الاتحاد

عربي ودولي

واشنطن وقرع الطبول حول دمشق··رأب الصدع بات بعيداً!

واشنطن - الاتحاد - خاص:
ما حدث أن اغتيلت شخصية على هذا المستوى من الأهمية لبنانيا، عربياً، دولياً: رفيق الحريري ··!
الذي ارتكب الجريمة يمتلك مستوى عالياً جداً من الاحتراف، الاحتراف في التنفيذ، أيضاً الاحتراف في إبقاء الحقيقة داخل المجهول· تماماً كما حدث في واقعة اغتيال الرئيس الأميركي جون كينيدي في عام 1963 في تقرير من 70 ألف صفحة، وبقي المجهول مجهولاً·
ولكن تقريراً يصدر عن لجنة تحقيق دولية سيظهر الأسباب، الظروف، والتداعيات، وبالتالي لجنة تحقيق دولية قد تدخل أو تطلب الدخول الى عمق المؤسسات اللبنانية والسورية، فيما الوضع الداخلي اللبناني في حال غليان سياسي تتآكل معه المهل الدستورية الخاصة بإجراء الانتخابات النيابية التي تصر واشنطن على إجرائها في موعدها تحت طائلة التدخل الدولي ·
في شهر فبراير من عام 2000 وردت كلمة سوريا 112 مرة في جردية الـ نيويورك تايمز · الرقم ارتفع في الشهر نفسه من عام 2005 الى 1039 مرة، لابد أن يكون شيء ما قد حدث أو يفترض أن يحدث وراء تلك القفزة المثيرة، خصوصاً حين نعلم أن عدد المرات التي وردت فيه الكلمة، على نحو إيجابي لا تتعدى الـ 17 مرة·
البعض في الولايات المتحدة يقرؤون الأحداث أو التطورات على ذلك النحو· وللعلم، عندما كانت الحرب الفيتنامية في ذروتها، كانت كلمة فيتنام تظهر، شهرياً، بمعدل 4500 مرة في الـ نيويورك تايمز · الآن قد تمر أشهر دون أن ينشر خبر عن فيتنام· هذه لعبة مثيرة في محاولات القراءة غير المباشرة للاحتمالات، لماذا، إذاً، يهتم الأميركيون بسوريا الى هذا الحد؟
يقال إن العملية الدبلوماسية على المسار الفلسطيني - الاسرائيلي بدأت بالتعثر· الشكوك الفلسطينية تتزايد، فالانسحاب من غزة قد يحصل، لكن المستوطنات في الضفة الغربية، والكبرى بينها تدعى معاليه ادوميم ، تتوسع بقرار من الحكومة الاسرائيلية وبمباركة من الإدارة الأميركية التي تعتبر المستوطنات حالات سكانية متجذرة، لابد في هذه الأحوال من توجيه النظر الى جهة أخرى، لماذا لا تكون سوريا؟
يسخر وزير الخارجية الفرنسي السابق اوبير فيدرين مما يسمى بـ خارطة الطريق · الطريق الى أين؟ الصورة تتضح أكثر فأكثر· إذاً إنه الطريق الى السراب·
الطبول الأميركية حول دمشق
ولكن كيف ستتصرف إدارة الرئيس جورج دبليو بوش التي وعدت بقيام الدولة الفلسطينية قبل عام ،2008 نصف دولة في غزة، والنصف الآخر في تلك المناطق الحلزونية الضيقة في الضفة الغربية، هذا الوضع يتفاعل بقوة بين الفلسطينيين· الانفجار قد يحدث في أي لحظة، ويمزق الحلم الأميركي في الشرق الأوسط، مع ان الواضح تماماً أن السوريين الذين بدأوا يستشعرون الخطر بعد عامين تقريباً من الانتظار البارد، والرهان العبثي على شيء ما، ابتعدوا عملياً عن الملف الفلسطيني الذي طالما اعتبروه جزءاً لا يتجزأ من التزاماتهم، ومصالحهم الاستراتيجية، كما أنهم طلبوا من حزب الله الحفاظ على الهدوء التام، بل والمطبق، عند الخط الأزرق بين لبنان واسرائيل·
أن تقرع الطبول الأميركية حول دمشق التي سدّت عليها المنافذ، بما في ذلك القنوات العربية والأوروبية التي طالما استخدمت لرأب الصدع مع واشنطن، فالمسألة لا تتعلق فقط بالاستيعاب التدريجي للدور السوري· إن على المستوى الجيوبوليتيكي أو على المستوى القومي ، وإنما بإحداث ذلك المناخ الذي يمكّن من الإطاحة الكاملة بالحالة الفلسطينية التي هي عبارة عن حالات متداخلة على نحو معقّد ومثير·
عملية عسكرية صاعقة
هذا دون أن يبقى سراً ان رئيس الحكومة الاسرائيلية أرييل شارون بعث الى إدارة الرئيس بوش برسالة يضمنها رؤيته للوضع السوري في المنطقة وبالنسبة الى المنطقة، ليخلص الى أنه لا سبيل البتة لحمل عاصمة الأمويين على السكينة وبالتالي على الجلوس الى طاولة المفاوضات توصلاً لمعاهدة سلام (تكون لا متكافئة بطبيعة الحال)، دون عملية عسكرية صاعقة، ولتكن عملية جوية قبل وصول الصواريخ الروسية الحديثة أرض - جو، وان كان مؤكداً ان تلك الصواريخ، وهي بالعشرات، لا يمكن أن تؤثر على سياق أي عملية جوية بعدما تم تزويد القاذفات الاسرائيلية بأجهزة رادار متطورة جداً بحيث تقترب الى حد ما من قاذفات ستيلث زي الشبح، الأميركية والتي لا تلتقطها أجهزة الرادار الأكثر تطوراً·
لكن المعلومات تقول إن الولايات المتحدة عمدت الى تجميد الاقتراح، لأن العملية العسكرية قد تحدث صدمة في منطقة دخلت عملياً في الغيبوبة الاستراتيجية الكبرى، ناهيك عن ان أحداً لا يضمن أن يبقى النظام، فالبديل وفي ظل البنى الإقليمية والداخلية الراهنة، قد يكون أبو مصعب الزرقاوي من الطراز السوري· الأفضل إذاً الاستمرار في تنفيذ الأسلوب الراهن، فها ان السوريين ينسحبون من لبنان ليعودوا الى حجمهم الطبيعي جداً وليواجهوا مشكلات شديدة التعقيد، كما أن سفيرهم في واشنطن عماد مصطفى يطلب من الإدارة الأميركية مساعدة حزب الله على التحول الى حركة سياسية، مشيراً الى احتمال دمج عناصر هذا الحزب في الجيش اللبناني·
تقرير الثعلب الإيرلندي
وكما هو معروف، فإن البند الثالث من قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1559 يقول بحل الميليشيات، والمقصود تحديداً حزب الله وذلك بعد البند الثاني الذي يقضي بانسحاب القوات الأجنبية عن الأراضي اللبنانية··
كل الأضواء الحمراء مسلطة الآن على دمشق التي تشعر الآن أنها داخل الحصار الشديد، وانها تدفع الى ذلك الوضع الذي يحتم عليها القبول بالعودة عن ثوابت أساسية في السياسة الإقليمية بوجه خاص، هذا فيما كان على القمة العربية أن تبتعد عن أي قرار عملي، بل انها اكتفت بالدعم المعنوي الذي هو أفضل ما يمكن تقديمه في الوقت الحاضر، فمما لا شك فيه ان حادثة اغتيال رئيس الحكومة اللبنانية السابق رفيق الحريري بشخصيته ذات الأبعاد العربية والدولية المؤثرة، وأياً يكن الفاعل، قد أحدث حالة معادية لدمشق ليس في لبنان وحسب وإنما في العالم العربي بأسره·
ولقد كان تقرير لجنة تقصي الحقائق الدولية برئاسة الثعلب الايرلندي بيتر فيتزجيرالد شديد الوضوح في إشارته الى المناخ المتوتر الذي أحدثته سوريا عشية عملية الاغتيال والى ضعف الأداء لدى الأجهزة اللبنانية والسورية التي كانت على ترابط لوجيستي وعملاني تام· هذا مع ان اللجنة أتت لتحقق في جريمة اغتيال شخصية وصفتها بأنها الأكثر استقطاباً في لبنان، وحدثت في العاصمة اللبنانية، ولكن من يمكنه القول إن القرارات السياسية الكبرى، وحتى الكثير الكثير من التفاصيل اللبنانية، لم تكن تصنع في دمشق أو في بلدة عنجر البقاعية حيث مقر رئيس جهاز الأمن والاستطلاع في القوات السورية العميد رستم غزالة الذي سبق للرئيس بشار الأسد وأبلغ شخصيات لبنانية مباشرة أو بصورة غير مباشرة، انه ممثله الشخصي في لبنان·
لكن دمشق التي تعاطت بغيظ مع التقرير، وطلبت من مجلس الأمن حذف العبارة الواردة فيه والتي تشير الى الرئيس الأسد، اعتبرت ان التقرير جاء سياسياً أكثر منه قضائياً· والواقع ان مهمة فريق فيتزجيرالد لم يكن قضائياً البتة وإنما جمع المعلومات على أنواعها بعدما حدد أمين عام الأمم المتحدة كوفي أنان مهمته بثلاث نقاط هي: الأسباب، الظروف والتداعيات، وبالطبع فإن هذه الكلمات تتسع لمقاربة سياسية شاملة للوضع الذي كان قائماً لدى وقوع جريمة الاغتيال التي ألهبت الوضع الداخلي في لبنان ضد الوجود السوري الذي دام ثلاثين عاماً، دون أن تظهر أي بارقة في الأفق بأن هذا الوجود يمكن أن ينتهي في وقت ما بعدما تجذر في أرجاء الحالة اللبنانية، حتى ان البطريرك مار نصر الله بطرس صفير الذي طالما رفع شعار السيادة والاستقلال والقرار الحر لم يتورع عن القول ان الذي كان خيالاً أضحى واقعاً··
تجميد عقارب الساعة
الواضح أن عقارب الساعة لا تعود الى الوراء، وإن كان هناك في لبنان من يعتقد أن بالإمكان تجميدها، وبالتالي التمديد للأزمة وبالصورة التي تفضي إلى تآكل المهلة الدستورية على ذلك النحو الدراماتيكي، وبالتالي التمديد للمجلس النيابي· لكن واشنطن وباريس تصران، وبصورة ضاغطة للغاية، من أجل إجراء الانتخابات في موعدها، أي في مهلة أقصاها شهر آيار/ مايو، وبعدما كان نائب مساعدة وزيرة الخارجية الأميركية ديفيد ساترفيلد الذي حلّ لأيام محل السفير جيفري فيلتمان الذي توجه إلى بلاده بسبب مرض زوجته، قد أبلغ مرجعاً لبنانياً بأن التدخل العسكري الدولي سيكون حتمياً إذا ما استمرت سلسلة التفجيرات التي طاولت أهدافاً تجارية وصناعية في ضاحيتي بيروت الشرقية والشمالية، وإذا لم تجر الانتخابات النيابية في موعدها·
والمؤكد أن الخيار الدولي مطروح فعلاً، وهذا ما ثبت من نصائح روسية قدمت إلى بيروت التي تعيش أزمة سياسية حرجة بكل معنى الكلمة، فالذين يمسكون بالسلطة يحاولون التوصل إلى صفقة ما مع المعارضة التي تتصرف بــ روح انقلابية على حد قول أهل السلطة، وهي تراهن على ما ستقوله صناديق الاقتراع التي ستأتي حكماً، وفي ظل الاحتقان أو التوتر السياسي والطائفي الراهن، بمجلس نواب يكرّس مبدأ الغالب والمغلوب التي تم اعتماده منذ ظهور الجمهورية الثانية (البعض يسأل هل ظهرت فعلاً ما دامت قد قفزت فوق دستور الطائف؟) فقوى المعارضة إما أنها أبعدت عن السلطة كلياً وعاشت في دائرة التهديد أو أنها وضعت وراء القضبان (قائد القوات اللبنانية المنحلة سمير جعجع ) أو وراء الحدود (قائد الجيش السابق العماد ميشال عون )·
كان هذا خطاً فادحاً بطبيعة الحال، ولكن يمكن أن يتكرر الآن بعد التحول الذي سيحصل في بنية السلطة، ولكن إذا كان الأميركيون يساندون مثل هذا الانقلاب الذي يقضي إلى اجتثاث سريع ومنهجي لكل أثر سوري في لبنان مع ما يعني ذلك من حلّ تلقائي للقوة العسكرية الضاربة لــ حزب الله بعدما تم شلّ عملية التعاطي الاستراتيجي بين دمشق وطهران، فإن الفرنسيين رؤيتهم الأكثر عقلانية، إذ أن المعادلات الطائفية والمناطقية في لبنان شديدة الحساسية ويفترض أن يؤخذ هذا بالاعتبار في أي وضع سياسي جديد·
هل يقبل الفرنسيون بــ الانقلاب ؟
وفي رأي باريس، فإنه إذا كان للسوريين أن يؤمنوا التغطية الكاملة والساحقة لوضع شاذ عاشته الجمهورية الثانية على مدى خمسة عشر عاماً، لا يمكن للفرنسيين أن يقبلوا بــ الانقلاب لأن الوضع الفسيفسائي شديد الهشاشة، بل لا بد من التعاطي الهادئ والمتعقل مع الوضع، وهذا ما برز واضحاً في البيان الأخير للمعارضة التي إذ دعت حزب الله إلى مواكبة هذه الفرصة التاريخية ، قالت بأفضل العلاقات مع سوريا ورافضة الوصاية الدولية، وهذا ما يؤكد عليه، تحديداً، رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط والذي يُعتبر بيضة القبان في المعارضة· والحقيقة أن الوضعين اللبناني والسوري سيشهدان تطوراً مهماً ومثيراً، مع تشكيل لجنة التحقيق الدولية الخاصة بحادثة اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري خصوصاً مع توارد معلومات تقول إن هناك أجهزة استخبارات عربية ودولية، تمتلك معطيات مهمة حول العملية، وبالصورة التي تقول إن هناك من سيدفع بسياق التحقيق باتجاه سوريا، حتى وإن كانت مهمة اللجنة فوق الأرض اللبنانية، لكن الصلاحيات التنفيذية المعطاة لها يمكن أن تصل إلى مقابلة أو استجواب مسؤولين سوريين وربما محاولة الدخول إلى مؤسسات سورية حساسة·
خيارات شديدة الحساسية
صحيح أن تشكيل اللجنة لا يخضع للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة الذي يفسح المجال أمام استخدام القوة لكن الطلب من اللجنة تقديم تقرير كل شهرين بما تحقق، يعني أن مجلس الأمن سيكون جاهزاً للانتقال من الفصل السادس إلى الفصل السابع في حال لمس أي ممانعة من الجانب اللبناني أو من الجانب السوري·
المسألة وصلت إلى حدود خطيرة جداً، والأضواء الدولية ستركز في الأشهر، ربما في السنوات المقبلة على الساحة اللبنانية، وصولاً ربما إلى الساحة السورية، ولكن في اتجاه خيارات شديدة الحساسية، إذ أن قضية معقدة على ذلك النحو لا بد أن يتداخل فيها الاستخباراتي مع القضائي، إذ أن مهمة اللجنة ستكون تحديد هوية الجاني وليس فقط رسم الصورة، كما فعل فريق فيتزجيرالد ، ولكن من يضمن ألا يكون تقرير لجنة التحقيق في اغتيال الرئيس رفيق الحريري مماثلاً للتقرير الذي وضعته اللجنة الأميركية والمؤلف من 70 ألف صفحة، حول اغتيال الرئيس جون كينيدي في العام 1963؟ النتيجة صفر·
غسلنا أيدينا
الآن يقول السوريون إنهم غسلوا أيديهم من الملف اللبناني الذي يعترف الجميع بأنه معقد و حارق أيضاً، كما قال السفير الأميركي السابق فنسنت باتل ولكن ألا يبدو واضحا أن الأزمة اللبنانية ستلحق بالسوريين الى دمشق، فهناك أكثر من جهة تؤكد أن الهدف من لجنة التحقيق هو البحث عن نوع معين من الحقيقة، فالدخول إلى المؤسسات الأمنية اللبنانية يستتبع الدخول إلى المؤسسات الأمنية السورية، وماذا إذا ما طلبت اللجنة الدخول إلى مؤسسات حزب الله ؟
الأمور تأخذ منحى تصعيدياً، كل الملفات الحساسة التي تشكلت ابان الجمهورية الثانية ستكون تحت المجهر، ولا ريب أن هناك ملفات مهمة بل، وهائلة تريد واشنطن أو أي جهة أخرى الوصول اليها مع وجود أكثر من طريقة للنفاد إلى داخل اللجنة، ولو من خلال الإيحاء، فالأميركيون دأبوا على القول إن أشياء خطيرة (لبنانية وسورية) حدثت وراء الستار، ودائما بأوامر من دمشق، ولكن ماذا إذا رفض اللبنانيون والسوريون السماح للجنة بالدخول الى عمق المؤسسات وربما إلى عمق الرجال؟
إذا استطاعت المعارضة في لبنان الوصول الى السلطة، فهي تبدو مستعدة لفتح الملفات المقفلة جداً، هل يعني هذا أنها تملك القدرة على المجازفة، إلى هذا الحد بالعلاقة مع سوريا؟ لمن يهوى متابعة الإثارة الدرامية في المشهد السياسي، يستطيع أن يحدق، من الآن فصاعداً،بما سيحدث لا شك أن هناك أشياء، تبعث على الذهول بل وعلى الدهشة، بل وعلى الهلع، والهلع في الانتظار·

اقرأ أيضا

بومبيو يؤكد تركيز أميركا على التهديد الذي تمثله إيران