أحمد مراد (القاهرة) أكد علماء في الأزهر على مشروعية الاحتفال بالمناسبات الوطنية والتاريخية، موضحين أنه من المقبول بل والواجب شرعاً أن تحرص كل دولة عربية أو إسلامية على الاحتفال بمناسباتها الوطنية والتاريخية المختلفة، بشرط أن لا يتضمن الاحتفال أي شيء يرفضه الإسلام. وأوضح علماء الدين أن الاحتفال بالوطن وأمجاده ومناسباته التاريخية ليس فيه من التحريم شيء، طالما ابتعد عن أي منكر كالحفلات الماجنة التي تمتلئ بالرقص والخمور، وغير ذلك من المحرمات، مشيرين إلى أن الأغاني الوطنية لا شيء فيها، وغير محرمة بل بالعكس، فإنها تنشئ الأطفال والشباب على حب الوطن. وأشار العلماء إلى أن الاحتفال بالمناسبات الوطنية وفرحة الناس بها يمثل تعبيراً صادقاً عن حب الوطن، والذي هو جزء من الإيمان. روح الانتماء أوضحت د. فايزة خاطر، رئيس قسم العقيدة والفلسفة بكلية الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر، أن الدين الإسلامي يحث على تنمية روح الانتماء الوطني في نفوس النشء والشباب، وبلا شك أن الاحتفال بالمناسبات الوطنية ينمي هذه الروح لدى النشء والشباب، وبالتالي فإنه من المقبول - بل والواجب - شرعاً أن تحرص كل دولة عربية أو إسلامية أن تحتفل بمناسباتها الوطنية المختلفة، بشرط أن لا يتضمن الاحتفال أي شيء يرفضه الإسلام. ولقد جاء الإسلام الحنيف بشريعة غراء تحض على السرور والفرحة، وتدعو إلى حب الوطن والانتماء إليه والدفاع عنه وبذل الروح من أجله، والفرحة والسرور بمناسباته الوطنية، وكل سلوك أو فعل أو عمل يحقق هذه الأهداف السامية، فإن الشريعة الإسلامية تقر بمشروعيته، وفي الحقيقة أن الاحتفالات التي تقام في المناسبات الوطنية تعمل على إحياء روح الحماس في نفوس الصغار والكبار وخاصة الشباب؛ لأنها تعرفهم بتاريخهم، وأمجاد وبطولات بلادهم، وهي أمور كلها تنمي الانتماء للوطن وتزيد من حبه، بالإضافة إلى العوامل الأخرى التي يجدونها كالعدالة الناجزة في توفير فرص العمل وتوزيع الثروات، ذلك أن الإنسان عندما يعيش بكرامة داخل وطنه ويجد فيه السعادة بالتأكيد سيدافع عنه بعمره كرد فعل طبيعي. وأوضحت د. فايزة أن حب الوطن من الإسلام والفطرة الإنسانية التي خلق الله الناس عليها، ذلك أن أغلى ما يملك المرء هو الدين والوطن، وما من إنسان إلا ويعتز بوطنه، لأنه مهد صباه ومدرج خطاه ومرتع طفولته، وملجأ كهولته، ومنبع ذكرياته، وموطن آبائه وأجداده، ومأوى أبنائه وأحفاده، فقد جعل الله حب الوطن في فطرة الإنسان وإلا فما الذي يجعل إنساناً يعيش في المناطق شديدة الحرارة، وذلك الذي يعيش في القطب المتجمد تحت البرد القارس، أو ذلك الذي يعيش في الغابات والأدغال يعاني من مخاطر الحياة كل يوم، ما الذي جعلهم يتحملون كل ذلك إلا حبهم لوطنهم وديارهم، لذلك كان من الحقوق والواجبات الاجتماعية في الإسلام والتي غرسها في فطرة الإنسان حقوق الوطن والأرض التي يعيش فيها ويأكل من خيرها ويعبد الله تحت سمائها، وأول هذه الحقوق الحب الصادق لهذا الوطن. واجب إسلامي من جانبه، أكد د. حسين عبدالمطلب، عميد كلية الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة الأزهر، أن الانتماء للوطن واجب إسلامي، حث عليه ودعا إليه الدين الحنيف، لافتاً إلى أن الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد نص يحرمه، والاحتفال بالوطن وأمجاده ومناسباته التاريخية ليس فيه من التحريم شيء، طالما ابتعد عن أي منكر كالحفلات الماجنة التي تمتلئ بالرقص وشرب المواد الكحولية وغير ذلك من المحرمات، لافتاً إلى أن الأغاني الوطنية لا شيء فيها وغير محرمة، بل بالعكس فإنها تنشئ الأطفال والشباب على حب الوطن، كما أن مثل هذه الاحتفالات الوطنية تشجع الشباب وتحمسهم، وتجعل المواطنين يلتقون في الأفراح والمناسبات السعيدة وليس فقط في الأحزان. وأشار د. عبدالمطلب، إلى كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب وطنه، فعندما خرج مهاجراً من مكة إلى المدينة وقف مودعاً إياها، وقال صلى الله عليه وسلم: «ما أطيبك من بلد، وأحبك إلى ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك»، فكان هذا من دافع الانتماء إلى الوطن وحب الرسول الكريم لبلده الذي وُلد ونشأ فيه، فرغم ما وجده من اضطهاد وتعذيب من أهله إلا أن حب الوطن كان غالياً لديه، فقال هذه الكلمات بلهجة حزينة مليئة أسفاً وحنيناً وحسرة وشوقاً، ولولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو معلم البشرية يحب وطنه لما قال هذا القول الذي لو أدرك كل إنسان مسلم معناه لرأينا حب الوطن يتجلى في أجمل صوره وأصدق معانيه، ولأصبح الوطن لفظاً تحبه القلوب، وتهواه الأفئدة، وتتحرك لذكره المشاعر. وتابع د. عبدالمطلب: ولما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم «الجحفة» في طريقه إلى المدينة اشتد شوقه إلى مكة، فأنزل الله قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى? مَعَادٍ...)، «سورة القصص: الآية 85»، أي لرادك إلى مكة التي أخرجوك منها، وعندما هاجر إلى المدينة، واستوطنها ألفها، بل كان يدعو الله أن يرزقه حبها: «اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد»، فهو يدعو الله بأن يرزقه حب المدينة أشد من حبه لمكة، لاستشعاره بأنها أصحبت بلده ووطنه التي يحن إليها، ويسر عندما يرى معالمها التي تدل على قرب وصوله إليها. من الإيمان وأكد الشيخ عبد الحميد الأطرش، رئيس لجنة الفتوى الأسبق بالأزهر، أن الاحتفال بالمناسبات الوطنية وفرحة الناس بها يمثل تعبيراً صادقاً عن حب الوطن، والذي هو جزء من الإيمان، وقد عبر القرآن الكريم عن حب الأوطان، وضرب مثالاً على ذلك بحب الأنبياء لأوطانهم، وفي الحقيقة أن التعبير عن حب الوطن والانتماء إليه ليس بالشعارات أو الاحتفالات وإقامة المهرجانات فحسب، وإنما يكون من خلال الشعور بالانتماء النابع من القلب، وتتم ترجمته إلى مجموعة من السلوكيات الإيجابية تجاه هذا الوطن للتعبير عن حبه وصدق الانتماء إليه. وأشار الشيخ الأطرش إلى أن الإسلام أولى أهمية كبيرة للأرض بمعناها الجغرافي، فجاء الأمر بعمارتها والاستخلاف فيها، ومنها نشأت فكرة المواطنة على أرض يكون للإنسان فيها حقوق وعليه واجبات، ومن حقوق الوطن أن يسعى كل فرد فيه للحفاظ عليه وتنميته وازدهاره.