صحيفة الاتحاد

ألوان

القدس.. المكان والمكانة

الحمد لله الذي أنعم علينا بالإسلام وشرح صدورنا للإيمان، والصلاة والسلام على سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - وعلى آله وأصحابه أجمعين...، وبعد:
القدس بقعة مباركة، بل هي من أقدس البلاد وأشرفها، ولها في قلوب العرب والمسلمين جميعاً مكانة سامية، فهي أرض النبوات، وتاريخها مرتبط بِسِيَرِ الرسل الكرام - عليهم الصلاة والسلام-، وهي عزيزة علينا، ديناً ودنيا، قديماً وحديثاً، ولن نفرط فيها أبداً.

أرض الإسراء والمعراج
من المعلوم أن أرض القدس المباركة هي أرض الإسراء والمعراج، كما جاء في الحديث عن أنس بن مالك - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «أُتِيتُ بِالْبُرَاقِ (وَهُوَ دَابَّةٌ أَبْيَضُ طَويلٌ فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ يَضَعُ حَافِرَهُ عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفِهِ)، قَالَ : فَرَكِبْتُهُ حَتَّى أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، قَالَ : فَرَبَطْتُهُ بِالْحَلْقَةِ الَّتِي يَرْبِطُ بِه الأنْبِيَاء قَالَ : ثُمَّ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَصَلَّيْتُ فِيِه رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ خَرَجْتُ، فَجَاءَنِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلام بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ وَإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ، فَاخْتَرْتُ اللَّبَنَ، فَقَال جِبْرِيلُ - صلى الله عليه وسلم - اخْتَرْتَ الْفِطْرَةَ، ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاء، فاسْتَفْتَحَ جبريلُ فَقِيل: مَنْ أنت؟ قال: جبريلُ. قِيلَ : ومَنْ مَعَكَ؟ قال: محمدٌ...»، (أخرجه مسلم).
المسجد الأقصى المبارك قلب المدينة المقدسة هو محور الارتكاز في رحلة الإسراء والمعراج، فهو نهاية الإسراء وبداية المعراج، وتلك دلالة واضحة على مكانة المسجد الأقصى المبارك بالقدس، حماه الله من كيد الكائدين.

المحشر والمنشر
قال تعالى: (وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ)، «سورة ق: الآية 41».
جاء في تفسير الجلالين في تفسير الآية السابقة: «المنادي هو إسرافيل - عليه السلام - ينادي من مكان قريب من السماء وهو صخرة بيت المقدس، أقرب موضع من الأرض إلى السماء يقول: أيتها العظام البالية والأوصال المتقطعة إن الله تعالى يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء»، (تفسير الجلالين ص 520).
وعن ميمونة مولاة النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَتْ : قلتُ : «يَا رَسُوَلَ اللهِ، أَفْتِناَ فِي بَيْتِ الْمَقِدْسِ، قَالَ : «أَرْضُ َالْمَحْشَر ِوالْمَنْشَر...»، (أخرجه ابن ماجة)، يبيِّن الرسول - عليه الصلاة والسلام - بأن بيت المقدس هو أرض المحشر والمنشر، حيث يُساق النّاسُ إليه، ينتظرون القضاء فيما بينهم.

نزول القرآن
قال الإمامُ شهابُ الدينِ أبو محمود بن تميم المقدسي: «رُوينا في كتاب التنزيل وترتيبه لأبي القاسم الحسن بن محمد بن حبيب المفسر في الآيات السفرية، قال: وَأُنْزِلَ ببيت المقدس قوله - عزَّ وجلّ - في الزخرف: (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَ?نِ ءَالِهَةً يُعْبَدُونَ)، «سورة الزخرف: الآية 45»، نزلت عليه - صلى الله عليه وسلم - ليلة أُسْرِيَ به»، (مثير الغرام إلى زيارة القدس والشام ص 261».
وذكر الإمام القرطبي في تفسير الآية السابقة: «قال ابن عباس وابن زيد: لما أُسْرِيَ برسول الله - صلى الله عليه وسلم - من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى - وهو مسجد بيت المقدس - بعث الله له آدم وَمَنْ وُلِدَ من المرسلين، وجبريل مع النبي - صلى الله عليه وسلم-، فأذَّن جبريل - عليه السلام - ثم أقام الصلاة، ثم قال: يا محمد تقدّم فصلِّ بهم، فلما فرغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم-، قال له جبريل - عليه السلام-: «سَلْ يا محمد مَنْ أرسلنا مِنْ قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يُعبدون»، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: لا أسأل قد اكتفيت»، (الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 16/‏‏94 - 95).

موطن التسامح
عندما نتصفح كتب التاريخ، فإنّنا نجد صفحات مشرقة من التسامح الإسلامي مع أهل الديانات الأخرى، ونجد كذلك الأسلوب الطيب في احترام الآخرين وحسن معاملتهم.
فقد أرسى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه- العهدة العمرية مع بطريرك الروم صفرونيوس في السنة الخامسة عشرة للهجرة، والتي تُمَثّل لوحة فنية في التسامح الإسلامي الذي لا نظير له في التاريخ، التسامح بين المسلمين والمسيحيين في القدس بصفة خاصة وفلسطين بصفة عامة، هذه العلاقة الطيبة التي ما زالت وستبقى إن شاء الله، فقد بيَّن رسولنا - صلى الله عليه وسلم - بأنَّ الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - إخوة، حيث يقول - صلى الله عليه وسلم-: «إِنِّي دَعْوَة أَبِي إِبْرَاهِيم، وَبِشَارَة عِيسَى بِيْ»، (أخرجه أحمد).

بقلم الشيخ الدكتور/ يوسف جمعة سلامة
خطيب المسجد الأقصى المبارك
www.yousefsalama.com