الأحد 29 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
«المرارة» تدفع المطلقة إلى تشويه صورة الأب أمام أطفالها
«المرارة» تدفع المطلقة إلى تشويه صورة الأب أمام أطفالها
18 أغسطس 2013 10:07
ليس هناك أشد إيلاماً على نفسية الطفل الصغير من غياب أحد الوالدين المفاجئ لأي سبب من الأسباب، فضلاً عن نقص الدراسات التربوية التي تتعمق لرصد هذه الانعكاسات السلبية. وفي دراسة حديثة للدكتور دوب هنتلي، أستاذ علم النفس في جامعة أركوزي الأميركية، حول كيفية رد فعل الطفل أثر طلاق والديه، تبين أن الاضطرابات النفسية والسلوكية أهم ما يصيب الطفل، كمظاهر«السلوك التراجعية» أو الانتكاسية، مثل التبول «اللاإرادي» أثناء الليل أو المعاناة من الكوابيس وقلق النوم والتشتت أو سرعة الانفعال والغضب، وعندما يصل إلى سن 6-9 سنوات، يصبح قادراً على أن يدرك أن شيئا سيئا يحدث، ويستطيع أن يعبر عن أحاسيسه بصورة أوضح، ويظهر عليه التأثير السلبي في أداء دروسه المدرسية أو عدم التركيز. غالبية الأطفال لا يستطيعون فهم واستيعاب غياب الأب المفاجئ، كما لا يكن بإمكانهم فهم أو إدراك طبيعة سوء التفاهم أو النزاع أو بالأحرى الصراع الذي أدى إلى تصدع كيان الأسرة، ولن يكن بمقدور أحد أن يوضح للطفل الصغير حقيقة ما حدث. إنه فقط يستيقظ يوماً ليجد أن والده غير موجود! وإن كان بوسعه أن يسأل أمه سؤالاً بريئاً عن سر غياب أبيه، ربما لا يجد سوى إجابات مقتضبة أو أكثر غموضاً من الموقف الذي يجد نفسه فيه فجأة! فأغلب الظن أن الأم تشعر بالمرارة والحقد على سلوك الأب الذي قاده إلى الطلاق أو الهجر، ومن ثم لا يكلف نفسه أي أعباء في السؤال والاطمئنان عن أطفاله من حين لآخر. وطبقاً لها العذر في أن تكون ثائرة ومغتاظة من فشل الأب وعدم اقتناعه ببذل أي محاولة لاستمرار الاتصال بالطفل. أما الطفل فهو- لأنه إنسان - يشتاق إلى حب الأب وحب الأم بالتساوي. صحيح أن الأب غائب، بل ولا يتصل به لكن ذلك يزيد من حنين الابن لرؤية ذلك الأب حتى لدى أولئك الأطفال الذين يوضعون بسبب تخلي آبائهم عنهم في ملاجئ ومؤسسات كفالة ورعاية الأيتام، في حالة عدم احتضان أمهم لهم لأي سبب يتعلق بها أو بظروفها المعيشية. وهم وتشبث الدكتور محمود رشاد، استشاري الصحة النفسية، يوضح أن الطفل في هذه الحال يبذل كل جهد للتشبث بهذا الاعتقاد أو«الوهم» الذي يفسر غياب الأب «للسفر»أو« لأنه مشغول للغاية» أو«لأن ليس لديه متسع من الوقت» لزيارته، أو حتى للسؤال عنه، حتى ولو اضطر إلى نسج حكايات من الوهم والأحلام لإثبات هذا الاعتقاد. لكن الذي يحدث في أغلب الأحيان، أن يُغلب الطفل على أمره، وينتهي به المطاف إلى الاقتناع بأن أباه لم يحمل في نفسه ذرة واحدة من الحب أو الحنان، إما لأن أمه قد أقنعته بذلك، أو لأن أباه نفسه قد قدم الدليل العملي على صحة ظنونه. ويضيف الدكتور رشاد: «لا مفر هنا من حدوث اختلال رهيب في شخصية هذا الطفل، ولا مفر من التفكير في كيفية تجنب الظلال الثقيلة أوالآثار النفسية وينتابه شعور عميق بالكره والسخط على هذا الأب، ولهذا تتكون في نفسه عقدة تقلل من ثقته بالناس بصورة عامة، ويصبح موقفه العام من الآخرين موقف التوجس وعدم الثقة، والأكثر خطورة من ذلك هو أنه يحتقر نفسه ويراها غير جديرة بالحنان. خبير الطب النفسي، الدكتور بنيامين سبوك، يقول: «الطفل الذي يغيب عنه أبوه لسبب غير مقنع ـ بالنسبة له ـ ، عادة ما يشعر بأن هناك نقصاً أوعيباً أساسياً بداخله، وقد يعاني الإحساس الشديد بالألم النفسي، ولوم النفس، وهو من شأنه أن يسبب تأثيرات أكثر سلبية على ذاته. إنه لا يصغر في عين نفسه فقط، لكنه يشعر بأن نقصاً أساسياً يكمن فيه هو، وأن هناك شيئاً ما موجود عند بقية الأطفال وغير موجود عنده. عبء نفسي أما بالنسبة إلى الأم التي تمر بهذه التجربة أو هذا الموقف، يرى الدكتور رشاد أنها عادة لا تشعر تلقائياً إلا باحتقار وكره هذا الأب، ومع ذلك يجب عليها أن تقدم للطفل صورة إيجابية عن أبيه أو تحاول أن تتناول أحسن زاوية ممكنة، بل يجب أن يكون حديثها عنه أو وصفها له وصفاً جيداً أو على الأقل محايداً أو خالياً من الاتهامات أو النقائص المعيبة قدر الإمكان. ويكمل الدكتور رشاد: «نعلم أن مثل هذا التوجه صعب الحدوث، ويلقي على الأم عبئاً نفسياً وضغطاً عصبياً كبيراً، ويكلفها جهدا وضغوطاً لا يستهان بها، لكن يجب عليها أن تضع حبها لطفلها فوق كرهها لأبيه وسخطها عليه. وهذا يتطلب مجهوداً جباراً، وطاقة تفوق احتمالها، فإذا لم تستطع الأم أن تجد حسنة واحدة تذكرها لطفلها عن أبيه، ففي استطاعتها إذا شاءت أن تبدأ ذكرياتها وتحكي عن الصفات التي جعلتها تقع في حب الأب، وتغرم به في أول الأمر، ثم تحاول أن تذكر بكل أمانة وصدق مظاهر حبه لها، فالأم الحاقدة التي تدعي أن زوجها السابق إنما خدعها وغرر بها، وجعلها تعتقد أنه صاحب صفات حميدة أو أنه يكن لها حباً عظيماً، فإنها تبالغ حتماً في سلامة طويتها ونقاء سريرتها الساذجة لكي تحافظ على شعورها بأنها مظلومة أمام نفسها وأمام غيرها، وأنها وولدها ما إلا ضحايا لهذا الأب المخادع. إن أهم ما يتوجب على الأم هو أن تتحاشى اتهام الأب بأنه في جوهره وأساسه شخص أناني ومخادع ولا ينبض قلبه بالحب، ولم يشعر به تجاه ولده، وأن تقول ذلك بصيغة إيجابية، فإن ما يحتاج إليه الطفل هو أن يعرف أن أباه له صفات تحبب فيه معظم الناس، وأشد ما يحتاج إليه هو أن يسمع أن أباه أحبه وما زال يحبه». معادلة الدكتور ياسين شريف، خبير العلاقات الإنسانية، يؤكد أنها معادلة صعبة أن تحاول الأم أن توازن بين ما يضمر في نفسها تجاه الأب، وما يجب أن يقال لابنها عنه، إن الكلمات التي يمكن أن تستعملها الأم في مثل هذه الحالة، ودرجة الوضوح والصدق التي تبلغها في كل حديث، تتوقف على درجة كبيرة على أمور عدة متداخلة قد تمتد إلى سنوات مضت، وأهمها: ثقافة الوالدين، وتاريخهما الزواجي، ومدة العلاقة بينهما قبل وبعد الزواج، ونوعها، ونوع الشراكة التي كانت تربطهما، ودور كل منهما فيها، وأسباب الخلاف والتصدع الذي ضرب أركان هذه الشراكة، والنتيجة التي آلت إليها العلاقة بينهما، وطبيعتها، وما يحمل كل طرف للآخر من انطباعات، كذلك عمر الطفل، ومدى استيعابه لطبيعة المشكلات التي حدثت، ونوع الأسئلة التي يسألها، وإلى أي حد يمكن أن يستوعب ما يقال أو ما تقصه أو تحكيه الأم. فالأم التي تمتلئ بالغيظ والضيق والاحتقار لهذا الأب الذي لا يهتم بابنه ترى أن بعض العبارات التي تعبر عن مدى حب الأب لابنه، ما هي إلا استغراق في الكذب، بل تكاد تكره نفسها ولا تستطيع أن تنـطق بكلمة واحدة عن حبه لابنه. قد يكون ذلك أمراً كريهاً بالفعل». ويكمل الدكتور ياسين: «إن الطفل يشعر بأن هناك خطأً ما في هذا الجو، بل إن هناك جزءاً ناقصاً يحاول إكماله، فالأم تظل تعاني الإحساس بأن الطفل قد يفكر في أب، وتدور في حلقة مفرغة لا نهاية لها ولا أمل فيها. ليس معنى ذلك أن نزرع اليأس في قلوب الأمهات أو أنهن قادرات على تربية الأطفال بنجاح بعيداً عن الأب، فهناك كثيرات نجحن في ذلك، لكن النتيجة النهائية تتوقف على مسألتين مهمتين: الأولى هي قدرة الأم على الإحساس بالرضا بهذا النوع من الحياة، وكيف تتوافق مع حياتها الجديدة من دون الزوج، وكيف تستطيع أن تسيّر أمورها وترعى طفلها في ضوء مسؤولياتها الأسرية والاجتماعية الجديدة، والمسألة الثانية هي قدرة الأم على أن تسيطر تماماً على مشاعرها حتى لا تؤثر سلبياً على توافقها، فلا تصاب بالضيق والإحساس بالذنب لموقفها ضد الأب طول الوقت أو وصفه بأوصاف سلبية أمام أطفالها وكأنها تعلن ملكيتها لهم. كيف يتقبل الطفل الوضع الجديد؟ الاستشارية الأسرية إنعام المنصوري، توضح جانباً مهماً عن أهمية تقبل الطفل لحقيقة غياب الأب، وكيفية تناوله أو تفسيره أمام رفاقه أو زملائه غياب والده كأنها حالة «مشينة»، فيمكنه أن يقول لهم ببساطة إن أبويه مطلقان أو منفصلان، وهذا كل ما في الأمر، ومن ثم يجب أن يؤهل الطفل لتقبل هذه الحقيقة ويتعامل معها بإيجابية وفهم صحيح، وعدم تزييف أو تجميل، على أنها حالة قد تتكرر كثيراً في الحياة من حوله، وعليه أن يفهم أن العلاقة الزوجية إذا أصابها الكدر، واستحالت العشرة بين طرفيها، فإن الحل الأنسب أن يفترقا بالمعروف، على أنه أبغض الحلال، وبطريقة لائقة لا تخلف إلا قليلاً من النتائج السلبية، وأن يكون مدركاً أن طلاق أو افتراق الوالدين ليس أمراً معيباً أو مخجلاً، ومن ثم على الأم أن تحاول أن تتحلى بالحكمة والكياسة لامتصاص صدمة هذا الغياب المفاجئ للأب، وأن تتخلى عن لعب دور المظلومة أو«الضحية» . كما يجب على الأم أن تؤهل الطفل كي يتقبل هذا الغياب، وألا يزعجه عدم سؤال الأب عنه كما كان في السابق، وعليه ألا يعول على انتظاره كما كان يحدث قبل الطلاق، وأن يعتاد أو يتقبل تغير دور الأم في حياته، وتحملها مسؤولياتها الأسرية والاجتماعية، في إطار وضع الأسرة الجديد».
المصدر: أبوظبي
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©