صحيفة الاتحاد

عربي ودولي

بالوقائع.. أردوغان «صديق الصهاينة» المراوغ

شارون يصافح بحفاوة أردوغان

شارون يصافح بحفاوة أردوغان

أحمد مراد (القاهرة)

منذ ظهوره الأول على مسرح الأحداث الإقليمية والدولية خلال عام 2002 في أعقاب فوز حزبه «العدالة والتنمية» بالأغلبية البرلمانية وتشكيل الحكومة التركية، اعتاد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن يراوغ شعبه وشعوب العالم الإسلامي بخطب نارية وعبارات رنانة، ومع مرور الوقت أدرك الجميع أن خليفة المسلمين المزعوم قد أدمن المراوغة والكذب والتضليل، حيث يقول ما لا يفعل، ويفعل ما لا يقول.
في العلن وأمام عدسات المصورين وكاميرات الفضائيات، يحاول الرئيس التركي أن يظهر نفسه بثوب المدافع الأول عن القضية الفلسطينية، وحامي حمى القدس وحقوق الشعب الفلسطيني، وبشعاراته الزائفة والمضللة يعلن العداء الشديد لدولة إسرائيل، ويهددها بين الحين والآخر بقطع العلاقات معها، ولكن في الخفاء يمد يده إلى إسرائيل، ويقيم معها مختلف العلاقات السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية.
وعلى مدى الـ 15 عاماً الماضية، لم يتوقف المراوغ والمتناقض أردوغان لحظة واحدة عن المتاجرة بالقضية الفلسطينية وبحقوق الشعب الفلسطيني لأغراض سياسية مشبوهة.
وفي سطور التقرير تكشف «الاتحاد» ملامح الوجه القبيح لأردوغان من واقع تناقضاته ومراوغاته وعلاقاته الوطيدة بالكيان الصهيوني:

اعتراف تركي مشين
في أعقاب صدور قرار الرئيس الأميركي ترامب بشأن نقل السفارة الأميركية إلى القدس، والاعتراف بأنها عاصمة لإسرائيل، كان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من أوائل الرؤساء الذين هاجموا قرار الرئيس الأميركي، ومارس هوايته المفضلة في المراوغة بالخطب النارية والعبارات الرنانة، وفي الوقت نفسه رفض أن ينضم للدعوة التي قدمتها كل من السويد ومصر وفرنسا وبوليفيا وإيطاليا والسنغال وإنجلترا وأوروجواي إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لعقد جلسة طارئة لبحث تداعيات قرار الرئيس الأميركي.
وخلال الأيام القليلة الماضية، نشرت وسائل الإعلام المختلفة ومواقع التواصل الاجتماعي وثيقة لاتفاقية رسمية تم توقيعها بين تركيا وإسرائيل، وهي خاصة بتطبيع العلاقات بين أنقرة وتل أبيب بعد تسوية الأزمة التي نشبت بينهما في أعقاب حادث سفينة مرمرة في 2009، وقد كتب في نص الوثيقة:«تركيا وعاصمتها أنقرة، وإسرائيل وعاصمتها القدس»، وذلك في اعتراف صريح من أردوغان بأن القدس عاصمة لإسرائيل، وقد تم التوقيع علي هذه الاتفاقية في كل من أنقرة والقدس في يونيو 2016، وذلك على الرغم من أن تل أبيب كانت وقتها هي عاصمة إسرائيل وليس القدس.

نجل أردوغان وإسرائيل
وفي أعقاب حادثة السفينة مرمرة التي قتل فيها عشرات الأتراك على أيدي القوات الإسرائيلية، ملأ أردوغان الدنيا بالصراخ والعويل، وأعلن عن قطع العلاقات مع إسرائيل، ورغم ذلك كشفت صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية عن أن نجل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عقد عدة صفقات تجارية مع إسرائيل، وذلك في الفترة التي توترت فيها العلاقات بين تركيا وإسرائيل على خلفية حادث السفينة مرمرة.
وذكرت الصحيفة الإسرائيلية أن أحمد أردوغان، نجل الرئيس التركي، هو أحد أصحاب شركة MB للنقل البحري التي تملك سفينتين تجاريتين هما «سفران 1» و«سكريا»، وأن سجلات سلطة الموانئ في تركيا، أظهرت أن السفينة الأولى أبحرت عدة مرات بين موانئ تركيا وموانئ إسرائيل ونقلت البضائع ذهاباً وإياباً.
وأكدت الصحيفة الإسرائيلية أن أردوغان رغم أنه أعلن في عام 2009 عن تجميد التجارة مع إسرائيل، فإنه تراجع بعد ذلك، وأوضح أنه كان يقصد التجارة العسكرية فقط.
وفي عام 2005، وعندما كان أردوغان رئيساً لوزراء تركيا، زار إسرائيل على رأس وفد كبير من الوزراء وكبار الموظفين ورجال الأعمال، والتقى مع الرئيس الإسرائيلي موشي كاتساف، ووزير الخارجية سيلفان شالوم ورئيس مجلس الوزراء ارييل شارون، وعند وصوله توجه إلى مقر الرئيس الإسرائيلي موشيه كاتساف في أراضي القدس المحتلة، وزار نصب «ياد فاشيم» المشيد لتكريم ذكرى ضحايا محرقة اليهود في الحرب العالمية الثانية، وعندما التقى أردوغان بارييل شارون في القدس رحب به شارون وقال له: مرحباً بك في القدس مدينتنا المقدسة عاصمة إسرائيل. واكتفى أردوغان بالابتسامة في وجه شارون، ولم يصدر عنه أي رد فعل معارض.

تطبيع العلاقات
وفي يناير 2016، نقلت وكالة «فرانس برس» تصريحات عن أردوغان، أكد فيها أن بلاده بحاجة لإسرائيل كما تحتاج الأخيرة أيضاً إلى أنقرة في منطقة الشرق الأوسط، داعياً إلى المضي قدماً في تطبيع العلاقات بين البلدين التي شهدت توتراً منذ أكثر من 5 سنوات.
وبحسب التصريحات التي نقلتها وكالة «فرانس برس» عن أردوغان، قال أيضاً: إن إسرائيل بحاجة إلى بلد مثل تركيا في المنطقة، وعلينا أيضاً القبول بحقيقة أننا نحن أيضاً بحاجة لإسرائيل، إنها حقيقة واقعة في المنطقة، وفي حال تم تطبيق إجراءات متبادلة بشكل صادق سنصل إلى تطبيع العلاقات لاحقاً.
وفي لقاء مع القناة الثانية بالتلفزيون الإسرائيلي، أكد أردوغان أنه حان الوقت لطي ملف الماضي، وفتح صفحة جديدة في العلاقات بين إسرائيل وتركيا.
وكانت تركيا قد أسقطت الدعوى التي قدمتها إلى المحكمة الجنائية الدولية ضد إسرائيل بشأن مقتل المواطنين الأتراك في حادث السفينة مرمرة.
وكان مسؤولون إسرائيليون منذ عامين، قد أعلنوا أن إسرائيل وتركيا توصلتا إلى سلسلة من التفاهمات لتطبيع علاقاتهما بعد مفاوضات سرية جرت بين البلدين، وهو الأمر نفسه الذي أعلنه رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم يوم 27 يونيو 2016، حيث أكد على توصل الطرفين الإسرائيلي والتركي في العاصمة الإيطالية روما، إلى تفاهم حول تطبيع العلاقات بينهما، ووافق عليه البرلمان التركي في الـ 20 من أغسطس من العام نفسه. وأشارت بعض التقارير الإعلامية إلى أن بنود الاتفاق تضمنت طرد قيادات حركة حماس من تركيا، خصوصاً القيادي صالح العاروري، تلبية للإملاءات الإسرائيلية، الأمر الذي أثار حفيظة قيادات حماس.

شراكة تجارية بالمليارات
وبلغة الأرقام، فقد شهدت العلاقات التجارية بين تركيا وإسرائيل نمواً ملحوظاً في السنوات الأخيرة التي تلت حادث السفينة التركية مرمرة، حيث احتلت تركيا المرتبة السادسة على مستوى العالم في قائمة الدول المصدرة لإسرائيل، بمبلغ وصل إلى 4 مليارات دولار سنوياً، واعتمدت تركيا على استيراد المواد الخام من إسرائيل، والمواد الكيميائية والمعادن والآلات، كما استوردت إسرائيل من تركيا بشكل أساسي، السيارات والحديد والملابس.
وكشفت تقديرات اقتصادية عن ارتفاع الصادرات التركية إلى إسرائيل في الربع الأول من العام الجاري 2017 بنسبة 20 في المئة، في حين أن الصادرات الإسرائيلية إلى تركيا ارتفعت بنسبة 45 في المئة، ويطمح المسؤولون الإسرائيليون والأتراك في أن يصل التبادل التجاري بين إسرائيل وتركيا إلى 10 مليارات دولار سنوياً في غضون السنوات الخمس المقبلة.
وكان حجم التبادل التجاري بين تركيا وإسرائيل في 2016 قد وصل إلى 3.9 مليار دولار، وقد ارتفعت خلاله الصادرات التركية إلى إسرائيل بنسبة 6 في المئة ، مقارنة مع 2.4 مليار في عام 2015. وفي عام 2013، كشف مدير سلطة الطيران المدني الإسرائيلي عن أن شركات الطيران التركية تقوم بأكثر من 60 رحلة جوية أسبوعياً إلى إسرائيل، وتنقل بين إسرائيل وتركيا أكثر من مليون مسافر سنوياً.
وفي تقرير موسع أعدته صحيفة «جمهوريت» التركية حمل عنوان «الشراكة مع الاحتلال»، أكد أن التبادل التجاري بين تركيا وإسرائيل تضاعف في عهد حكومة حزب العدالة والتنمية إلى أربع مرات مقارنة بالحكومات السابقة، فمع وصول الحزب للسلطة عام 2002 كان حجم التبادل التجاري بين البلدين يبلغ 1.4 مليار دولار، وارتفع إلى 5.8 مليار دولار في 2014، ثم انخفض إلى 4.3 مليار دولار في 2016، ولكنه عاد وتصاعد خلال العام الحالي بزيادة 14 في المئة.وأشارت الصحيفة إلى أن هناك مباحثات بدأت خلال شهر يوليو الماضي 2017، لتنفيذ مشروع مد خط أنابيب لنقل الغاز الطبيعي من إسرائيل إلى تركيا، ونقلت عن محللين اقتصاديين قولهم إن قرار إعلان القدس عاصمة لإسرائيل لن يؤثر سلبياً على تنفيذ مشروع الطاقة بين البلدين.

70 سنة علاقات دبلوماسية
تعد تركيا من أوائل الدول التي اعترفت بقيام دولة إسرائيل، وذلك في الثامن والعشرين من مارس عام 1949، أي بعد أقل من عام على تأسيسها في 14 مايو 1948، وبدأت أنشطتها الدبلوماسية في إسرائيل عام 1950، مع تعيين أول رئيس للبعثة الدبلوماسية في الممثلية التركية بتل أبيب، ومنذ ذلك الوقت أصبحت إسرائيل المورد الرئيسي للسلاح لتركيا، وقد عقدت تركيا وإسرائيل اتفاقاً سرياً واستراتيجيا عرف بـ«الميثاق الشبح» في خمسينيات القرن الماضي ويتضمن تعاوناً عسكرياً واستخبارياً ودبلوماسياً، وكانت وظيفته الأساسية موجهة ضد العرب.
وفي عام 1994، وقعت تركيا مع إسرائيل اتفاقية للتدريب في المجال الأمني، وبعدها بعامين وقعت اتفاقية أخرى للتدريب في المجال العسكري. كما وقع البلدان عدة اتفاقيات في مجال الصناعات الدفاعية، والتجارة الحرة، وفي عام 1998 أجرت قوات من البحرية التركية والإسرائيلية والأميركية مناورات مشتركة في البحر المتوسط، فضلاً عن أن إسرائيل تقوم حتى الآن بمهمة تحديث الدبابات والطائرات التركية.
ومن أوجه التعاون والتنسيق المشترك بين تركيا وإسرائيل، اعتماد أنقرة على اللوبي الإسرائيلي في أميركا لعرقلة إقرار أي تشريع يعترف بإبادة الأرمن، واستمر الأمر مع تولي حزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه رجب طيب أردوغان، وقد ساعدت إسرائيل الأتراك في عملية اعتقال زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان عام 1999 في كينيا، وبعد تولي حكومة العدالة والتنمية مقاليد الحكم في تركيا عام 2002، استمر الحزب بالاتفاقات السابقة مع إسرائيل.