حسام محمد (القاهرة) مرّت قبل أيام الذكري السنوية الخامسة لليوم العالمي للغة العربية، ورغم أنها لغة القرآن الكريم مصدر التشريع الأساسي للأمة الإسلامية، فإن واقع لغة الضاد للأسف لا ينبئ بخير، فلا تزال تتعرض للعقوق من جانب بعض أبنائها، فإذا نظرنا إلى واقع لغة القرآن الكريم عبر مواقع التواصل الاجتماعي سنكتشف مدى التدهور الذي تعرضت له لغتنا الأم، فلم نعد نعرف ما هي اللغة التي يستخدمها المغردون والناشطون، إضافة إلى الامتهان الذي تتعرض له اللغة العربية عبر الفضائيات المختلفة. ورغم أن هناك رابطاً قوياً بين احترام اللغة الأم وبين نهضة الأمم وإمساكها بناصية الحضارة والنمو والتقدم، فإن واقع اللغة العربية يؤكد أننا نبتعد عنها بمرور الزمن. انتشار مع الدين بداية، يقول الدكتور عبدالمقصود باشا الأستاذ بكلية اللغة العربية: يجب أن نؤكد أنه لا خوف على اللغة العربية من الضياع لأنها محفوظة بوصفها كتاب الله سبحانه وتعالى الذي قال في كتابه العزيز: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)، «سورة الحجر: الآية 9»، وطالما القرآن مشمول بالعناية الإلهية، فاللغة محفوظة بإذنه تعالي، لكن الأمر الذي لا بد أن يدركه كل عربي وكل مسلم هو أن للغة العربية مكانة مميزة في الإسلام، والدليل أننا إذا تابعنا التاريخ الإسلامي سنجد أن انتشار اللغة العربية كان يسير جنباً إلى جنب مع انتشار الدعوة الإسلامية، فكانت الأمم تدخل في الدين الإسلامي ويتعلمون لغة الضاد وهم يتعلمون قيم وأحكام وتعاليم الشريعة الإسلامية باختيارهم، فالأمر الوحيد الذي لا تستطيع أعتى القوى إجبار أحد عليه تعلم اللغة، وهكذا وجدنا أن البلاد التي دخلها الإسلام مع بداية انتشاره تحولت مع الوقت إلى أمم ومجتمعات لا تتحدث سوى باللغة العربية، بل إننا لو أمعنا النظر قليلاً سنجد أن أكثر العلماء الذين أثروا اللغة العربية بعلمهم وبكتاباتهم كانوا من غير العرب وما إن دخلوا الإسلام إلا ودرسوا اللغة العربية وأبدعوا في علومها، وهو ما يؤكد مكانة تلك اللغة في الشريعة الإسلامية، فـ«سيبويه» على سبيل المثال لم يكن عربياً، وكذلك الزمخشري وغيرهما كثيرون كانوا غير عرب وقدموا أعظم الخدمات للغة العربية؛ لأنهم كانوا يتعبدون بلغة الضاد ويؤدون شعائر دينهم الإسلامي بهذه اللغة. يضيف د. باشا: الخوف إذن ليس على اللغة العربية، لكن الخوف علينا نحن العرب والمسلمين الذين تترسب اللغة بعيداً عنا يوماً بعد يوم واللغة العربية هي لغة القرآن الكريم، ومن ينظر أو يتطلع للماضي العظيم للأمة الإسلامية سيكتشف بسهولة أن عهد التقدم والقوة في التاريخ العربي والإسلامي ارتبط ارتباطاً وثيقاً بارتباط العرب والمسلمين بلغتهم وفهمهم الصحيح للقرآن الكريم والسنة النبوية المشرفة، ولم تكن العناية باللغة العربية في عصور الإسلام الذهبية بأقل من العناية بأي شأنٍ من شؤون الدين، بل لقد كان الدين دافعاً قوياً على العناية بها، وعندما ابتعد العرب والمسلمون عن لغة القرآن واهتموا بلغات أخرى وتراخى الاهتمام بلغة الضاد وهنت الأمة وضعفت. تكريمها من السماء من جانبها، تقول الدكتورة هدى عبد الحميد الأستاذ بجامعة الأزهر: بلا شك، فإن اللغة العربية هي من أغني اللغات بياناً وأقواها في المفردات، ولعل هذا هو سبب نزول القرآن الكريم بتلك اللغة، وهو تكريم لها ودليل على أهميتها وفضلها، وبلا شك أيضاً، فإن نزول القرآن الكريم باللغة العربية كان باعث نهضة لتلك اللغة، فهي التي ما زالت تلقى قبولاً على تعلمها من الشرق إلى الغرب بفضل الإسلام الذي ينتشر بين الأمم، وهي خالدة لأنها لغة القرآن المحفوظ من لدن الله عز وجل، ومع انتشار الإسلام أصبحت تحمل رسالة إنسانية بمفاهيمها وأفكارها، واستطاعت أن تكون لغة حضارة إنسانية واسعة اشتركت فيها أمم شتى كان العرب نواتها الأساسية والموجهين لسفينتها، اعتبروها جميعاً لغة حضارتهم وثقافتهم، فاستطاعت أن تكون لغة العلم والسياسة والتجارة والعمل والتشريع والفلسفة والمنطق والتصوف والأدب والفن، ولكنها للأسف تعاني بالفعل في الفترة الأخيرة من تراجع في الاهتمام بها. وتضيف الدكتورة هدى: نحن اليوم في أمس الحاجة للاهتمام بلغة الضاد، وأناشد بضرورة تعريب العلوم كبوابة حقيقية نحو إعادة الاهتمام بلغة القرآن خاصة، وقد ثبت بالدليل القطعي أن الطلاب الذين يدرسون العلوم العلمية باللغة القومية يستوعبون علومهم بدرجة كبيرة تفوق نظائرهم في الجامعات التي يتلقون فيها علومهم باللغة الأجنبية، وأغلب دول العالم تدرس فيها العلوم والطب والهندسة بلغاتها القومية، وقد آن الأوان لتعريب العلوم فعلاً لا قولاً لمواجهة الهجمة الشرسة التي تتعرض لها اللغة العربية والمتمثلة في انتشار هذا الكم الهائل من المدارس الأجنبية في بلادنا، وتدهور حال لغة الشريعة الإسلامية، ورغم أهمية إتقان اللغات الأجنبية، لكن هذا لا يعني أبداً إهمال اللغة العربية لغة القرآن، ولا بد من التحفيز على تأسيس مؤسسة عربية خاصة لتعريب وترجمة كل المصطلحات العلمية. مكانة كبيرة بدوره، يقول فضيلة الشيخ محمد زكي البداري أمين عام اللجنة العالمية للدعوة الإسلامية: للغة العربية مكانة كبيرة في نفوس العرب خاصة، والمسلمين في شتى بقاع الأرض عامة، فهي اللسان الذي يربط الأمة والأساس القوي للوحدة بين أعضائها والأداة الحية لتراثها وأدبها وفكرها ونهضتها، وهي الوعاء الذي يحمل القرآن الكريم، كما أن للغة العربية مكانة عظيمة بين اللغات، فهي لم تكن لغة عادية كاللغات في نشأتها وتطورها وامتدادها، بل كانت مخالفة للنواميس الطبيعية، حيث ظهرت شابة مكتملة وكان نضوجها وكمالها وسلاستها من الأعاجيب التي شغلت كل الباحثين والعلماء، فلم يطرأ عليها أي تغيير يذكر منذ نشأتها إلى يومنا هذا، ولكننا لا بد أن نعي أن اللغة كائن حي يعتريه ما يعتري أي كائن من عوارض المرض والشيخوخة والموت، موضحاً أنها خاضعة لتقلبات الزمن، نتيجة للتطورات والمتغيرات والمستجدات التي تطرأ، وما يحدث للغة العربية حالياً كان أمراً متوقعاً مع مواقع التواصل الاجتماعي والتساهل معها وسيطرة الأهداف التجارية عليها، لهذا فلا بد من مواجهة الأخطار التي تتعرض لها لغة القرآن، بحيث تعود لمكانتها السامية من الإسلام وعلومه التشريعية. يضيف البداري: من وجهة نظري، فإن الأخطار التي تواجه الأمة تتمحور حول مزاحمة اللغات الأجنبية لها بسبب انتشار المعاهد والمدارس، بل والمناهج الأجنبية في كثير من المجتمعات العربية والإسلامية، وهكذا تهدد اللغات الأجنبية اللغة العربية في عقر دارها، لدرجة أن هناك من قال إننا لم نر قوماً يهددون لغتهم بأنفسهم مثلما يفعل العرب، كما أن اللغة العربية تتعرض لهجوم اللهجات المحلية وكل مجتمع يسعى لنشر لهجته وكأنها لغة يروجون لها رغم توقير القرآن لتلك اللغة، حيث قال الله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)، «سورة يوسف: الآية 2»، لهذا لا بد من العمل على إعادة اللغة العربية لمكانتها الطبيعية وهذا سيحدث إذا اهتممنا بعلوم الشريعة الإسلامية. كيف تستعيد مكانتها؟ حول كيفية استعادة لغة الضاد لمكانتها الصحيحة، يقول د. عبدالمقصود باشا: يجب أن ينبع احترامنا للغة الضاد من احترامنا لديننا الإسلامي، فيجب على كل عربي ومسلم أن يلتزم باللغة العربية في كلامه في مختلف تعاملاته اليومية؛ لأنها أساس الدين والحضارة الإسلامية، ومن يلتزم بها فإنما يعبر عن انتمائه، فكل شعوب العالم تعتز بلغتها وتتمسك بها وتتعصب لها، بل إن هناك دولاً فرضت عقوبات جنائية على أي مواطن لا يكتب بلغته الأم مثل فرنسا وألمانيا وغيرهما، ولذلك فنحن نطالب الأمة العربية والإسلامية بالمحافظة على اللغة العربية من أي ألفاظ أجنبية دخيلة أو أي تعبير غير عربي، لئلا يتسبب ذلك في تشويهها وإفسادها.