإمكاناتها الجبارة التي أهلتها إقراض روسيا 15 مليار دولار هذه الدولة التي انهزمت فوق ثلوجها قوات هتلر في الحرب الكونية الثانية·
لذلك فإن النشاط الاقتصادي الفعال له دور حاسم في تنمية القدرات الوطنية للدول وبلورة حجمها السياسي على مستوى العالم، ولا يمكن للرياح المتقلبة في نهاية المطاف إلا أن تصب في اتجاه واحد وهو بروز دول مثل اليابان وألمانيا على رأس قوى جديدة أو صاحبة مواقف استراتيجية لا تتنازل عنها، والبعض يرى في هذه التكتلات المتبلورة بديلا للنظام العالمي الجديد الذي يرتسم في الساحة الدولية بصولجان القوة والحملات العسكرية عبر البحار·
مريدون في العالم الثالث
إننا نلمس عن كثب الموقف الألماني الذي رفض الغزو الأميركي للعراق، وذلك يعني أن القوة الاقتصادية هي التي تحرك السياسة وتوجهها، كما يسعى بعض أقطاب المال من الدول غير الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي للوصول إلى ذلك، ولهم في بلدان العالم الثالث أصدقاء ومؤيدون، فمصر على سبيل المثال تؤيد اليابان لاحتلال مقعد دائم في مجلس الأمن الدولي·
لكن هذا الطموح الياباني، وبعض الدول الأخرى يلقى معارضة مباشرة من بعض الأطراف الدائمين في مجلس الأمن الدولي بسبب الحساسيات السياسية التقليدية، كما هو الحال مع الصين ، بسبب الاستعمار الياباني للصين، حيث انطلقت في الفترة الأخيرة مظاهرات مناهضة في شوارع بكين ضد اليابان، ونظراً لأن أي إجراء كهذا من شأنه أن يضعف المكانة الخاصة التي تتمتع فيها بحق النقض (الفيتو) بحكم عضويتها الدائمة·
إن بعض الأطراف تدعي أن اجراءات توسيع مجلس الأمن الدولي ليس في صالح السلام، وأن اليابان على سبيل المثال لديها حنين إلى الماضي العسكري الذي آزر هتلر في الحرب العالمية الثانية، مع أن اليابانيين يحلو لهم أن يرددوا عبارة قالها أحد الزعماء من رؤساء الوزارات السابقين وهي (تحويل اليابان إلى حاملة طائرات لا تغرق)·
لا غالب ولا مغلوب
كذلك الحال بالنسبة لألمانيا التي تسبب طاقتها الصناعية الضخمة الذعر بالنسبة لبعض الدول، ولذلك تعمل على منع تحول ألمانيا إلى دولة عسكرية، أو إعطائها مقعداً دائماً في مجلس الأمن، وتنسى هذه الدول أنها ليست وصية على العالم وأنه آن الأوان لأن تكسب الثقة والاحترام، وتقوم العلاقات بين الدول على مبدأ المصالح المتكافئة وليس الغالب والمغلوب، باعتبار أن الشعوب تجدد طاقاتها، وتبني نفسها في سرعة قياسية، ولا تبقى متقهقرة أو متراجعة أو محصورة في الإطار الذي يحدده لها الآخرون·
إن التعاون المتجاوب مع التطورات التاريخية يمكن أن يساعد الأمم المتحدة في اتخاذ اتجاه أنسب للعمل البناء، ولا يمكن تناول القضايا المشتركة للإنسانية بصورة جماعية إلا في إطار تلك المنظمة العالمية، ولا بد من إصلاح الأمم المتحدة تدريجياً حتى يصبح تركيبها أكثر اتساقاً مع واقع القوى العالمية·
الهند ومصر ونيجيريا
ومن المستبعد في المستقبل القريب توسيع دائرة الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن بسبب رفض بعض الأطراف الحالية التي ترى في ذلك تهديداً لامتيازاتها الممثلة باستخدام (الفيتو)·
ولكن ربما يمكن التوصل إلى صيغة لتوسيع المجلس نفسه بإنشاء فئة جديدة من الدول الأعضاء تشغل مقاعد دائمة في مجلس الأمن من دون أن يكون لها حق النقض، ومثل هذا الإجراء ربما يكون مستساغاً أكثر من غيره وبالتالي يفتح الأبواب لإضافة اليابان وألمانيا والهند والبرازيل ومصر أو نيجيريا·
إن تعزيز دور الأمم المتحدة عموماً يمكن أن يصبح أكثر أهمية في مجالات معينة ذات صلة أساسية ببقاء الجنس البشري كضمان صلاحية العالم للسكن ووضع التشريعات الرامية إلى صيانة البيئة وصياغة اتفاق عالمي جماعي بشأن السياسة السكانية وتشجيع زيادة تدفق معونات التنمية الخارجية على الدول الفقيرة· والفكرة الرائجة حالياً هي أن هذه المشكلات تمثل جدول الأعمال الجديد بالنسبة إلى العالم، وأنها حلت محل المشاكل السابقة المتعلقة بالصراع من أجل بسط النفوذ·
والواقع أن التهديدات الأمنية وصراعات القوى في داخل التكتلات العالمية المحتملة وربما فيما بينها، سوف تستمر وتبقى خطراً كبيراً على الاستقرار العالمي، فالمشاكل الجديدة المذكورة آنفاً لن تحل محل المعضلات المعتادة من قبل وإنما ستكون إضافة إليها مما يجعل جدول الأعمال العالمي أكثر تعقيداً منه في أي وقت مضى·
إن تشكل النظام العالمي الجديد ، وإزالة نظام القطبين بعد انهيار الاتحاد السوفياتي لا يعني بأية حال قدرة قطب واحد ونعني به الولايات المتحدة الأميركية على إلحاق العالم كله في ركابه، لأن قدرات الشعوب وإمكاناتها المتنامية سيؤدي حتماً إلى انفجارات عالمية لها أول وليس لها آخر·

اقرأ أيضا

لبنان يكافح عشرات الحرائق وسط موجة من الطقس الحار